السبت، 22 أكتوبر 2011

الاشتراكية بداية التاريخ

) نهاية التاريخ

لقد انتهت الهدنة بين الطبقات، وطرح الصراع الطبقي في المجتمع الليبرالي أسئلة كثيرة عما يقوله فوكوياما -أو الاقتصاد السياسي على العموم- عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير وهو إنسان المجتمع الرأسمالي، وها هو الصراع ينتشر شيئًا فشيئًا مثل الوباء على مستوى التاريخ العالمي، ويزيد من حيرة فلاسفة الأخلاق على الأخص أمام هذا الوضع الرهيب، فها هي معارضة واقعية تهدد مصالح الرأسماليين من يونان إلى وول ستريت، ومنها إلى بريطانيا وفرنسا وتونس ومصر. فدهشة الفلاسفة أمام الانتقال المفاجيء للحركة الثورية من الشرق إلى قلب الليبرالية نفسها في الغرب وأمريكا، يعني في نفس الوقت عجزهم التام عن جواب السؤال الذي بدأ الناس يطرحونه حول الليبرالية التي ينتظرها الشرق، فالحركة الثورية في الغرب وأمريكا، جعل من الليبرالية الشرقية آمالا مزيفة لا أكثر، فإذا كان شعار الشرق الدكتاتوري هو المدنية والليبرالية، فما شعار الغرب المدنية - الليبرالية نفسها؟ أهو مجتمع أكثر ليبرالية؟ أو الديمقراطية الحقيقية؟ أو إجبار أصحاب المال تقليل أرباحهم وتوزيعها على الناس بصورة عادلة؟ أو التخلي عن الأفكار الدنيئة، والاسترشاد بالفضيلة والأخلاق الرفيعة، والتعهد بالشرف؟ أو الأسعار العادلة التي هي مرهونة دائمًا بتموجات السوق؟

2) ثرثرة الليبراليين

لقد انتهى السلم الاجتماعي، وأعلن التاريخ من جديد عجز الليبرالية التام عن إدارة مجتمع خالٍ من النزاعات. ولكن مع ذلك لا تنتهي ثرثرة الليبراليين. وهم لا يزالون يدَّعون أن الرأسمالية ممكن أن توجد، ولكن دون وجود الحقد والصراع والعنف في المجتمع. إن الرأسمالية ذات منجزات فائقة، وذات مآثر اقتصادية عظيمة، ومعجزات غريبة عن البشر. لذلك فعلينا أن نقر بوجودها وتطويرها نحو الأحسن لصالحنا نحن جميعًا، حسب الليبراليين.
وهكذا، يتحدث الليبراليون عن الكائنات الإنسانية ويقولون لنا: نحن جميعنا أخوة! فهم ينادون إذًا بمحبة الجنس البشري، كما يقول كارل ماركس، ولكن دون ذكر أسباب الحقد والعنف بيننا. وفي أفكارهم الأخلاقية، فهم يتوجهون إلى الخير والحسنات، يعني إلى حلول الفلاسفة الوهمية، ويحاولون حتى توفيق الحركة الاشتراكية العالمية مع الأفكار السائدة كالحب، والصدق، والأخلاق، والسلم الاجتماعي.

ولكن رغم هذا الهراء الليبرالي، فالشروط التاريخية الجديدة، بدأت تشغل بال كل الناس في العالم حول التصورات الجامدة البائدة عن التاريخ وعلاقة الطبقات ببعضها البعض، وأسباب عدم استمرار السلم الاجتماعي، والأفعال التاريخية للقوانين الاقتصادية التي لا يمكننا تشبيهها بالقوانين الثابتة للطبيعة إطلاقًا، كما يقول كارل ماركس، فحركة المجتمع الحديث مثلها مثل المجتمعات السابقة، خاضعة في تطورها للقوانين لا للأيديولوجيا الفلسفية وأفكار العباقرة ونظريات العظماء. وقد أسهمت بالفعل مختلف أنواع الأوهام الفلسفية السابقة في تكوين تصورات زائفة عن التاريخ وربط حركته، وثم صانعي الثورة، بمفاهيم الأيديولوجية، وتمجيد الأفكار والأفراد، وتعريف الاشتراكية بعلم اكتشفه العلماء. أو كما يقول كارل ماركس:

"وإنها لتتضمن فيما تتضمنه اعتقاده بأن الأفراد الذين يصنعون ثورة مرتبطون برباط أيديولوجي وإن (رفعهم) لراية الثورة يقتصر على تمجيد مفهوم جديد، فكرة ثابتة، شبح أو طيف -المقدس" (كارل ماركس، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة الدكتور فؤاد أيوب، ص 411).

3) هل الاشتراكية علمية؟

ليست الاشتراكية نتاج العقل الفلسفي أو اكتشاف علمي، كما يعلنها الأنتلجنسيا -المثقفون البرجوازيون. ومع تطور الحركة ذاتها، ودخول الطبقات صراعهم الحاسم حول بقاء أو فناء المجتمع الليبرالي، يتضح شيئًا فشيئًا أن الاشتراكية ليست شبحًا للعقل العلمي، أو اكتشافًا علميًّا من عالم اقتصادي مثل كارل ماركس، بل إنها صيرورة تاريخية ستقود البشرية في النهاية نحو هذا الاتجاه. وينتقد ماركس في حينه مفهوم الاشتراكية العلمية بوصفه علم غيبي ويقول:

"إن الاشتراكية الحقيقية، التي تزعم إنها قائمة على (العلم)، هي بدورها علم باطني في المحل الأول؛ وأدبياتها النظرية مخصصة لأولئك القلة الذين تدربوا على (الذهن المفكر)" (كارل ماركس، نفس المصدر السابق، ص 498).

