الخميس، 9 يونيو 2011

الاعتراضات على اللاسلطوية ( الأناركية ) لجورج باريت

مازن كم الماز
الحوار المتمدن - العدد: 3390 - 2011 / 6 / 8
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

جورج باريت
اعتراضات على اللاسلطوية ( الأناركية )
1921
ترجمة مازن كم الماز
2
استخدم مجلس العموم و القانون من قبل الطبقة المسيطرة حاليا لتحقيق أغراضها , لماذا لا يمكن استخدامهما من قبلنا لنحقق أغراضنا نحن ؟

يقوم هذا السؤال على سوء فهم غير عادي . يبدو أنه يأخذ كبديهية أن الرأسمالية و الحركة العمالية تستخدمان نفس الأساليب ( أو الوسائل ) , لكن الرأسمالية تريد أن تجعل نظامها للاستغلال و الحكم كاملا , أما العامل فهو يريد انعتاقه و حريته , من الطبيعي أن نفس الوسائل لا يمكن أن تستخدم لهذين الغرضين ( المتناقضين ) . هذا يجيب دون شك على السؤال بشكل كافي . لكن طالما أن السؤال يتضمن اقتراحا خفيا بأن الحكومة هي عامل للإصلاح و التقدم و الثورة , فإن هذا يضع يده على النقطة التي يختلف فيها اللاسلطويون ( الأناركيون ) عن بقية الأحزاب السياسية . لذلك يستحق هذا الاقتراح أن يدرس عن قرب أبعد من هذا الجواب فقط .
لقد اعتقد أنه ما أن يصل السياسيون المتحمسون إلى السلطة حتى يكونوا من موقعهم في السلطة قادرين على يقولبوا المجتمع بسرعة حسب الشكل الذين يريدون . أصدر قوانين جيدة , كما يعتقدون , و ستحصل على مجتمع جيد . كم هذا سهل , أليس كذلك ؟ هكذا فإننا سنحصل على ثورة وفق الشروط التي وعدنا بها بلاتشفورد ( سياسي انكليزي – المترجم ) الرائع – "دون إراقة دماء , و دون أن نفقد يوما واحدا من العمل" . لكن يا للأسف ! إن الطريق المختصرة إلى العصر الذهبي هي وهم ( سراب ) . أولا , أن أي مجتمع يتشكل حسب القانون هذا غير صحيح . ثانيا لا يمكن للقانون أن يحدد شكل المجتمع , في الواقع العكس هو الصحيح . النقطة الثانية هي الأكثر أهمية . فأولئك الذين يفهمون القوى التي تدفع التقدم سيرون أن القانون يبقى متأخرا في الخلف , و لا يمكنه أبدا أن يبقى على نفس درجة التقدم التي يحققها البشر , إنه دائما يقاوم أي تقدم في الحقيقة , محاولا على الدوام أن يقوم بردة فعل رجعية , لكنه على المدى البعيد يستسلم و يسمح بحرية أكبر فأكبر . حتى أبطال الحكومة ( أكبر أنصارها ) يقرون بذلك عندما يريدون أن يحدثوا تغيرا كبيرا , عندها يلقون جانبا بظاهر القانون و يتحولون إلى الطرق الثورية . الطبقة الحاكمة الحالية , التي يفترض أن تكون دليلا حيا على أن الحكومة يمكنها فعل أي شيء , هم بحد ذاتهم , صريحون تماما في الاعتراف بأنه يمكنهم فعل القليل جدا فقط . إن كل من يدرس صعودهم إلى السلطة سيجد أنهم لكي يصلوا هناك قد قاموا بالتبشير نظريا ل , و أسسوا في الواقع , مبدأ مقاومة القانون . بالفعل من المثير للفضول حقيقة أنه مباشرة بعد الثورة أعلن أن الدعوة لمقاومة القانون هي عمل من أعمال الشغب , لكن اليوم من الشغب أن تتحدث دفاعا عنه .
لكي نوجز , نقول أنه إذا كان هناك أي منطق في السؤال , و هو لا يوجد , يمكن لنا أن نعيد صياغته هكذا : "حيث أن الطبقة المسيطرة الحالية غير قادرة على أن تحقق غاياتها باستخدام مجلس العموم و القانون , لماذا يجب أن نأمل بأن نحقق غاياتنا نحن من خلالهما ؟" .


4
من الضروري أن نتنظم لكي نعيش , أن نتنظم يعني الحكومة , لذلك فإن اللاسلطوية ( الأناركية ) مستحيلة ؟

صحيح أنه من الضروري أن نتنظم لكي نعيش , و بما أننا جميعا نرغب في أن نعيش فعلينا أن نتنظم بإرادة حرة , و لا توجد حاجة لإكراه الحكومة لكي نقوم بذلك . لا يعني التنظيم الحكومة . إننا نقوم أثناء عملنا اليومي العادي بتنظيم أنفسنا من دون حكومة . إذا أراد اثنان منا أن ينقلوا طاولة من أحد جهات الغرفة إلى جهة أخرى , فإن كلا منا و بشكل طبيعي سيمسك أحد طرفي الطاولة و لا نحتاج إلى حكومة لتقول لنا أنه يجب علينا أن نحافظ على توازن الطاولة بأن لا نذهب نحن الاثنان إلى أحد طرفيها , و السبب الذي يجعلنا نتفق بصمت على هذا و أننا ننظم أنفسنا في مواقعنا الصحيحة هو أنه لدى كلينا هدف ( غرض ) مشترك : فنحن الاثنان نريد أن نحرك الطاولة . حتى في منظمات ( تنظيمات ) أكثر تعقيدا يحدث نفس الشيء أيضا . طالما قامت هذه المنظمات ( التنظيمات ) على هدف مشترك فإنها ستقوم بعملها بشكل أوتوماتيكي بكل سهولة و يسر . لكن عندما بسبب تضارب المصالح نجمع أشخاصا ( ذوي مصالح متناقضة ) في منظمة ( تنظيم ) واحد , فإن النزاعات الداخلية ستظهر , و تصبح قوة ما خارجية ضرورية للحفاظ على النظام , سيصبح لدينا في الواقع مجتمعا حكوميا ( محكوما من قبل الحكومة ) . إن هدف اللاسلطويين ( الأناركيين ) هو تنظيم المجتمع بحيث يزول أي تضارب في المصالح , و سيتعاون البشر و يعملون سوية ببساطة لأن لديهم مصالح مشتركة .
في مجتمع كهذا ستكون التنظيمات أو المؤسسات التي سيشكلونها متوافقة تماما مع حاجاتهم , في الواقع سيكون هذا مجتمعا تمثيليا ( لا حكوميا ) .

5
كيف ستنظمون المرور ؟

إننا لن نفعل . سيترك تنظيمه لأولئك الذين يتعلق عملهم بهذه المسألة . سيقوم أولئك الذين يستخدمون الطرق ( و بالتالي لهم مصلحة مشتركة في تنظيمها ) بالجلوس معا و مناقشتها و الاتفاق على الترتيبات كقواعد السير في الطرق . هذه القواعد التي توجد اليوم في الواقع قد أسستها الأعراف ( أو العادة ) و ليس القانون , رغم أن القانون قد يأخذ على عاتقه أحيانا أن يفرضها .
هذا السؤال نرى إجابته بشكل عملي جدا كل يوم في نوادي السيارات الكبيرة , التي يدخلها الناس طوعا , و التي تدرس مصالح هذا القسم من المرور . في منعطفات خطرة أو مزدحمة مثلا يوضع حارس يدل بإشارة من يده عما إذا الطريق خال أم لا , أو إذا كان من الضروري أن تبطئ السرعة . توضع صناديق الإسعاف الأولي و محلات التصليح على طول الطريق , و تتخذ الترتيبات لكي تبلغ السائقين عن السيارات المعطلة .
قسم آخر مختلف جدا من مستخدمي الطرق و هم متعهدو النقل وجدوا أجوبة عملية على هذه المسألة . هناك حتى اليوم كل أنواع التفاهمات و الاتفاقات بين هؤلاء الرجال على من سيسير أولا , و عن المكان الذي يجب أن يأخذوه في الحدائق و الأبنية حيث يعملون . توجد بين سواقي الأجرة و سواقي التاكسي نفس هذه الاتفاقات المكتوبة و غير المكتوبة , التي يحافظ عليها بصرامة عن طريق التفاهمات الحرة كما لو أن ذلك يجري بواسطة عقوبات القانون .
افترض الآن أن تأثير الحكومة سيختفي على سائقينا . هل يصدق أي شخص أن النتيجة ستكون الفوضى ؟ أليس الأكثر احتمالا هو أن الاتفاقات الحرة التي توجد اليوم ستمتد لتغطي كل المجال الضروري ؟ و أن تلك المهام القليلة المفيدة التي تقوم بها الحكومة في هذا الشأن : ألن تنفذ بطريقة أكثر فعالية بواسطة التنظيم الحر بين السائقين أنفسهم ؟
لقد أجيب عن هذه المسألة بشكل أكبر من قبل كروبوتكين في كتابه "الاستيلاء على الخبز" . أظهر كروبوتكين فيه كيف أن المرور في قنوات هولندا المائية ( الحيوية جدا لحياة الشعب ) يخضع لسيطرة الاتفاقات الحرة , لضمان إشباع كامل لكل المهتمين بالأمر . تتعاون السكك الحديدية في أوربا كما أشار أيضا مع بعضها البعض و بالتالي تندمج في منظومة واحدة , ليس بواسطة نظام الإدارة المركزية , بل بالاتفاقات الحرة و الاتفاقات المعاكسة بين شركات مختلفة .
إذا أمكن للاتفاقات الحرة بأن تفعل الكثير الآن , حتى في ظل نظام المنافسة و الحكومة , فكم ستفعل ( ستحقق ) أكثر بكثير عندما تختفي المنافسة و عندما نثق بتنظيمنا نحن بدلا من تنظيم حكومة أبوية .



7
إذا ألغيتم المنافسة فأنتم تلغون الحافز للعمل .

أحد أكثر الأشياء غرابة عن مجتمع اليوم هو أنه بينما نظهر قدرة رائعة في إنتاج ثروة و رفاهية وفيرة , فإننا نعجز عن أن ننتج أبسط الضروريات . سيتفق كل شخص , أيا كان رأيه السياسي أو الديني أو الاجتماعي مع هذا . إنه أكثر وضوحا من أن يجري إنكاره . من جهة هناك مثلا أطفال دون أحذية , و من جهة أخرى هناك صانعو أحذية يصرخون لأنهم لا يستطيعون أن يبيعوا بضائعهم . من جهة هناك بشر يجوعون أو يعيشون على طعام غير مفيد ( غير مغذي ) و من جهة أخرى يشكو تجار المفرق من كساد تجارتهم . هناك رجال و نساء ليس لديهم مأوى ( مشردون ) ينامون على الأرصفة و يتسكعون ليلا في مدننا الكبيرة , و هناك أيضا مالكو عقارات يشتكون من أنه لا يأتي أحد ليسكن في بيوتهم . في كل هذه الحالات يترك هذا الإنتاج دون استخدام بسبب عدم وجود طلب . أليست هذه حالة لا يمكن احتمالها ؟ ما الذي يمكننا أن نقوله الآن عن الحافز للعمل ؟ أليس من الواضح أن الحافز الحالي خاطئ و مؤذي لدرجة الجوع و الخراب . الشيء الذي يحفزنا لكي ننتج الحرير و الألماس و المدرعات ( السفن المدرعة ) البحرية و دمى الكلاب , بينما نحتاج إلى الخبز و الأحذية و البيوت , هو خاطئ بشكل مطلق و تماما .
يجري الصراع اليوم على التنافس في سبيل أكبر ربح . إذا كان هناك ربح أكبر في تلبية نزوة عابرة لسيدة ما منه في إطعام الأطفال الجائعين , عندها ستدفعنا المنافسة في تسابق محموم لكي نحاول إشباع الأولى و بينما يمكن للجعمية الخيرية أو لقانون الفقراء أن يطعم الأخيرين , أو قد يتركون دون طعام , لأننا نشعر أنهم يمكن التخلص منهم دون مشاكل . هكذا تسير الأمور . و هذا هو السبب : فالمنتج و المستهلك عنصران ضروريان , تتدفق الثروة باستمرار من طرف لآخر , لكن يقف بينهما صانع الأرباح و نظامه التنافسي , و هو قادر على أن يحرف هذا التدفق إلى الوجهة الأفضل التي تناسبه . أبعده جانبا و سيصبح المنتج و المستهلك على علاقة مباشرة بينهما . عندما يذهب صانع ( جاني ) الأرباح هذا مع نظامه سيبقى هناك الحافز المفيد حقا للعمل , الذي هو حاجات الناس . إن الحاجة للأشياء الضرورية المشتركة و لأكبر رفاهية للحياة لن تكون فقط أساسية كما هي اليوم , لكنها ستكون القوة المحفزة مباشرة وراء كل من الإنتاج و التوزيع . من الواضح , كما أظن , أن هذا هو المثل الأعلى الذي يجب السعي وراءه , لأنه الوحيد في هذه الظروف حيث سيمارس الإنتاج و التوزيع لسبب شرعي – أي لإشباع حاجات البشر و و ليس لأي سبب آخر .

8
الاشتراكية أو الاشتراكية الديمقراطية يجب أن تأتي أولا , عندها قد نحصل على الأناركية , إذن اعملوا أولا لصالح الاشتراكية الديمقراطية

هذا الكلام غالبا ما يتكرر دون أن يكون وراءه أي حجج أو معنى . عمل الاشتراكي المعاصر , أو الاشتراكيون الديمقراطيون على الأقل , دائما نحو المركزة , نحو تنظيم كامل و متكامل و تحكم ( سيطرة ) أولئك الذين في السلطة على الشعب . أما اللاسلطوي ( الأناركي ) فإنه من جهة أخرى يؤمن بإلغاء السلطة المركزية و يتوقع أن يظهر المجتمع الحر إلى الوجود من الأسفل , بدءا بتلك المنظمات و الاتفاقات الحرة بين الناس أنفسهم . من الصعب لذلك أن نرى كيف يمكن من خلال خلق سلطة مركزية تسيطر على كل شيء , يمكننا أن نقترب خطوة من إلغاء تلك السلطة .

10
نحن جميعنا نعتمد على بعضنا البعض , و لا يمكننا أن نعيش حياة معزولة في مجتمع حر . لذلك فإن الحرية المطلقة مستحيلة .

لقد قيل ما يكفي من قبل ليظهر أننا لا نعتقد أنه يجب على البشر أن يعيشوا في عزلة في مجتمع حر . لنحصل على المعنى الحقيقي لحياتنا , علينا أن نتعاون , و لكي نتعاون علينا أن نتفق مع بعضنا البعض . لكن افتراض ان هذه الاتفاقات بيننا تعني تقييد الحرية هو بالتأكيد سخف , على العكس , إنها ممارسة للحرية .
لو اردنا أن نخترع دوغما ( عقيدة جامدة ) من فكرة أننا عندما نتفق فيما بيننا فإن هذا سيضر بالحرية , عندها ستصبح الحرية طغيانا على الفور , لأنها ستمنع البشر من ممارسة المتع اليومية العادية . مثلا , لن يمكنني الذهاب إلى العمل مع صديقي لأن هذا ضد مبدأ الحرية الذي يعني أنه علي أن أتفق معه على أن أكون في مكان معين لألتقي به . لا يمكنني في هذه الحالة في أسوأ الأحوال أن أوسع سلطتي ( قوتي ) أبعد مني أنا فقط , لأنني إن فعلت ذلك يجب أن أتعاون مع شخص آخر , و هذا التعاون يعني الاتفاق , و هذا ضد الحرية . سيرى على الفور أن هذا الاتفاق مجرد سخف . لكني لا أحدد حدود حريتي , بل أمارسها ببساطة , عندما أتفق مع صديقي على الذهاب للمشي سوية .
إذا قررت , من جهة أخرى , من معرفتي "المتفوقة" أنه من الجيد لصديقي أن يلعب الرياضة , و حاولت بالتالي أن أجبره على الذهاب معي للمشي , أكون عندها قد بدأت بتقييد الحرية فعلا . هذا هو الفرق بين الاتفاق الحر و بين الحكم ( الحكومة ) .

16
إذا تمكنتم من الإطاحة بالحكومة غدا و أن تقيموا اللاسلطوية ( الأناركية ) , فإن نفس النظام سيظهر عما قريب

هذا الاعتراض محق تماما , عدا أننا لا نقترح أن نطيح بالحكومة غدا . لو أنني ( أو نحن كمجموعة من اللاسلطويين ( الأناركيين ) توصلت لاستنتاج أنني سأكون محرر البشرية , و أني ساتمكن بوسائل ما من أن أطيح بالملك , و بمجلس اللوردات و مجلس العموم , و قوة الشرطة , أي بكلمة كل الأشخاص و المؤسسات التي تشكل الحكومة – لو أني كنت ناجحا في كل هذا و و توقعت أن أرى الناس يستمتعون بحريتهم نتيجة لذلك , عندها أكون أنا نفسي مخطئ جدا دون أي شك .
ستكون النتائج الرئيسية لعملي هذا أن اخلق امتعاضا هائلا من جانب غالبية البشر , و أن تعيد كل قوى الحكومة تنظيم نفسها من جديد .
من السهل جدا فهم السبب في أن هذا الأسلوب سيفشل . لأن قوة الحكومة تكمن ليس في نفسها بل في الناس أنفسهم . قد يكون الطاغية الكبير غبيا و ليس إنسانا أعلى ( سوبرمان ) . لكن قوته لا تكمن فيه هو نفسه , بل في اعتقاد الناس الذين يعتقدون أنه من الصحيح إطاعته . طالما وجد هذا الاعتقاد ( أو الخرافة ) فلا جدوى من قيام محرر ما بقطع رأس الطاغية , سيخلق الناس طاغية آخر , لأنهم اعتادوا على الاعتماد على شيء ما خارجهم .
لكن افترض أن الناس قد تطوروا و أصبحوا أقوياء في حبهم للحرية , و أصبحوا يعتمدون على أنفسهم , عندها سيقوم أكثرهم تمردا ( ثورة ) بالإطاحة بالطغيان , و مدعومين بالشعور العام لعصرهم لن يتم التراجع عن عملهم هذا . لن ينهض الطغيان أبدا من الموت . سيكون معلم بارز في تقدم الإنسانية قد جري تجاوزه و سيترك وراءها إلى الأبد .
لذلك عندما يوجه الثائر اللاسلطوي ( الأناركي ) ضربته للحكومات فإنه يفهم أنه ليس محررا ذا مهمة مقدسة لتحرير الإنسانية , لكنه جزء من هذه الإنسانية يناضل نحو الحرية .
لو أنه عندها جرت ثورة لاسلطوية ( أناركية ) جاهزة مسبقا بوسائل ما خارجية و فرضت على الناس , من الصحيح أنهم سيرفضونها و سيعيدون بناء المجتمع القديم . لكن لو أن الناس بالمقابل طوروا أفكارهم عن الحرية , و تخلصوا عندها بأنفسهم من آخر قلعة للطغيان – أي الحكومة – فستكون الثورة قد تحققت بالفعل بشكل دائم .

17
إذا ألغيتم الحكومة , ما الذي ستضعوه مكانها ؟

يبدو هذا الكلام للاسلطوي ( الأناركي ) تماما مثل سؤال المريض للطبيب , "إذا أخذت مني مرضي , ما الذي ستضعه مكانه" ؟ . إن اللاسلطوي ( الأناركي ) يرى أن الحكومة لا تلبي أي غرض مفيد . إن معظم ما تفعله مضر , و الباقي يمكن القيام به بشكل أفضل من دون تدخلها . إنها قائدة ( زعيمة ) صانعي الأرباح , و آخذي الإيجارات , و كل أولئك الذين يأخذون من المجتمع دون أن يعطوه أي شيء . عندما تلغى هذه الطبقة من قبل الناس الذين سينظمون أنفسهم بحيث أنهم سيديرون المعامل و يستخدمون الأرض لصالح مجتمعاتهم ( مجموعاتهم ) الحرة , أي لفائدتهم الخاصة , عندها يجب على الحكومة أن تختفي , بما أن الغرض من وجودها قد اختفى . الشيء الوحيد الذي سيوضع مكان الحكومة سيكون المنظمات ( التنظيمات ) الحرة للعمال . عندما سيلغى الاستبداد ( الطغيان ) ستبقى الحرية , تماما كما أنه عندما يستأصل المرض تبقى الصحة .

18
لا يمكن لنا جميعا أن نتفق و نفكر مثل بعضنا و لا أن نكون جميعا كاملين , لذلك فإن القوانين ضرورية , أو أنه ستكون هناك فوضى

لأنه لا يمكننا أن نتفق مع بعض جميعا , لهذا السبب , فإن اللاسلطوية ( الأناركية ) ضرورية . لو أننا كنا جميعا نفكر مثل بعضنا لما كان من المهم حتى لو كان لدينا قانون واحد مشترك على الأقل نخضع له جميعا . لكن كثيرون منا يفكرون على نحو مختلف , لذلك من السخف أن يفرض علينا أن نتصرف بنفس الطريقة من خلال أساليب ( وسائل ) الحكومة التي نملك ما يكفي من السخف لنسميها تمثيلية .
نقطة مهمة جدا تطرح هنا . فلأن اللاسلطويين ( الأناركيين ) يعترفون بالضرورة المطلقة للسماح لهذا الاختلاف بين البشر أصبحوا لاسلطويين ( أناركيين ) . الحقيقة أن أي تقدم قد ترافق بعملية الاختلاف , أو بزيادة الفروق بين الأجزاء . إذا أخذنا أكثر الكائنات ( العضويات ) بدائية نجد أنها ببساطة كرية صغيرة من البلاسما , أي من المادة الحية . إنها غير متمايزة تماما أي أن كل أجزائها متشابهة ( متماثلة ) . أما العضوية ( الكائن ) الذي يأتي فوقها في سلم التطور سنجد أنه قد طور نواة , و الآن يتألف الشيء الحي الصغير من جزئين مختلفين ( متمايزين ) تماما , من جسم الخلية و النواة . إذا أردنا ان نقارن عضويات ( كائنات ) مختلفة سنجد أن ذات الطبيعة الأكثر تعقيدا تتألف من مجموعات من هذه العضويات ( الكائنات ) الصغيرة جدا أو من الخلايا . في أكثر هذه المجموعات بدائية سنجد اختلافا صغيرا ( محدودا ) جدا بين خلية و أخرى . كلما صعدنا قليلا سنجد أن خلايا معينة في هذه المجموعات قد أخذت على عاتقها وظائف معينة , و لهذا الغرض رتبت نفسها بطريقة خاصة . هكذا و هكذا , عندما نصل إلى الحيوانات العليا سنجد هذه العملية و قد تطورت بعيدا بحيث أن بعض الخلايا تجتمع معا لتشكل جهاز التنفس , أي الرئتين , أخرى تصبح مسؤولة عن دوران الدم , أخرى تشكل النسيج العصبي , و هكذا , أي انه يمكننا القول أنها تشكل "أجهزة" مختلفة من الجسم . النقطة التي علينا ملاحظتها هي أنه كلما صعدنا للأعلى في المملكتين النباتية و الحيوانية كلما وجدنا اختلافا أكبر بين الوحدات الصغيرة أو الخلايا التي تؤلف الجسم أو العضوية ( الكائن ) . إذا طبقنا هذا على الجسد الاجتماعي أو العضوية ( الكائن ) الاجتماعية , سيكون من الواضح أنه كلما تطورت هذه العضوية ( هذا الكائن – الاجتماعي ) أكثر كلما أصبحت الوحدات ( أي البشر ) و الأجهزة ( أي المؤسسات و النوادي ) التي تشكلها أكثر اختلافا .

نقلا عن dwardmac.pitzer.edu/Anarchist_Archives/coldoffpresses.html

الإنسان , المجتمع و الدولة لميخائيل باكونين

مازن كم الماز
الحوار المتمدن - العدد: 3384 - 2011 / 6 / 2
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

ميخائيل باكونين 1871
الإنسان , المجتمع و الحرية

الليبراليون العقائديون , الذين ينطلقون من مواقع الحرية الفردية , يقدمون أنفسهم على أنهم أعداءا للدولة . من بينهم من يعتبر أن الحكومة , أي منظومة الوظائف المنظمة و المخصصة لأداء وظائف الدولة هي شر ضروري , و أن تقدم الحضارة يكمن في الإضعاف الدائم و المتواصل لخصائص و حقوق الدولة , إن هذا تناقض . هذه هي نظريتهم , لكن في الممارسة فإن هؤلاء الليبراليين العقائديين أنفسهم , ما أن يتهدد وجود أو استقرار الدولة جديا , حتى يصبحوا مدافعين متعصبين عن الدولة مثلهم مثل الملكيين أو اليعاقبة .
إن تمسكهم بالدولة , الذي يتناقض بشكل قاطع مع تعاليمهم الليبرالية , يمكن شرحه بطريقتين : بمصالح طبقتهم التي يتشكل منها الغالبية الساحقة من الليبراليين العقائديين و هي البرجوازية . هذه الطبقة المحترمة و العديدة تطالب لنفسها فقط بالحقوق الحصرية و بامتيازات الرخصة الكاملة ( الحرية الكاملة ) . يقوم الأساس الاجتماعي الاقتصادي لوجودها السياسي أساسا على مبدأ الترخيص ( السماح ) غير المقيد الذي يعبر عنه في هذه الكلمات الشهيرة دعه يمر , دعه يعمل . لكنهم يريدون هذه الأناركية فقط لأنفسهم , و ليس للجماهير التي يجب أن تبقى تحت الانضباط الصارم للدولة لأنها "جاهلة جدا أكثر مما يمكن لها أن تتمتع بهذه الأناركية دون أن تسيء استخدامها" . لأنه إذا ثارت الجماهير , و قد أمضها التعب من العمل لحساب الآخرين , فإن كل البناء البرجوازي سينهار . دائما و في كل مكان , عندما تثور الجماهير , فحتى أكثر الليبراليين حماسة سيذهبون في الاتجاه المعاكس و يصبحون أكثر أبطال السلطة المطلقة ( القدرة الكلية ) للدولة تعصبا .
إضافة إلى هذا السبب العملي , ما يزال هناك أيضا سبب آخر ذا طبيعة نظرية يقود أيضا حتى أكثر الليبراليين المخلصين إلى الخلف نحو عبادة الدولة . إنهم يعتبرون أنفسهم ليبراليين أساسا بسبب نظريتهم عن أصل المجتمع التي تقوم على مبدأ الحرية الفردية , و بسبب هذه النظرية بالتحديد فإنهم يعترفون بالضرورة بالحق ( السيادة ) المطلق للدولة .
الحرية الفردية وفقا لهم لم تكن خلقا , أو نتاجا تاريخيا للمجتمع . هم يقولون على العكس أن الحرية الفردية هي سابقة على المجتمع ككل و أن كل البشر قد وهبهم الله روحا أزلية ( لا تموت ) . الإنسان ( الفرد ) بالنسبة لهم كائن كامل , مستقل بالمطلق , منفصل عن المجتمع و يوجد خارجه . كعنصر حر , سابق و منفصل عن المجتمع , لذلك فإنه هو الذي شكل مجتمعه بالضرورة بواسطة فعل طوعي , نوع من العقد , سواء أكان هذا الفعل غريزيا أو واع , ضمنيا أو رسميا . باختصار , بحسب هذه النظرية , ليس الأفراد نتاج المجتمع بل على العكس , هم الذين قاموا بخلق المجتمع بسبب ضرورة ما كالعمل أو الحرب .
ينتج من هذه النظرية أن المجتمع , لكي نكون واضحين , لا يوجد . إن المجتمع الإنساني الطبيعي , بداية كل الحضارات , و الوسط الوحيد الذي يمكن فيه لشخصية و حرية الإنسان أن تتشكل و تتطور غير موجود بالنسبة لهم . من جهة تعترف هذه النظرية بالأفراد المكتفين بأنفسهم و الذين يعيشون معزولين عن بعضهم البعض , و من جهة , فإنهم قد خلقوا المجتمع اعتباطا و هذا المجتمع يقوم على عقد رسمي أو ضمني , أي على الدولة . ( رغم أنهم يعرفون جيدا أنه لم تخلق أية دولة في التاريخ بعقد ما , و أن كل الدول قد قامت بالغزو و العنف ) .
جمهور الأفراد الذي تتألف منهم الدولة يرون على نفس الدرجة وفقا لهذه النظرية , هذا أمر مليء بالتناقضات . يعتبر كلا منهم ( أي من الأفراد أعضاء الدولة – المترجم ) من جهة روحا أبدية منحت إرادة حرة . كل هذه الكائنات الحرة مكتفية بذواتهم و لا تحتاج لأي شخص آخر , و لا حتى الله , لأنهم هم أنفسهم آلهة , كونهم أبديي الوجود . من جهة أخرى , فهم متوحشون , ضعاف , ناقصون , محدودون , و جميعهم عرضة لقوى الطبيعة التي تحط منهم و ستحملهم إلى قبورهم عاجلا أو آجلا ( لأن نواقصهم هذه هي سبب حاجتهم لقوة فوقهم أعلى , تتحكم بهم ليستمروا بالوجود كمجموعة , كان افلاطون يقول : – المترجم ) ...
بسبب وجودهم الأرضي , فإن جمهور البشر يقدم مشهدا محزنا و مثبطا للغاية , كونهم فقراء جدا في أرواحهم , و في إرادتهم و مبادرتهم , بحيث أنه يجب على المرء أن يكون لديه قدرة هائلة حقا على خداع الذات , لكي يكتشف ( ليبحث ) فيهم عن روح أبدية , أو حتى أقل أثر للإرادة الحرة . إنهم يظهرون محكومين بشكل مطلق بالطبيعة الخارجية , بالنجوم , و بكل الظروف المادية لحياتهم , محكومين بالقوانين و بكل عالم الأفكار أو المواقف المسبقة التي جرى التعبير عنها في القرون الأخيرة , التي وجدوا أنها تؤثر في حياتهم منذ الولادة . الغالبية العظمى من الأفراد , ليس فقط بين الجماهير الجاهلة بل أيضا بين الطبقات المتحضرة و صاحبة الامتيازات , تعتقد و تريد فقط ما يعتقد به و يريده كل شخص حولهم . إنهم يؤمنون دون أن تردد بأنهم يفكرون لأنفسهم , لكنهم فقط يرددون بكل خنوع , مع تعديلات محدودة جدا , أفكار و أهداف من يماثلهم التي تشربوا بها .. هذه العبودية , هذا الروتين , هذا الغياب الدائم لإرادة التمرد و نقص المبادرة و استقلالية الفكر هذا هي الأسباب الرئيسية للتطور التاريخي , البطيء المقفر للإنسانية . بالنسبة لنا نحن الماديون و الواقعيون الذين لا نعتقد لا بأبدية الروح و لا بالإرادة الحرة , فإن هذا البطء , كارثيا كما هو بالفعل , هو حقيقة طبيعية . متطورا من حالة الغوريلا واجه الإنسان صعوبة كبرى في تطوير وعيه بإنسانيته و حريته ... ولد كوحش شرس و كعبد , و جرت أنسنته تدريجيا و قام بتخليص نفسه فقط في إطار المجتمع , الذي هو بالضرورة سابق على ولادة فكره , و كلامه و إرادته . يمكنه تحقيق هذا الانعتاق ( الخلاص ) فقط من خلال الجهد الجماعي لكل أعضاء المجتمع , السابقين و الحاليين , الذي هو مصدر البداية الطبيعية للوجود الإنساني .
حقق ( أدرك ) الإنسان حريته الفردية و شخصيته فقط من خلال الأفراد الذين يحيطون به , و فقط بفضل العمل و القوة الجماعية للمجتمع . من دون مجتمع كان سيبقى بكل تأكيد الأكثر غباءا و الأكثر بؤسا بين كل الحيوانات المفترسة .. بعيدا عن أن يكون المجتمع قد حد ( أنقص ) من حريته , فهو على العكس , هو الذي خلق الحرية الفردية لكل الكائنات البشرية . المجتمع هو الجذر , الشجرة , و الحرية هي ثمرته . لذلك في كل مرحلة على الإنسان أن يسعى لحريته ليس في بداية التاريخ بل في نهايته . يمكن القول أن الانعتاق الحقيقي و الكامل لكل فرد هو الهدف الحقيقي و الأعظم , الأسمى للتاريخ ....
المفهوم المادي , الواقعي و الجماعي للحرية , الذي يعارض المفهوم المثالي هو هذا : يصبح الإنسان واع بنفسه و بإنسانيته فقط في المجتمع و فقط من خلال العمل الجماعي للمجتمع ككل . إنه يحرر نفسه من نير الطبيعة الخارجية فقط بالعمل الجماعي و الاجتماعي , الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يحول الأرض إلى مسكن مفضل ( جدير ) لتطور الإنسانية . من دون هذا الانعتاق المادي فإن الانعتاق الفكري و الأخلاقي للفرد مستحيل . يمكنه أن يخلص نفسه من نير طبيعته نفسها , أي أن يخضع غرائزه و حركات جسده للتوجيه الواعي لعقله , هذا التطور الذي يجري تعزيزه فقط من خلال التعليم و التدريب . لكن التعليم و التدريب هما اجتماعيان بشكل واضح و حصري ... من هنا لا يمكن للفرد المعزول أن يصبح واع بحريته .
أن نكون أحرارا يعني أن يعترف بنا و نعامل كذلك من كل إخوتنا البشر . حرية كل فرد هي فقط انعكاس لإنسانيته , أو حقه الإنساني من خلال وعي كل البشر الأحرار , إخوته و مماثليه ( أو المساوين له ) .
يمكنني أن أشعر أنني حر فقط من خلال وجود البشر الآخرين و في علاقتي معهم . في حالة وجود أنواع متأخرة من الحيوانات فأنا لست لا حرا و لا إنسانا , لأن هذا الحيوان غير قادر على أن يدركني و بالتالي أن يعترف بإنسانيتي . أنا نفسي لست حرا أو إنسانا ما لم أعترف بحرية و إنسانية كل البشر الاخرين .
فقط في احترام طبيعتهم الإنسانية فإنني أحترم طبيعتي ( الإنسانية ) نفسها . آكل لحوم البشر الذي يلتهم سجينه .. ليس إنسانا بل وحشا . مالك العبيد ليس إنسانا بل سيدا . من خلال إنكار إنسانية عبيده فإنه أيضا يلغي إنسانيته , كما يثبت تاريخ كل المجتمعات القديمة . لم يشعر اليونانيون و لا الرومان أبدا كبشر أحرار . لم يعتبروا أنفسهم كذلك بالحق الإنساني . لقد اعتقدوا في الامتيازات لكل من اليونانيين و الرومان و فقط لبلدانهم , ما داموا لم يحتلوا بعد و طالما كانوا يحتلون بقية البلدان . لأنهم اعتقدوا أنهم تحت حماية خاصة من آلهتهم الوطنية , فإنهم لم يشعروا بأنهم يملكون الحق في التمرد .. و سقطوا هم أنفسهم في العبودية ...
أنا حر حقا فقط عندما يكون كل البشر , رجالا و نساءا , أحرارا على التساوي . إن حرية البشر الآخرين , أبعد من أن تلغي أو تقيد حريتي , إنها على العكس شيء ضروري لحريتي و تأكيد لها . إن عبودية البشر الآخرين هي التي تشكل عائقا أمام حريتي , أو ما يصل لنفس تلك الدرجة , إن وحشيتهم هي التي تشكل نفي إنسانيتي . لأن كرامتي كإنسان , حقي الإنساني الذي يتألف من رفض إطاعة أي شخص آخر , و أن أقرر شؤوني بما يتوافق مع قناعاتي ينعكس في الوعي الحر بشكل متساوي للجميع و الذي يؤكده إجماع ( مواقفة ) كل البشرية . هكذا فإن حريتي الشخصية , التي تؤكدها حرية الجميع , تمتد إلى ما لا نهاية .
المفهوم المادي للحرية هو لذلك شيء إيجابي و معقد جدا و و قبل أي شيء , اجتماعي بجدارة , لأنه يمكن أن يتحقق فقط في المجتمع و من خلال المساواة الدقيقة و من خلال التضامن بين كل البشر . يستطيع المرء أن يميز العناصر الرئيسية في تحقق الحرية . الأولى هي أنها اجتماعية بجدارة . و أنها التطور الأعلى لكل وظائف و قوى كل كائن بشري , من خلال التعليم , من خلال التدريب العلمي و و الرفاهية المادية , و هي أشياء يمكن تحقيقها فقط لكل فرد من خلال العمل الجماعي , المادي , الفكري , اليدوي و المقيم للمجتمع عموما .
العنصر الثاني للحرية هو السلبية . إنها تمرد الفرد ضد كل سلطة مقدسة , جماعية و فردية .
كانت الثورة الأولى هي ضد الطغيان الأعلى للاهوت , ضد شبح الإله . فطالما كنا سادة في السماء , سنكون عبيدا على الأرض . و سيجري إلغاء عقلنا و إرادتنا بنفس الدرجة . و طالما اعتقدنا بأننا يجب أن نطيع الإله دون شرط , لا يمكن لأي طاعة أخرى أن توجد – علينا بالضرورة أن نخضع بشكل سلبي , دون أدنى تحفظ , للسلطة المقدسة لوكلائه المنصبين و غير المنصبين , للمخلصين ( المفتدين أو للمسيح ) , للأنبياء , و لواضعي القوانين الذي تلهمهم الأديان , للأباطرة , الملوك , و كل موظفيهم و وزرائهم , للممثلين و الخدام المعينين للمؤسستين الأكبر اللتين تفرضان نفسيهما علينا , و التي أنشأهما الإله نفسه ليحكم البشر , أعني الكنيسة و الدولة . تنشأ ( تصدر أو تنبع ) كل سلطة مؤقتة أو إنسانية مباشرة من السلطة الروحية أو المقدسة . لكن السلطة هي نفي الحرية . الإله , أو بالأحرى قصة الإله , هي تكريس لكل عبودية على الأرض و مصدرها العقلي و الأخلاقي , و حرية البشر لن تكون كاملة حتى يتم التخلص من هذه القصة الكارثية و المخاتلة ( الماكرة ) عن وجود سيد سماوي أو مقدس .
هذا يتبعه بشكل طبيعي الثورة ضد طغيان البشر , ضد طغيان الفرد كما طغيان المجتمع , الذي تمثله و تقوننه ( تشرعنه ) الدولة . عند هذه النقطة , علينا أن نميز جيدا بين الامتيازات الرسمية و بالتالي الديكتاتورية للمجتمع المنظم في دولة , و بين التأثير الطبيعي لأعضاء المجتمع غير الرسمي و غير المصطنع و فعلهم الطبيعي .
الثورة ضد هذا المجتمع الطبيعي أكثر صعوبة بكثير بالنسبة للفرد منها ضد المجتمع المنظم بشكل رسمي في الدولة . إن الطغيان الاجتماعي , و هو غالبا هائل و سام ( ضار او مؤذي ) , لا يأخذ ( لا ينسب لنفسه ) الطبيعة التي تعطي الأولوية للعنف و للاستبداد الشرعي و الرسمي الذي يميز سلطة الدولة . إنه لا يفرض في شكل قوانين تفرض على كل فرد , في مقابل العقوبة القانونية ( القضائية ) ليكره على الخضوع لها . إن فعل الطغيان الاجتماعي ألطف , أكثر تخف ( خفية ) , أصعب إدراكا , لكنه ليس أقل قوة و انتشارا من سلطة الدولة . إنه يضع البشر تحت هيمنة العادات و الأعراف , و عدد هائل من الأحكام المسبقة , و عادات الحياة اليومية , التي تتشارك جميعها لتشكل ما يسمى بالرأي العام .
إنها تغمر ( تحيط ) الفرد منذ ولادته , و تخترق كل مظهر للحياة , بحيث أن كل فرد , دون أن يعرف ذلك غالبا , يشارك في نوع من المؤامرة ضد نفسه هو . ينتج عن هذا أنه لكي يثور ( يتمرد ) ضد هذا التأثير ( النفوذ ) الذي يمارسه المجتمع عليه , عليه على الأقل أن يثور ضد نفسه بدرجة ما على الأقل . لأنه في اتجاهاته الطبيعية و آماله المادية و الفكرية و الأخلاقية , ليس إلا نتاجا للمجتمع , و في هذا تكمن تلك القوة ( السلطة ) الهائلة التي يمارسها المجتمع على الفرد .
من زاوية الأخلاق المطلقة , أعني من الزاوية الإنسانية , فإن سلطة المجتمع هذه يمكن أن تكون مفيدة و قد تكون ضارة . تكون مفيدة عندما تنزع إلى تطوير العلم , أو الرفاهية المادية , و الحرية , المساواة و التضامن . و تكون سامة ( مؤذية ) عندما تكون في الاتجاه المعاكس . الانسان الذي يولد في مجتمع من الوحوش , يميل ( ينزع ) لأن يبقى وحشا , و الذي يولد في مجتمع يحكمه الكهنة ( رجال الدين ) , يصبح غبيا , و منافقا , و الذي يولد في عصابة من اللصوص , سيصبح لصا على الأغلب , و إذا ولد لسوء حظه في مجتمع من أنصاف الآلهة الذين يحكمون هذه الأرض , من النبلاء , أو الأمراء , سيصبح مستعبدا حقيرا للمجتمع , أي طاغية . في كل هذه الحالات , فإن الثورة ضد المجتمع الذي ولد فيه لا يمكن فصلها عن أنسنة الفرد .
لكن , أكرر هنا , أن ثورة الفرد ضد المجتمع أصعب بكثير من الثورة ضد الدولة . الدولة مؤسسة مؤقتة , تاريخية , و هي مثل أخواتها من المؤسسات , كالكنيسة , منظمة لضمان امتيازات أقلية ما تستعبد الغالبية العظمى بالفعل .
الثورة ضد الدولة أسهل بكثير لأن هناك شيء ما في طبيعة الدولة نفسها يحرض على الثورة . الدولة هي السلطة , و القوة . إنها التفاخر و الهيام بالقوة . إنها تدعي أنها لا تخطأ أبدا . و هي لا تسعى لأن تغير نفسها , و إذا خففت من طغيانها في بعض الأوقات , فإنها تفعل ذلك بطريقة سيئة . لأن طبيعتها لا تعتمد على الإقناع , بل أن تفرض نفسها بالقوة . و مهما كانت الجهود التي تقوم بها لتخفي نفسها , فإنها تبقى بشكل طبيعي المنتهك الشرعي ( القانوني ) لإرادة البشر , و النفي الدائم لحريتهم . حتى عندما تأمر الدولة بالخير فإنا تنتج الشر , لأن كل أمر تصدره يصفع الحرية في وجهها , لأنه عندما يجري فرض الخير بمرسوم ( بقرار ) يصبح شرا من منظور الأخلاق و الحرية الإنسانية . تكمن الحرية , و الأخلاق , و الكرامة الإنسانية للفرد هنا بالتحديد , في أنه يفعل الخير لا لأنه يجبر ( يكره ) على ذلك , بل لأنه يفهمه بشكل حر , يريده و يحبه بكل حرية .
أما سلطة المجتمع فإنها تفرض ليس بشكل اعتباطي أو رسمي , بل بشكل طبيعي . و بسبب هذه الحقيقة فإن تأثيرها على الفرد أقوى بما لا يقارن من سلطة الدولة . لأن كل الأفراد يخلقون و يتشكلون في وسطها . و هي تنقل إليهم , ببطء , من يوم ولادتهم حتى مماتهم , كل صفاتها ( خصائصها ) المادية , الفكرية و الأخلاقية . هكذا يمكننا القول أن المجتمع يفردن ( يجعله فرديا ) نفسه في كل فرد .
الفرد الحقيقي من لحظة تشكله في رحم أمه يحدد مسبقا و يخصص بنتيجة اجتماع المؤثرات الجغرافية , المناخية , الإثنية , الصحية و الاقتصادية , التي تشكل طبيعة أسرته , طبقته , شعبه , عرقه . إنه يتشكل يما يتوافق مع كفاءاته من خلال دمج ( مزج ) كل هذه التأثيرات الخارجية و الفيزيائية . ما هو أكثر من ذلك , و بفضل التنظيم المتفوق نسبيا للدماغ البشري , يورث كل فرد منذ الولادة , بدرجات مختلفة , لا الأفكار أو المشاعر الداخلية , كما يدعي المثاليون , بل فقط القدرة على الإحساس , الإرادة , التفكير و الكلام . هناك وظائف أولية توجد دون أي محتوى ( مضمون ) . من أين يأتي محتواها ؟ من المجتمع ... من الانطباعات , الحقائق ( الوقائع ) , الأحداث التي تتجمع في نماذج للتفكير و للصح أو الخطأ , و تنقل من فرد لآخر . إنها تتعرض للتعديل , التوسيع , المديح و الاندماج من كل الأفراد الأعضاء و مجموعات المجتمع في نظام متفرد ( واحد ) , يشكل أخيرا الوعي العام ( المشترك ) , الفكر الجماعي للمجتمع . كل هذا , ينقل بالتقليد من جيل لآخر , يطور و يضخم بالأعمال الفكرية لقرون عدة , و يشكل بالتالي الإرث الفكري و الأخلاقي لشعب , لطبقة , لمجتمع ...
كل جيل جديد عندما يبلغ سن التفكير الناضج يجد في نفسه و في المجتمع الأفكار و المفاهيم القائمة التي تخدمه كنقطة فصل ( قطع مع من سبقه ) , تعطيه هذه الأفكار و المفاهيم المواد الخام لعمله الفكري و الأخلاقي الخاص به .. هذه هي أفكار الطبيعة , الإنسان , العدالة , واجبات و حقوق الأفراد و الطبقات , الاتفاقيات الاجتماعية , العائلة , الملكية , الدولة , و عوامل أخرى كثيرة تؤثر على العلاقات بين البشر . كل هذه الأفكار تطبع في عقل الفرد , و تتعدل بالتعليم و التدريب الذي يحصل عليه حتى قبل أن يصبح واع تماما بنفسه ككيان ( كوجود ) . في وقت متأخر أكثر فإنه يعيد اكتشافها , مخصصة و مشروحة , و قد أوضحتها النظرية , التي تعبر عن الوعي العام للأحكام المسبقة الجماعية للمؤسسات الدينية , السياسية , و الاقتصادية للمجتمع الذي ينتمي إليه . إنه هو نفسه مشبع بهذه الأحكام المسبقة بحيث أنه , بشكل تلقائي , بفضل كل عاداته الفكرية و الأخلاقية , يؤيد هذه المظالم , حتى لو لم يكن مهتم شخصيا بالدفاع عنها .
من غير المفاجئ بالتأكيد أن الأفكار التي تمرر ( يجري نقلها أو تمريرها ) بواسطة العقل الجمعي للمجتمع يجب أن تكون عظيمة لكي تتمكن من أن تستحوذ على جمهور الناس . المفاجئ ( المثير للدهشة ) بالمقابل هو أن يكون بين هذه الجماهير أفرادا يحملون أفكارا , إرادة , و شجاعة ليسبحوا ضد تيار التوافق ( التماثل ) . لأن ضغط المجتمع على الفرد هائل جدا لدرجة أنه لا توجد شخصية مهما بلغت قوتها أو ذكاءها من القوة بحيث تكون منيعة تماما على هذا التأثير الاستبدادي و الذي لا يمكن مقاومته .
لا شيء يوضح ( يعكس ) الطبيعة الاجتماعية للإنسان أكثر من هذا التأثير . يمكن القول أن الوعي الجماعي لأي مجتمع أيا يكن , يتجسد في المؤسسات العامة الكبرى , في كل تفاصيل الحياة الخاصة , التي تخدم كأساس ( قاعدة ) لكل نظرياته . إنها تؤلف ( تشكل ) نوعا من المناخ ( الجو ) الفكري و الأخلاقي : رغم أنه قد يكون ضارا , لكنه ضروري بالمطلق لوجود كل أعضائه , الذين يسيطر عليهم بينما يحافظ عليهم , و يقوي الابتذال , و الروتين , الذي يربط الغالبية العظمى من الجماهير معا .
العدد الأعظم من البشر , و ليس فقط جماهير الناس بل أيضا الطبقات صاحبة الامتيازات و المتنورة حتى أكثر من غيرها , تشعر بالمرض بسهولة ما لم يتوافقوا مع ما حولهم بإيمان و ما لم يلتزموا بالتقاليد و الروتين , في كل أفعال حياتهم . إنهم يبررون هذا بأن "آباءهم قد فكروا و عملوا بهذه الطريقة , لذلك علينا أن نفكر و نفعل الشيء نفسه . كل شخص آخر يفكر و يفعل بنفس الطريقة . لماذا علينا أن نفكر و نتصرف بطريقة أخرى ؟" .

نقلا عن http://www.marxists.org/reference/archive/bakunin/index.htm

ترجمة مازن كم الماز

الاثنين، 23 مايو 2011

کورتاجچییه‌کان

Posted in وتار by anarkistan on 22/05/2011

سه‌لام عارف

مێژووی ڕاپه‌ڕینه‌ جه‌ماوه‌رییه‌کا ن سه‌لماندویه‌تی که‌،

* ئافەرێنەری گشت ڕاپه‌ڕینه‌کان جه‌ماوه‌ر خۆی بووه‌، ڕاپەڕینەکان خۆخۆیی بوون و جەماوەر خۆی ده‌سپێشخه‌ر و داهێنه‌ریان بووە. دوور بوون له‌ ئیعاز و ده‌هۆڵ و زوڕنای ده‌سه‌ڵاتخوازانه‌وه‌.

** ده‌سه‌ڵاتخوازان (ئۆپۆزیسۆن !!!) زاناتر و به‌تواناترن له‌ ده‌سه‌ڵاتداران بۆ پووچه‌ڵکردنەوەی ڕاپه‌ڕینه‌کان له‌ ناوه‌ڕۆکه‌ شۆڕشگێڕییه‌که‌ی.

*** کاتێك که‌له‌به‌رێك ده‌رده‌که‌وێت له‌ ڕاپه‌ڕینه‌کاندا، حزب و ده‌سته‌ و تاقمه‌ ده‌سه‌ڵاتخوازه‌کان به‌ په‌له‌پڕووسکێ خۆیانی تێده‌خزێنن، بۆ گۆڕینی ئاڕاسته‌کانیان و بردنیان به‌ره‌و چاوچنۆکیی ده‌سه‌ڵاتخوازی و دوورخستنه‌وه‌یان له‌ داواکارییه‌ ئابووری و کۆمه‌ڵایه‌تییه‌کانیان. هه‌ر ئه‌و کاته‌شه‌ که‌ هاوکێشه‌که‌ به‌م جۆره‌ی لێدێت:

(کاتێك حزبه‌کان ده‌یبه‌نه‌وه‌، جه‌ماوه‌ر ده‌یدۆڕێنێت. کاتێکیش جه‌ماوه‌ر ده‌یباته‌وه‌، حزبه‌کان ده‌یدۆڕێنن).

**** کاتێك تاکێك یا ده‌ستەیه‌کی ده‌سه‌ڵاتخوازی ده‌ست و داوێن پاك جێگه‌ی ده‌ست و داوێن پیسه‌ ده‌سه‌ڵاتداره‌کان ده‌گرنه‌وه‌، سروشتی ده‌سه‌ڵاتداری وایان لێده‌کات بڵێیت هه‌زار ڕه‌حمه‌ت له‌ کفندزی پێشوو.

ئەگه‌ر ڕاپه‌ڕینه‌که‌ی ئه‌م دواییه‌ ئه‌و ئه‌نجامه‌ی بدایه‌ به‌ ده‌سته‌وه‌، ئێمه‌ش هه‌ر ئه‌وه‌مان بۆ ده‌مایه‌وه‌ که‌ هه‌مان قسه‌ بکه‌ین، که‌واته‌ گۆڕینی موحه‌مه‌د به‌ حسێن، ئەمەش وەک ئەوە وایە خەسێنراوێک بخەیتە جێگەی بێگونێک و هیچ له‌ ناوه‌ڕۆکی ده‌سه‌ڵاتبازی ناگۆڕێت، عه‌ره‌بزمان واته‌نی: ”نفس طاس، نفس حمام.”

گێلە پیاوانی سەروەری یاسا

گێلە پیاوانی سەروەری یاسا، ناتوانن ئینکاری ئه‌وه‌ بکه‌ن، که‌ بووبوون یا باشتر بڵێین کرابوون به‌ جامخانه‌ی ئاشکرای ده‌سه‌ڵاتبازان و قسەگەرانی سەکۆی سەرا ته‌ڵه‌یه‌کی تریان نایه‌وه‌ و خۆیان به‌گرتن دا تا زیاتر ده‌رکه‌ون و زیاتر ببنه‌ پاڵه‌وان. کاتی خۆبه‌گرتندانه‌که‌شیان، ئەو کورتاجکارانه‌ ماستاویان بۆ ده‌سه‌ڵات سارد کرده‌وه‌ و سه‌روه‌ریی یاسایان به‌رز نرخاند، کامە یاسا؟ بۆ به‌رژه‌وه‌ندی کێ؟ ئه‌وان له‌ کاتێکدا سه‌روه‌ری به‌رز ده‌نرخێنن، که‌ جه‌ماوه‌رێکی زۆر له‌ سه‌رتاپای دنیادا دژایه‌تی هه‌موو جۆره‌کانی سه‌روه‌ریی (چینایەتی، نه‌ته‌وه‌یی، ڕۆشنبیری، کولتووری و ڕه‌گه‌زی) ده‌که‌ن.

الاثنين، 16 مايو 2011

دور الأناركيين فى الثورة المصرية وإعادة إنتاج فشلهم التاريخى

سامح سعيد عبود
الحوار المتمدن - العدد: 3366 - 2011 / 5 / 15
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع


"فعلوها الفوضويون"! يقصد الأناركيون هذا ما حدثنى به أحد قيادات الماركسيين من جيل السبعينات فى مصر حين قابلنى أثناء الاعتصام فى التحرير، ويمكنا أن نأخذ هذا الحديث على ثلاثة أوجه كالتالى
الوجه الأول أن ثورة 25 يناير المصرية كانت نموذج أناركى للثورة، أى ثورة بلا قيادات ولا زعامات وبلا أحزاب سياسية، بل كانت نتيجة استخدام وسائل فى الحشد والتنظيم والتعبئة تتجاوز تلك الوسائل العتيقة التى عرفتها بعض الثورات السابقة، وهذا لا ينفى المحاولات المستمرة، من الساسة المحترفين وأحزابهم بدءا من هؤلاء الذين لم يشاركوا فيها من البداية بل وحتى من وقفوا أمام شرارة الثورة الأولى مستهزءين بها، أو كانوا محايدين إزاءها، أن يقفزوا على موجة الثورة و رقاب الثوار، فارضين زعامتهم وقيادة تنظيماتهم ورؤاهم عليهم، وامتلئت شاشات الفضائيات بأمثال هؤلاء، مصورين أنفسهم كزعماء للثورة وقادتها ومنظميها وملهميها. ومن هنا سوف تنتهى الثورة إلى تجسيد أحد مشاريع هؤلاء سواء الدولة الإسلامية أو الدولة الديمقراطية الليبرالية أو الدولة الاشتراكية سواء على الطراز الناصرى أو السوفيتى أو الاشتراكى الديمقراطى، أو أى مشروع سلطوى آخر يحقق حدود دنيا من مطالب الثورة الأساسية، و لا يحقق الحد الأقصى الممكن من مطالبها فى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية كما يسعى إلى ذلك الأناركيون دون جدوى.
الوجه الثانى هو تحقيق اعتصام التحرير على مدى ثمانية عشر يوما نموذجا ناجحا لمجتمع أناركى لاسلطوى بلا قيادات ولا تنظيم قسرى أو هرمى، بل نجح المعتصمون فى تحقيق أهدافهم عبر عملهم التطوعى المشترك وتعاونهم وتضامنهم، ووفروا لأنفسهم الأمن والطعام والمأوى بعيدا عن الدولة والبقرطة، وقد لمس المعتصمون حالة من السعادة أصبحوا يحنون إليها الآن بعد زوالها، وطالب بعضهم بالعودة لأخلاقيات وسلوكيات اعتصام التحرير التى زالت بمجرد زوال شروطها، وهى غياب السلطة الهرمية المتعالية على البشر، فتلك النوعية من السلطة تفسد الناس وتصيبهم بأمراض العقل والنفس، سواء أكانوا متسلطين فتصيبهم بالسادية أو متسلط عليهم فتصيبهم بالمازوخية، ولأن الثورة هى التمرد على وضع الخضوع وعلاقات التسلط، فأنها تفجر أفضل ما فى البشر ليعودوا أصحاء، وهذا ما لمسناه جميعا فى اعتصام التحرير، و لكن ما إن تعود علاقات السلطة مرة أخرى، ويعود الناس لوضع الخضوع، حتى تظهر مجددا عند قطبى المتسلطين والمتسلط عليهم أعراض أمراضهم السابقة
الوجه الثالث الذى شكل مفاجأة سارة لى هو استمرار اكتشافى عبر الخمس شهور الماضية لأعداد متزايدة من الأناركيين فى مصر، لم اتعرف عليهم من قبل، مبعثرين عبر محافظتها المختلفة، ومنتمين لاتجاهاتها المتنوعة، يعملون بشكل جماعات صغيرة أو كأفراد، هم دائما فى فعاليات الثورة و تنظيماتها المختلفة، كمجرد أفراد مشاركين، ولكنهم غير متمايزين عن باقى من فى الحشود، و هم غالبا ما لا يعلنون عن أنفسهم، ولا يفصحون عن انتمائهم الفكرى والسياسى على نحو صريح، ليست لهم مطبوعات ورقية، أو رموز معلنة غير أن مجموعة صغيرة منهم رفعت العلم الأناركى فى عيد العمال بميدان التحرير، ذلك لأن الأناركيين فى الممارسة عالميا ينقسمون لاتجاهين فهناك من يفضلون العمل الدعائى فى مجموعات منظمة، تشكل اتحادات محلية واقليمية وعالمية فيما بينها، أو يفضلون التأثير الفردى بالانخراط فى الأعمال الاحتجاجية أو المنظمات الاجتماعية كالنقابات العمالية والمهنية واللجان الشعبية والتعاونيات وغيرها أى ملاحين غير مرئيين للسفينة الثورية، وينقسم الأناركيون فى مصر إلى من ينتمون إلى جيل أكبر سنا، وهم غالبا مروا فى أحدى فترات حياتهم بانتماء ماركسى فكريا وحزبيا، وترى بعضهم يفصح عن تحوله الفكرى، والبعض الآخر لا يفصح عن انتماءه، فضلا عن القريبين من الأناركية فكريا وعمليا والمتأثرين بها من اليسار الراديكالى، غير أن هناك جيل أصغر غالبا فى العشرينات من عمره، لم يتكون فى منظمات ما، ولم يتبنى أيديولوجيات سابقة، عبر عمليات تجنيد وتثقيف أيديولوجى ، ولكنهم ونظرا لإجادتهم كل من الإنجليزية والتعامل مع الأنترنت، تأثروا بتلك الرؤية للعالم، وهؤلاء تتكاثر مدوناتهم و تتنوع صفحاتهم على الفيس بوك، وأحد أكثر صفحاتهم شهرة هى الأناركية المصرية التى بلغ اصدقاءها ما يقرب من 400.
تجد فى كل هؤلاء تنوعات بتنوعات من يطلقون على أنفسهم أناركيين فى العالم، فهناك قلة ينتمون لما يسمى باليمين الأناركى وهم رأسماليون ليبراليون متطرفون لا أكثر،وهناك طبعا الفرديون، وهناك من يتخذون الأناركية نوع من الموضة التى تبرر تمردهم الفردى وتحللهم الاجتماعى لا أكثر ،وهناك من لايعنيهم التغيير الثورى للعالم بقدر ما يعنيهم تحرير أنفسهم والمجموعات الصغيرة التى ينتمون إليها داخل المجتمع القائم، وكل هؤلاء لا يعنونا فى هذا المقال بالطبع، أما من يعنوننا فهم المنتمين لليسار الأناركى الثورى باتجاهاتهم العملية المختلفة المجالسية والتعاونية والنقابية. ومن ناحية ثانية تتفاوت مستويات الثقافة والوعى والفهم بين هؤلاء، ومن ناحية ثالثة يتفاوتون فى مدى نضاليتهم والتزامهم وفى مدى عمليتهم وفعاليتهم الاجتماعية والفكرية والسياسية والثقافية.
ومن هنا فليس معنى تلك الكثرة العددية أن هؤلاء مؤثرين فى تطور العملية الثورية فى مصر بما يتوافق وحجم انتشارهم لأنهم غالبا أفراد بلا تنظيم، فعاليتهم فعالية جنود فى الحشود، يحصد نتاج نضالهم و تضحياتهم الجنرالات من الساسة المنظمين، أى أنهم يوظفوا أنفسهم وبإرادتهم لصالح إعادة إنتاج مجتمع سلطوى على عكس أهدافهم، ويعيدون إنتاج فشلهم التاريخى المتكرر، فى كوميونة باريس والثورة الروسية والحرب الأهلية الأسبانية والموجة الثورية العالمية فى مايو 68 وأخيرا حركتى مناهضة العولمة والحرب واللتان انتهيتا إلى الفشل، و الحقيقة أنه فى كل تلك الأحداث التاريخية كان الأناركيون يتواجدون بقوة ولكن بلا تأثير فى النتائج النهائية.
فى حوار جمع بين مجموعة من الأناركيين المصريين وأحد الرفاق الأناركيين من شيلى نقل لهم خبرته من تطورات الوضع فى أمريكا اللاتينية، أن نفس المشكلة تتكرر فى كل موجة ثورية، نضال عاتى وحضور مكثف فى الفعاليات والاحتجاجات الثورية، ولكن الثمار غالبا ما تقع فى أيدى سلطويين مختلفين، وهذا يشير بوضوح لخطأ لابد من تداركه، حتى نتوقف عن إعادة إنتاج الفشل.
تدارك الخطأ يكمن فى انتظام الأناركيين فى منظمات للدعاية والحشد والتعبئة والتنظيم،مختلفة تماما عن التنظيم اللينينى بأسسه المعروفة التى سببت الكوارث التاريخية
راجع بهذا الصدد الأناركية عكس الفكر الماركسى اللينينى فى تنظيم المجتمع
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=237579

كما يجب أن تكون هناك رؤية برنامجية للتغيير الاجتماعى وفق الممكن والمتاح باعتبار أن الهدف النهائى أبدى لكن الأهداف المرحلية تجاهه ممكنة، لكى يتم النضال لتحقيقها وفق الظروف الواقعية وهناك محاولةبهذا الشأن
راجع برنامج التيار اللاسلطوى
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=193608

النقابية الثورية

سامح سعيد عبود
الحوار المتمدن - العدد: 3367 - 2011 / 5 / 16
المحور: الحركة العمالية والنقابية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

ترجمة سامح سعيد عبود
1ـ النقابية الثورية تؤسس نفسها على أساس الانخراط فى الصراع الطبقى، وتهدف لتوحيد كل العمال فى منظمات اقتصادية نضالية هى النقابات الثورية، كى يناضلوا لتحريرأنفسهم من النير المزدوج للرأسمالية و الدولة ،وهدفها إعادة تنظيم الحياة الاجتماعية على أسس الشيوعية التحررية عبر الفعل الثورى للطبقة العاملة، على إعتبار أن المنظمات الاقتصادية للبروليتاريا هى الوحيدة القادرة على تحقيق ذلك الهدف. النقابية الثورية تقدم نفسها للعمال باعتبار أهليتهم كمنتجى ومبدعى مجمل الثروة الاجتماعية، لتتأصل وتنمو النقابية الثورية خلال تنظيمهم ونضالهم المشترك فى معارضة ومواجهة الأحزاب العمالية الحديثة الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية، والتى اتضح عجز برامجها عن إعادة التنظيم الاقتصادى للمجتمع لما يحقق مصالح العمال فى التحرر من نظام العمل المأجور أى الرأسمالية.
2 ـ النقابية الثورية عدو صلب لأى سيطرة اقتصادية أو اجتماعية من قبل الدولة أو الأفراد أو المؤسسات الرأسمالية، لكل من وسائل الإنتاج والخدمات والعنف والمعرفة، ومن ثم تهدف لالغائها، و ذلك بإنشاء تجمعات اقتصادية على أسس تعاونية و وحدات إدارية تدار بواسطة العمال فى المصانع والحقول ومحلات السكن، و تشكل فى مجموعها نظام اجتماعيا من المجالس الحرة التى لا تخضع لأى سلطة أو حزب سياسى أيما كان إلا سلطة أعضائها الجماعية. و تضع النقابية الثورية إعادة التنظيم الاقتصادى للمجتمع للانتاج كبديل لسياسات الدولة والأحزاب ، وتحل محل حكم الإنسان للإنسان،إدارة الأشياء. وبالتالى هدف النقابية الثورية ليس الاستيلاء على السلطة السياسية لكنه الغاء كل وظائف الدولة فى الحياة الاجتماعية. ومن ثم فإن النقابية الثورية ترى أنه باختفاء احتكار الملكية يجب أن يأتى اختفاء احتكار السلطة ، ولا يمكن أن يتأتى تحرير البشر عبر أى شكل من أشكال الدولة مهما كان مموها ، على العكس ستكون الدولة كما كانت من قبل خالقة لاحتكارات جديدة وامتيازات جديدة.
3 ـ النقابية الثورية لها وظيفتين :الانخراط فى الصراع الثورى اليومى من أجل التطوير الاقتصادى والاجتماعى والفكرى للطبقة العاملة داخل حدود المجتمع الراهن ، وتعليم الجماهير كى تكون مستعدة لإدارة عملية الانتاج على نحو مستقل ، و المساهمة حين يأتى الوقت فى الاستحواز على كل عناصر الحياة الاجتماعية. والنقابية الثورية لا تقبل أى نظام حكومى بسيط ،لأن مؤسسة النظام الاجتماعى التى تهدف إليها تؤسس حصريا على قرارات الطبقات المنتجة عبر منظماتهم المختلفة، والتى تستطيع عبر العمل العام لكل العمال اليدويين والذهنيين، وفى كل قسم من الصناعة مدار ذاتيا من العمال الحلول محل كل جهاز حكومى ، فكل مجموعة أو مصنع أو قسم صناعى يكون كل عضو متمتع بالحكم الذاتى فى وحدة اقتصادية أكبر ، والتى على نحو منتظم تدير الإنتاج والخدمات والعمليات المرتبطة بهما طبقا لمصالح المجتمع على أساس الأهداف المتفق عليها ، وعلى أسس تبادل الخدمات والمنافع .
4 ـ النقابية الثورية تعارض كل الاتجاهات التنظيمية الملهمة بمركزية الدولة و الكنيسة، لأنها فى رأيها لا تستطيع فقط سوى أن تخدم إطالة بقاء الدولة والسلطة ، و تكبت على نحو منظم روح المبادرة واستقلالية الفكر. فالمركزية تنظيم مصطنع يخضع ما يقال أنهم الطبقات الأدنى لهؤلاء الذين يدعون أنهم الأعلى ، والمركزية تترك كل شئون المجتمع فى يد قلة من الأفراد ، ليتحول الفرد إلى إنسان آلى يأتمر بإشارات تحكم و توجيهات تلك القلة المركزية. ففى التنظيم المركزى تخضع خيرات المجتمع لمصالح القلة ، والتماثل يحل محل التنوع ، والترويض يحل محل المسئولية الشخصية ، وبالتالى فالنقابية الثورية تؤسس نظرتها الاجتماعية على أساس التنظيم الاتحادى الشامل. الخ ، بشرط أن ينتظم من أسفل لأعلى لتوحيد كل القوى الاجتماعية فى النهاية للدفاع عن الأفكار و المصالح العامة.
5ـ النقابية الثورية ترفض كل أشكال النشاط البرلمانى ، و كل أشكال التعاون مع المؤسسات التشريعية ، لمعرفتها أنه حتى فى أكثر أنظمة الاقتراع حرية ، لا يمكن أن تتخفى التناقضات الواضحة فى قلب المجتمع الحالى ، ولأن النظام البرلمانى له هدف واحد فقط هو إضفاء خرافات الشرعية على الظلم الاجتماعى.
6 ـ النقابية الثورية ترفض كل الحدود السياسية و القومية المختلقة اعتباطيا، و تعلن أن ما يدعونها بالقومية ما هى إلا دين الدولة الحديثة ، لإخفاء تغطيتها للمصالح المادية للطبقات المالكة. والنقابية الثورية تقر فقط بأن التفاوتات الاقتصادية سواء أكانت إقليمية أو قومية هى التى تخلق التراتبية والامتيازات وكل أنواع المظالم ( باسم العرق والجنس و أى نوع من الاختلافات الزائفة أو الحقيقية بين البشر) ، والنقابية الثورية باسم روح التضامن تدعوا للحق فى الحكم الذاتى لكل المجموعات الاقتصادية.
7 ـ لأسباب متشابهة تناضل النقابية الثورية ضد كل أشكال العسكرية والحرب. والنقابية الثورية تدافع عن الدعاية المعادية للحرب ، و الداعية لتسريح كل الجيوش ، حيث تعتبرها فقط أدوات الثورة المضادة فى خدمة الرأسمالية من خلال العمال المجندين ، والتى خلال الثورة سوف يتم السيطرة عليها من خلال العمال و اتحاداتهم ، والتى يكون من مطالبهم الحظر والمقاطعة لكل المواد الأولية و المنتجات الضرورية للحرب باستثناء البلد التى يكون فيها العمال فى وسط الثورة الاجتماعية لكى يساعدوهم للدفاع عن الثورة ، ونهائيا فالنقابية الثورية تدافع عن الاضراب العام الوقائى كوسيلة فعالة لمعارضة الحرب والعسكرية.
8 ـ النقابية الثورية تقر بالاحتياج الملح لإنتاج لا يدمر البيئة ، ومن ثم يحاول التقليل من استخدام الموارد غير المتجددة ، والاستخدام كلما أمكن للبدائل المتجددة . وهى لا تسمح لنفسها بتجاهل أصل أزمة البيئة الراهنة فى كونها التعطش للربح ، فالإنتاج الرأسمالى يهدف دائما لتقليل التكاليف، للحصول على مكاسب أكثر لاستمرار فى البقاء ، ومن ثم فهو غير قادر على حماية البيئة. فمجمل أزمة الديون العالمية تفاقمت بسبب الميل لزراعة المحاصيل التجارية مما قد الحق الضرر بزراعة المحاصيل الأساسية ، هذه الحقيقة أدت لتدمير الغابات المدارية والاستوائية، والمجاعات ، والأمراض. فالنضال من أجل حماية كوكبنا والنضال من أجل تدمير الرأسمالية يجب أن يرتبطا ، أو فإن كلا منهما سيكون مصيرهما الفشل.
9 ـ النقابية الثورية تؤكد نفسها كداعمة لمنهج العمل المباشر،وتساعد وتشجع كل النضالات التى لا تتعارض مع أهدافها ، طرقها فى النضال تكون الاضرابات والمقاطعة..الخ. العمل المباشر يصل لخبرته الأعمق فى الاضراب العام ، والذى يكون من وجهة نظر النقابية الثورية استهلالا للثورة الاجتماعية.
10 ـ بينما النقابية الثورية تعارض كل أشكال العنف المنظم من قبل أى نوع من الحكومة ، فأنها موقنة من أنه سوف يكون هناك نزاع عنيف لأقصى درجة ، خلال الصراعات المصيرية بين الرأسمالية الراهنة والشيوعية الحرة القادمة. و بالتالى،إقرارها للعنف يكون صحيحا حيث العنف لابد و أن يستخدم كوسيلة دفاعية ضد الطرق العنيفة المستخدمة من قبل الطبقات الحاكمة خلال النضالات التى تمارسها الجماهير الثورية لمصادرة الآراضى ووسائل الإنتاج بينما هذه المصادرة تستطيع فقط أن تستمر و تأتى بالنجاح الكامل عبر التدخل المباشر للمنظمات الاقتصادية الثورية للعمال ، فالدفاع عن الثورة يجب أن يكون مهمة تلك المنظمات الاقتصادية وليس للهيئات العسكرية وشبه العسكرية المتطورة بالاستقلال والانفصال عنهم
11 ـ فقط فى المنظمات الاقتصادية والثورية للطبقة العاملة توجد القوى القادرة على تحريرها، والطاقة الخلاقة الضرورية لإعادة تنظيم المجتمع على أسس الشيوعية التحررية.
12ـأسم المنظمة الدولية هو الرابطة الدولية للنضال والتضامن والتى توحد كل المنظمات الثورية النقابية فى العالم يطلق عليها رابطة العمال الدولية( ر ع د ).
13ـ أهداف وطموحات( ر ع د )
أ ـ تنظيم ونشر الصراع الثورى فى كل البلاد ،بهدف التدمير الفورى لكل الأنظمة السياسية والاقتصادية القائمة ، و إقامة الشيوعية التحررية.
ب ـ إعطاء المنظمات الاقتصادية النقابية قوميا و صناعيا ،الأساس لتقوية تلك المنظمات المحددة لمباشرة النضال، و لتكون مستعدة لتدمير الرأسمالية والدولة
ج ـ منع أى نفوذ للأحزاب السياسية فى المنظمات النقابية و التصميم على مكافحة أى محاولة من الأحزاب السياسية للسيطرة على تلك الاتحادات.
د ـ يمكن إقامة تحالفا ت مشروطة مع المنظمات الثورية والاتحادات البروليتارية الأخرى ، بهدف التخطيط والانخراط فى العمل الدولى العام لتحقيق مصالح الطبقة العاملة عندما تتطلبه الشروط و بما لا يتعارض مع أ و ب و ج وعبر طريق العمل المشترك ،إلا إن أى تحالفات لا يمكن أن تكون مع الأحزاب السياسية ، ولا مع المنظمات التى تقبل الدولة كمؤسسة للتنظيم الاجتماعى ، النقابية الثورية ترفض التعاون الطبقى ، و الذى يكون مميزا بالمشاركة فى اللجان المنظمة بالمشاركة مع مخططات الدولة( على سبيل المثال الانتخابات النقابية للجان المشاريع ) وبقبول الدعم الحكومى ،المدفوع لمحترفى النقابات، وغيرها من الممارسات الأخرى التى تتنافى و جوهر النقابية اللاسلطوية.
ه ـ فضح ومكافحة العنف العشوائى لكل الحكومات المكرس لقمع الثورة الاجتماعية ضد الثوريين.
و ـ دراسة كل المشكلات التى تهم عالم البروليتاريا من أجل تقوية وتطوير حركاتها، سواء فى بلد واحد أو عدة بلاد، والمساعدة على الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة فى الثورة وتحرير نفسها.
ز ـ ممارسة أنشطة المساعدة المتبادلة فى الصراعات الاقتصادية الهامة الجارية ،أو ممارسة الصراعات النقدية ضد الأعداء المكشوفين أو المختفيين للطبقة العاملة.
ر ـ توفير المساعدة المعنوية والمادية لكل حركات الطبقة العاملة، فى أى بلد تكون في لقيادة الصراع فى أيدى المنظمة الاقتصادية القومية للبروليتاريا. الأممية تتدخل فى شئون اتحاد كل بلد فقط عندما تكون منظمته المندمجة فى هذا البلد مطالبة بالتدخل ، أو عندما يكون الفرع منتهكا المبادىء العامة للأممية.

الأحد، 17 أبريل 2011

الإمبريالية و السيدا / الأيدز فى أفريقيا( مقتطف من كتاب - عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عالم شيوعي ... فلنناضل من أجله!!!-)

شادي الشماوي
الحوار المتمدن - العدد: 3337 - 2011 / 4 / 15
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

الإمبريالية و السيدا / الأيدز فى أفريقيا
==========================
( مقتطف من كتاب " عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عالم شيوعي ... فلنناضل من أجله!!!")
فهرس كتاب " عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عالم شيوعي ... فلنناضل من أجله!!!"
- مقدمة
- الفصل الأول : عالم آخر ، أفضل ضروري
1- عبودية القرن الواحد والعشرين .
2- بيع النساء : تجارة البشر العالمية.
3- الإمبريالية و الأيدز فى أفريقيا.
4- كوكبنا يصرخ من أجل الثورة .
- الفصل الثانى : عالم آخر، أفضل ممكن: عالم شيوعي.
1- الشيوعية تصوروها بألوان حقيقية .
2- تعتقدون أن الشيوعية فكرة جيدة لكنها غير قابلة للتطبيق؟ قوموا بهذا الإختبار القصير و أعيدوا التفكير .
3- ما هي الشيوعية ؟ ما هو تاريخها الحقيقي؟ ما هي علاقتها بعالم اليوم ؟
4- الشيوعية ليست إيديولوجيا "أوروبية" و إنما هي إيديولوجيا البروليتاريا العالمية.
5- مقياس من مقاييس تقدم المجتمع : من تجارب دكتاتورية البروليتاريا بصدد تحرير المرأة .
- الفصل الثالث: الإشتراكية أفضل من الرأسمالية و الشيوعية ستكون أفضل حتى !
مقدمة الفصل
1- الإشتراكية و الشيوعية.
2- الثورة التى هزت العالم بأسره هزا.
3- تجربة أولى فى بناء الإشتراكية .
4- الثورة الصينية تنجز إختراقا آخر .
5- القطع مع النموذج السوفياتي.
6- الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى صراع بين الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي.
7- هزيمة الصين الإشتراكية و الدروس المستخلصة للمستقبل.
8- البناء على أساس الموجة الأولى من الثورات الإشتراكية .
خاتمة : - هدف الماركسية هو الشيوعية.
الإمبريالية و الأيدز فى أفريقيا
)
www.revcom.us(مقال صدر فى الأصل بالأنجليزية بموقع " الثورة "
" عمرى 14 سنة و لدي أربعة إخوة و ثلاث أخوات أصغر منى . أنا من أوغندا . أدرس فى السنة السادسة من التتعليم الإبتدائي و أتيت إلى هنا لقول شيئ عن الإيدز و مشاكله. الأيدز يعنى مرض نقص المناعة المكتسبة وهو مرض فظيع فقد تسبب فى وفاة أمى و أبى فى 1992 و قتل كافة إخوة و أخوات أبى كما قتل الكثير من الرجال و النساء فى أوغندا .
لقد أغلقت بعض البيوت لكن بيتنا لم يُغلق لأن أبى و أمى تركانى بمعية أربعة إخوة و أختين أعتنى بهم و أعتنى بجدّى كذلك إذ هو يعيش بقربنا و زوجته قد توفيت و ما من أحد يوليه العناية التى يستحق وهو طاعن فى السن له من العمر 84 سنة . فقد زوجته سنة 1992 وهو إلى ذلك كفيف و أنا الذى أعتنى بالعائلة .
الأيتام الآخرون يعيشون الحياة ذاتها حيث لا يملكون أغطية و لا يأكلون اللحم و لا يحصلون على السكر و ينامون فى الأكواخ . البعض يذهب للأكل لدى الجيران أو يحصل على وجبة طعام واحدة فى اليوم .
المعلّمون يدعوننا بالأيتام لكننى لا أريد ذلك الإسم . و أطفال آخرون أيضا لا يريدونه . إنهم يعتقدون أننا حيوانات ."
يتيم الأيدز من أوغندا
[...] لقد حرّفت أجهزة الإعلام الغربية وجهات النظر التى إقترحت بأن الشروط الإجتماعية السائدة لعبت دورا ضخما فى إنتشار وباء الأيدز .[ ...] و إنه لأمر مخزي أن نرى الشركات الصيدلية العملاقة التى سجلت خلال العقد الماضي أرباحا قياسية تعدّ ببلايين الدولارات بينما تمنع عن الملايين من البشر المساعدة و الحصول على علاج فعلي ينقذ حياتهم ، تقدم نفسها على أنها منقذة أفريقيا . على ما يبدو ليس للنفاق الإمبريالي حدود .
)
HIV تبيّن الأدلّة الثابتة بأن فيروس إتش أي فى(
هو العامل المعدي الذى يسبب العدوى من فرد لآخر . بيد أن وجود وباء حول العالم –خصوصا فى القارة الأفريقية – سبب بالأساس الأوضاع الإجتماعية و ضمنها الفاقة و الإدمان على المخدرات و أفكار و ممارسات دينية رجعية و التفوّق الذكوري و ما يفرزه من ممارسات جنسية و الإضطهاد القومي و اللامبالاة المتعمدة للمؤسسات الطبية الرأسمالية حيال المرض المنتشر فى الأوساط الفقيرة .
بإختصار ينتقل المرض عبر الفيروس لكن الوباء ناجم عن النظام ، عن المجتمع الطبقي و العلاقات الإجتماعية الرجعية و فقر الناس . و الظروف التى أدت إلى إستشراء وباء الأيدز فى القارة الأفريقية مرتبطة بألف خيط بالإمبريالية و الإستعمار الجديد و الميز العنصري.
و هذا المقال سيتفحص بعض السياسات الإمبريالية ذات الصلة التى وفرت الظروف لوباء الأيدز فى أفريقيا .
كابوس أفريقي :
حول العالم، ثمة ما يقدّر ب 34.3 مليون شخص يحمل الأيدز الآن ، أكثر من 27.6 مليون فى السنة الماضية بزيادة اكثر من 16 ألف شخص مصاب فى اليوم الواحد .
أفريقيا و بوجه خاص أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، تعانى أكثر من غيرها من مناطق العالم من فيروس الأيدز . فسبعون بالمائة من الإصابات الجديدة توجد بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بالرغم من أن هذه المنطقة يقطنها فقط 10 بالمائة من سكان العالم . و من ضمن الأطفال الذين سنهم أقل من 15 سنة المصابين بفيروس الأيدز ، تسعة من عشرة يوجدون بأفريقيا جنوب الصحراء . منذ بداية الوباء ، يقدّر أن 34 مليون شخص من المنطقة أصابهم الفيروس و 11.6 مليون منهم قد لقوا حتفهم بعدُ و منهم الربع من الأطفال . فى 1998 فقط ، مات مليونا أفريقي ،رجالا و نساء و أطفال بفعل أمراض متصلة بالأيدز .
لقد أعلن فى مؤتمر ديربان بجنوب أفريقيا سنة 2000 بأن فى السنوات العشر التالية ، يتوقع أن يتراجع متوسط العمر فى بوتسوانا إلى 29 و 30 سنة فى سوازيلاند و 33 سنة فى ناميبيا و زمبابوى . بدون الأيدز كان متوسط العمر سيكون حوالي 70 سنة فى تلك البلدان . و فى هذه البلدان الأربعة أكثر من ربع البالغين يحملون الفيروس . و فى بعض المناطق النسب أعلى حتى ففى دراسة سُجّل أن 59 بالمائة من النساء اللواتى يحضرن عيادات ما قبل الولادة فى ريف بايتبريدج بزمبابوى مصابات بالفيروس .
عبر العالم ، يتّمت الأيدز بعدُ 13.2 مليون طفل و 12.1 مليون منهم بأفريقيا جنوب الصحراء .
لقد مرّت فقط 17 سنة منذ إكتشاف الأيدز بأفريقيا و بعدُ قتل الفيروس أكثر من 11 مليون أفريقي جنوب الصحراء و أصاب أكثر من 22 مليون آخرين . و الفيروس يضرب بشدّة القطاع المنتج من سكان أفريقيا، شباب و كهول تتراوح أعمارهم بين 15 و 49 سنة و يحذّر الخبراء من أن الوباء لا يزال في مراحله المبكرة الأولى فحسب.

الإمبريالية و أفريقيا :
ليس الأمر عرضيا كون أفريقيا أول المتضررين بالأيدز / الأتش أي في . ذلك أن قرونا من الإستعمار و الإمبريالية دمرت القارة و لعبت سرقة الأرض و العمل و المعادن و الثروات الأخرى للقارة الأفريقية دورا حاسما فى التنمية الإقتصادية لأوروبا و الولايات المتحدة. فأثناء تجارة العبيد جرى إختطاف ملايين الرجال و النساء و الأطفال و إقتيدوا إلى الولايات المتحدة حيث شكّل عملهم الإجباري العمود الفقري للإقتصاد الأمريكي فى بداياته .
فى ندوة برلين فى 1884-1885 تمّ تقسيم أفريقيا كلّها بين القوى الأوروبية . و الندوة لم يحضرها و لو أفريقيا واحدا. و على الرغم من المقاومة الشرسة ، مع بدايات القرن العشرين فقط بلدان هما أثيوبيا و ليبيريا لم يكونا مستعمرتين بشكل تام . و قد جرت مصادرة الأرض لإقامة المزارع و إستغلال المناجم و أجبر الأفريقيون على العمل بأجور زهيدة للغاية و فى ظروف عمل تبعث على الحزن . و لقي أكثر من 10 ملايين شخص فى الكنغو حتفهم أثناء عهد الملك ليوبولد عاهل بلجيكا و ظل العديد مقطوعي الأيدي عقابا لهم على إخفاقهم فى توفير الحصص المحددة لإنتاج المطاط .
و رغم إدعاءات الإمبرياليين بأنهم كانوا يطوّرون أفريقيا ، فإن مؤشرات صحّة الأفريقيين زمن الإستعمار الأوروبي تراجعت و تناقص عدد سكان العديد من البلدان فى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بين 1890 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية .
و مع أواسط السبعينات من القرن العشرين ، حصلت أغلب البلدان الأفريقية على إستقلال شكلي إذ إستمرت الهيمنة الإقتصادية للقوى الغربية . و عندما عارض زعماء وطنيون مصالح إقتصادية إمبريالية جرى القضاء عليهم . و فى الكنغو على سبيل المثال ، إغتالت وكالة المخابرات المركزية السي آي آي عهد كندى الزعيم الوطني باتريس لوممبا فى أوائل الستينات. وخلال هذه الفترة تحصلت العديد من المستعمرات الجديدة "الحديثة الإستقلال " على ديون كبيرة من القوى الإمبريالية . و لم يُستعمل المال المستعار لمساعدة شعوب تلك البلدان بل بالعكس إستُغلت القروض لإقامة البناء التحتي الضروري للإمبرياليين كي يتمكنوا من مزيد نهب ثروات البلدان و تنظيم جيوش تقمع الجماهير و تفرض الحكم الإستعماري الجديد و تملأ جيوب عملاء الإمبريالية .
و الآن ، مع بداية القرن الحادي و العشرين ، يعيش نصف الأفريقيين فى صراع مع الفاقة المطلقة ببساطة للحصول على الغذاء الكافي للبقاء قيد الحياة ليوم آخر . و يفتقر أكثر من نصف سكان أفريقيا إلى الماء الصالح للشراب و 70 بالمائة منهم لا يملكون مجاري تصريف صحية .
برامج الإصلاح الهيكلي و الأيدز :
فى العقود القليلة الماضية فرضت المؤسسات المالية العالمية مثل البنك العالمي و صندوق النقد الدولي برامج الإصلاح الهيكلي على بلدان افريقيا . و فى ظل هذه البرامج ، كان شرط القروض الجديدة أو إعادة جدولة القروض الحالية هو أن تلتزم البلدان بتخفيض الإنفاق الحكومي بشدّة و إدخال التغييرات الأخرى لكي يوجّه مزيدا من المال نحو دفع الديون .
فى الثمانينات و التسعينات ، أُمليت برامج الإصلاح الهيكلي على 42 حكومة فى أفريقيا جنوب الصحراء . و مع نهاية الثمانينات إستعملت جلّ البلدان غير المنتجة للنفط فى أفريقيا 30 إلى 70 بالمائة من عائدات صادراتها لدفع فوائد ديونها . و خلال الثمانينات خرج رأس المال بحجم أكبر من أفريقيا من رأس المال الذى دخلها . و فى إطار هذه البرامج ، بين 1960 و 1990 ، تراجع معدل دخل الفرد السنوي فى أفريقيا تقريبا ب 25 بالمائة ، من 850 دولار إلى 645 دولار .
و فى الوقت الذى يعانى فيه إلى 70 بالمائة من البالغين فى المستشفيات من الأيدز و الأمراض المرتبطة به ، كان على عديد البلدان الأفريقية أن تلتزم بقطع الإنفاق على الصحّة لكي تستجيب لشروط صندوق النقد الدولي . و فى هذه الظروف يضحى شبه مستحيل علاج المصابين بالفيروس عمليا و إنجاز حملات فعالة لتحديد السلوك الخطر جدا أو لتوفير المصادر المالية الضرورية لخوض حملة ضد إنتشار الفيروس مثل إستعمال الواقيات الجنسية أو الإبر المعقمة .
و على سبيل المثال ، فى تنزانيا – حيث نصف مليون طفل يتيم نتيجة للأيدز- تقدّر مصاريف الحكومة على الرعاية الصحية بفقط 3.20 دولار للشخص الواحد سنويا فى حين تنفق تانزانيا أكثر من ذلك بثلاث مرات على تسديد الديون كل سنة . و خلال السنوات الخمس الماضية ، تراجع الإنفاق العام على الرعاية الصحية و التعليم بحوالي 40 بالمائة فى الظروف الحقيقية فى جزء كبير منه كنتيجة لضغوطات صندوق النقد الدولي . و قد كان لهذه التخفيضات المالية المخصصة للرعاية الصحية الأثر المدمّر حيث أدت إلى جعل المراكز الصحية و المستشفيات تفتقد مقوماتها فلا تمتلك إلا بضعة عقاقير و أجهزة تعقيم قليلة كما تفتقد إلى الورق لتسجيل نتائج البحوث و الكشوفات و صارت المستشفيات غير قادرة على توفير الغذاء و ما إلى ذلك .
كان للتخفيضات فى الإنفاق على الرعاية الصحية أعظم الأثر فى المناطق الريفية البعيدة .فقد أجبر برنامج الإصلاح الهيكلي زمبابوى على تخفيض المنح الحكومية للمستشفيات الصحية الريفية و بالتالى لم يكن موظفو مستشفى موسامى قادرين إلا على زيارة نصف القرى التى كانوا يزورونها قبل التخفيضات فى المنح الحكومية . و تراجع عدد الذين تقدّم إليهم خدمات فى تلك المستشفيات ب 25 بالمائة .
فى البلدان الأفريقية فى ظل برامج الإصلاح الهيكلي يتمتع عمال الصحة أو بالكاد بالقليل من ضمان الشغل أو لا يتمتعون به والعديد منهم لم يحصلوا على أجورهم لأشهر متتالية . و لتغذية عائلاتهم على الكثير منهم اللجوء ببساطة إلى عمل ثان و هكذا تظلّ عديد الوظائف شاغرة و هنالك "هجرة أدمغة " لبلدان أخرى أين يحصل الأخصائيون فى الصحّة على أجور أفضل .
و فى غانا ، سجّل نقص فى عدد الأطباء الذى تراجع من1782 طبيب سنة 1985 إلى 956 طبيب سنة 1991 . و فى الكوت ديفوار/ ساحل العاج تقلصت نسبة الحضور إلى دروس مستشفى البلاد ب 50 بالمائة بعد تخفيض عُملة البلاد فى 1994 بينما إرتفعت أسعار الإستطباب من 30 إلى 70 بالمائة .
وصفت ممرضة من السينغال الأوضاع فى مركز صحي جهوي أين تعمل فقالت إن المركز يفتقر إلى الأدوية و التجهيزات الأكثر أساسية و ضمنها المطهرات و الأقنعة و القفازات و الحقن التى يُلقى بها بعد إستعمالها . و صرّح ممرّض آخر يعمل لجزء من الوقت طبيب بأنه يقدّم الخدمات لأ كثر من 150 ألف شخص . وهو يفحص أكثر من 70 شخصا فى اليوم و العديد منهم يموتون بسبب أمراض يمكن علاجها لو توفرت الأدوية و التجهيزات الضرورية . و أضاف " عملي إحباط تلو الإحباط " و " فى ظل هذه الظروف ببساطة لا أستطيع تزويد مرضاي بنوع الرعاية الصحية التى يحتاجونها و بالسرعة المطلوبة " .
بين 1980 و 1993 ، إرتفع عدد الناس الذين على كل ممرض الإعتناء بهم فى السينغال لما يفوق الست مرات من 1931 فى 1980 إلى 13174 فى 1993 . و ذكرت العديد من البلدان الأفريقية الأخرى تراجعات كبرى مماثلة أو مساوية فى عدد الممرضات أثناء الفترة نفسها .
إن تخفيض قيمة العُملة الذى يهدف لجعل الصادرات أرخص سياسة مركزية من سياسات صندوق النقد الدولي و برامج الإصلاح الهيكلي . و قد ترتب عن مثل هذه التخفيضات زيادة هائلة فى كلفة السلع المستوردة كالتجهيزات الصيدلية التى تسعّر بحيث تكون بعيدة المنال أكثر فأكثر بالنسبة لغالبية الأفريقيين .
لقد أمرت المؤسسات المالية العالمية بأن تفرض "إسترجاع كلفة " الرعاية الصحية وهو ما يتخذ شكل تحمّل المستعمل الأتعاب . و بذلك أضحت الرعاية الصحية الأساسية بعيدة المنال بالنسبة لعديد الفقراء و المرضى فى أفريقيا . فعلى المرضى أن يدفعوا ثمن الفحوص الطبية و الأدوية و أحيانا كثيرة يطالبون بتوفير حقنهم الخاصة و القطرة و الإبر عندما يعالجون فى المستشفيات .
و ينجم عن دفع ثمن الفحوص الطبية و الأدوية تأخير فى تقديم الرعاية الطبية و تقويض الحصول على العلاج فى مستشفى مروى موسامى و مستشفى هراري المركزي تراجع ب 25 بالمائة فى جانفي 1992 بعد إرتفاع تكاليف المستشفى.و لمّا إرتفعت كلفة العلاج الخارجي من 1.50 دولار زمباوي إلى 17 فى 1994 ، إنخفضت نسبة العلاج الخارجي و غير الإستعجالي مجددا و بصورة ملموسة.
و قد لعب عدم التمتّع بالعناية الطبية دورا رئيسيا فى إنتشار الفيروس فى أفريقيا . فمثلا ، أمراض ( الأس تى دي إس ) قابلة للعلاج بسهولة شأنها شأن قروح تناسلية تضاعف إمكانيات الإصابة بالأيدز . و قد أثبتت دراسة فى تنزانيا أن علاج بعض الأمراض ( الأس تى دى آس ) تكلّف 2.11 دولار للشخص الواحد و بإمكانها أن تخفض عدد المصابين بالفيروس أتش أي في بنسبة 42 بالمائة . و عندما نصح البنك العالمي كينيا بإعتماد ثمن العلاج ب 2.15 دولار للقبول فى المستشفيات ( أس تـي دى آس) هبط عدد الزوار بنسبة 35 إلى 60 بالمائة . و فى زمبابوى ، أجبر جعل تكاليف الواقيات الجنسية على كاهل المستهلك فى أكتوبر1992 فى إطار برنامج الإصلاح الهيكلي ، العديد من البلدان الأفريقية على سحب الدعم المالي مما أدى إلى مضاعفة أسعار المواد الغذائية وفى زمبابوى ، إثر إلغاء التحكّم فى الأسعار فى مارس 1993 ، إرتفع سعر الخبز من 1.63 دولار زمبابوى إلى 2.20 دولار فى يوم و ليلة .
فتراجعت مبيعات المخابر فورا ب 50 بالمائة . و يتعرّض ثلث أطفال أفريقيا لسوء التغذية إلى حدّ كبير إذ يذكر تقرير لليونيسيف بان برامج الإصلاح الهيكلي ساهمت فى التدهور الواسع النطاق لتغذية الأطفال و النساء الحوامل و النساء العائلات للأطفال .

الإمبرياليون يهملون الأيدز فى أفريقيا :
تتصرّف الولايات المتحدة و قوى إمبريالية أخرى كما لو أنها أدركت للتوّ وباء الأيدز فى أفريقيا . و فى الحقيقة ، كانت هذه القوى على علم بتطوّر الأزمة منذ سنوات عدّة و تجاهلتها فى وقت كان يمكن فيه لمساعداتها أن تحدّ كثيرا من تداعياتها .
فى مقال صدر أخيرا فى الواشنطن بوست ، إقتبس الكاتب من تقرير وكالة المخابرات المركزي فقرات حول وباء الأيدز فى أفريقيا . لقد توقّع التقرير المسار الذى سيتخذه الوباء فى التسعينات . قال الكاتب إن زميلا له عسكري يعمل فى مجلس الإستخبار الوطني صرح له : " أوه ، سيكون ذلك جيدا لأن أفريقيا مزدحمة بالسكان ". و ركّز خبراء عسكريون آخرون إطلعوا على تقرير وكالة المخابرات المركزية لسنة 1991 و علقوا عليه فقط على الضرر المحتمل الذى يمكن أن يلحق بالقوات العسكرية الحليفة . و ذكرت الواشنطن بوست بان قائدا عسكريا واحدا إستنتج بأنه حتى إذا أخذ عدد واسع من الضباط فى الموت بسبب المرض ذلك "أن ذلك سيرفع الروح المعنوية لأن هنالك مجال أكبر للتقدّم ".
و أظهرت مؤسسات إمبريالية أخرى قلّة إكتراث بوباء الأيدز المنتشر فى أفريقيا . فبعد مقارنة إمكانية الموت من وباء الأيدز فى أفريقيا بالطاعون الدبلي الذى ضرب أوروبا فى القرن الرابع عشر ، جاء فى تقرير قسم السكان و الموارد البشرية التابع للبنك العالمي أن الأيدز قد تفيد أفريقيا إقتصاديا : " إذا كان التأثير الوحيد لوباء الأيدز خفض معدل نمو السكان فإنه سيزيد نمو معدّل دخل الفرد فى أي نموذج إقتصادي معقول ."
و فى الولايات المتحدة ، دافع مركز مكافحة الأمراض و الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لسنوات عن عدم دفع ثمن إختبارات الأيدز فى الخارج . و فى الولايات المتحدة كان هذا النوع من الإختبارات فعالا إلى حدّ كبير بتخفيض إنتشار الأيدز ." الحجة كانت أن ذلك الإختبار كان مكلفا للغاية و أدى إلى ما هو أوفر كلفة ". قال غريغوري باباس وهو طبيب مسؤول عن الخدمات الصحية الإنسانية للواشنطن بوست : " فلسفة تطوّر الدوائر كانت عدم خلق مطالب . إنعكاسات معرفة الكثير من الناس بأنهم مصابون بالفيروس ، عوض الموت به فقط ، هي خلق مطالب لوكالات مساعدة التطوير ".
و دوف جيلابسى الذى أشرف على مساعدة المصابين بالأيدز كمدير لبرامج الولايات المتحدة للأيدز و تأثيرها على السكان و الصحة و التغذية ، جادل بأن الفائض السكاني و ليس الأيدز هو أهم مشكل فى أفريقيا . و قال مايكل مرسون ، المسؤول الأول السابق عن برنامج الأيدز التابع لمنظمة الصحة العالمية للواشنطن بوست " كان دوف قلقا جدا بشأن عدم السماح بإستعمال ميزانية السكان للأيدز ".
و فى اليوم الأول من ندوة ديربان سنة 2000 قام أكثر من ألفي محتج بمسيرة للمطالبة بأن تجعل الشركات الصيدلية الأدوية متوفرة بأسعار رخيصة بالنسبة للبلدان الفقيرة . و رفع العديد من المتظاهرين يافطات بصور المدراء التنفيذيين الصيدليين ، ناعتينهم بمستغلي الأدوية . و خلال المظاهرات بمناسبة الندوة ، إعتصم المتظاهرون بأكشاك عرض المنتجين الصيدليين مثل فايزر و مارك.
لقد جعلت الأدوية الجديدة ممكنا للعديد من الناس الذين يعيشون بفيروس أتش أي في أو الذين يعانون من الأيدز فى الولايات المتحدة أن يتابعوا حياة صحية نسبيا . لكن علاج المكونات الثلاث الجديد الذى ينقذ الحياة فى الولايات المتحدة يكلّف أكثر من 12 ألف دولار سنويا لكلّ مريض . وهو على الأرجح غير معروف فى البلدان الفقيرة حيث يضرب وباء الأيدز بقوة كبيرة ز فمثلا بالأسعار الحالية ، لا يمكن لزمبيا أن توفّر علاج الأيدز الثلاثي المكونات لسكانها حتى و لو صرفت دخلها القومي باكمله على أدوية الأيدز !
حيال وباء الأيدز المتزايد الإنتشار ، سعت الحكومة الأمريكية و المنتجون الصيادلة إلى منع بلدان فى أفريقيا من إستيراد هذه الأدوية من البلدان الأخرى حيث يبيعون نفس الدواء بنسبة من السعر أو من تصنيع أدوية جنيسة رخيصة . و هدّدت الحكومة الأمريكية جنوب أفريقيا بعقوبات تجارية عندما شرعت فى التفكير فى هذه الطرق لتوفير أدوية تنقذ الحياة . كرئيس للجنة الولايات المتحدة /جنوب أفريقيا ، قاد نائب الرئيس غور التهديدات التجارية ضد جنوب أفريقيا .
فى جوان 1999 ، جلبت مجموعة نشطاء الأيدز الإنتباه إلى الأعمال الشنيعة للولايات المتحدة بالتظاهر فى عديد المحطات الخاصة بحملة غور و عرقلت إعلانه بأنه مرشح للرئاسة. و تقدّم المتظاهرون بتأطير من "آكت آب " و "أدوية أيدز من أجل أفريقيا " إلى حدّ بضعة أقدام من غور رافعين أعلاما و صارخين " جشع غور قاتل " . و أطلق النشطاء على حملة غور "التفرقة العنصرية لسنة 2000".
و يبدو أن الولايات المتحدة هدأت من تهديداتها العلنية أمام فضحها عالميا . لكن كم عدد الناس الذين يموتون دون داع بينما ترفع الولايات المتحدة سيفها التجاري مهدّدة البلدان الفقيرة التى حاولت توفير الطبّ للمرضى و المحتضرين ؟ و تواصل شركات صيدلية أمريكية و أوروبية منع التوفير الواسع النطاق لهذه الأدوية الضرورية بالتصريح بأنه لن يسمح بصناعتها إلا لأصحاب براءات الإختراع .
فى الأشهر التى سبقت ندوة ديربان و أثناءها صدرت إعلانات عن مختلف منتجى الأدوية بأنهم سيجعلون أدويتهم متوفرة للناس الفقراء فى بعض البلدان بأسعار رخيصة أو مجانا . و مع ذلك نظرة عن قرب تكشف بأن العديد من هذه العروض ترسم للحيلولة دون صناعة أدوية جنيسة و التوفير الواسع النطاق للأدوية المطلوبة بصورة إستعجالية .
و نضرب مثالا على ذلك : أعلنت "بفايزر" مأخرا بانها ستصنع الفليكوتازول ( الإسم التجاري للديفلوكان) وهو عقار لعلاج إلتهاب سحايا الكريبتوكوكال ، مجانا فى جنوب أفريقيا . و إلتهاب سحايا الكريبتوكوكال عدوى فطرية تصيب الدماغ وهي واحدة من الإصابات التى تضرب المصابين بالأيدز . و بدون الفليوكونازول عادة ما يموت المصابون بالأيدز فى غضون شهرين إذا أصيبوا بهذا الإلتهاب .
تبيع بفايزر الدواء فى جنوب أفريقيا ب 4.15 دولار للجرعة اليومية . و دواء جنيس يصنّع فى تيلندا ب 29 سنتا من الدولار . و هكذا حققت مبيعات الديفلوكان أكثر من بليون دولار سنة 1999.
نشطاء فى