إن الحديث عن الاشتراكية هو الحديث عن الوسائل المادية التاريخية لولادة مجتمع جديد. لذلك فعلى المستوى النظري، إن الاشتراكية غير قابلة للتصور في جميع الأوقات وفي كل الظروف الاقتصادية والسياسية. إذًا، إن الاكتشاف العلمي للاشتراكية أمر غير قابل للتحقيق. وإن هذه الظروف تنشأ بصورة طبيعية لا بفعل الأفكار الفلسفية والوصفة الأيديولوجية للمثقفين البرجوازيين -الأنتلجنسيا، فالمسألة تتعلق بإلغاء تاريخي لشكل خاص من الملكية وظهور شكل آخر محلها لا بالتطبيق العلمي في الإنتاج، فالإنتاج الرأسمالي هو في الأساس عملية علمية، وإدارتها إدارة علمية، ولكن دون حل أي نزاع اجتماعي، فالاستغناء عن الإنتاج الرأسمالي لا يعني إطلاقًا الاستعاضة عنه بنظام علمي، بل يعني الاشراف الجماعي للمجتمع على الوسائل الإنتاجية، ولا يصبح هذا العمل واقعة تاريخية ما لم تصبح إلغاء الملكية الخاصة ضرورة تاريخية.

يقول ماركس: "ألا يتبين أن الملكية الخاصة شكل للتعامل ضروري لمرحلة معينة من تطور القوى الإنتاجية؛ شكل للتعامل لا يمكن إلغاؤه ولا يمكن الاستغناء عنه في إنتاج الحياة المادية المباشرة ما لم يتم إيجاد القوى الإنتاجية التي تصبح الملكية الخاصة بالنسبة إليها غلاً وعائقًا" (كارل ماركس، ، نفس المرجع السابق، ص 381).

4) الأنتلجنسيا والاشتراكية

الأنتلجنسيا هم المثقفون البرجوازيون الذين يقومون دائمًا بإعطاء أسماء غامضة عن اشتراكياتهم القومية المختلفة، الاشتراكيات التي ليست في الواقع سوى نظام العمل المأجور نفسه، فالإنتلجنسيا يوهمنا بأن الاشتراكية خلاصة الفكر الفلسفي لا حركة واقعية لطبقة اجتماعية، ولا نستغرب حين نرى أن هؤلاء الاشتراكيين يعارضون الرأسمالية بفكر هيغل الفلسفي -أي الديالكتيك، الفكر المسيحي الذي لا علاقة له بالوقائع التاريخية على الأرض، فهيغل مسيحي أكثر من المسيح نفسه، ويبحث علاقات البشر في السماء لا في التاريخ. لذلك فاللجوء إلى هيغل لفهم التاريخ، ليس سوى جهل بالتاريخ الواقعي. وإن هذه الأفكار الاشتراكية نشأت في ظروف تختلف كل الاختلاف عن ظروفها التاريخية الواقعية، أي إنها أفكار مستعارة من الأنتلجنسيا لا من تجارب ودروس تاريخية لحركات اجتماعية واقعية، فغزل الأفكار مهمة من مهمات هؤلاء المثقفين البرجوازيين.
ولكن دون شك، ستتضح كل هذه الفقرات الغامضة من فكر الأنتلجنسيا حين تبدأ الطبقة البروليتارية بنفسها من جديد برفع رايتها، ونعني بها الحركة الاجتماعية التي ستقودنا إلى نهاية (نهاية التاريخ) أي نهاية الرأسمالية، وبداية التاريخ الإنساني، أي الاشتراكية.

5) نهاية التاريخ أم بدايته؟

إن التاريخ ينتهي في الرأسمالية! هكذا يقول فوكوياما. ولكن التاريخ الفعلي للبشر لا يبدأ إلا بعد عبورهم المجتمع الليبرالي ودخولهم المجتمع الاشتراكي، أي المجتمع الذي يشترك فيه البشر بنتاج إنتاجهم الاجتماعي، فالاشتراكية هي بداية التاريخ الإنساني، والثورة الاشتراكية هي التي ستقود البشر إلى عالمهم الإنساني، إلى عالم خالٍ من منافسة البشر للبشر، فالتاريخ الإنساني يبدأ عند دخول الإنسان عالمًا يتوقف فيه قانون صراع البقاء الحيواني، فلا وجود للمجتمع الإنساني دون نهاية (نهاية التاريخ)، أي دون إنهاء المجتمع الطبقي وتحويل الإدارة السياسية -البيروقراطية الطفيلية- إلى إدارة مجردة للإنتاج، أي تحويل الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية، كومونية ستجعل من ممكلة الحرية حقيقة تاريخية، المملكة التي ستضمن التطور الحر لكل فرد من أفراد المجتمع.

فلترفرف راية الثورة الاشتراكية على ربوع العالم!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق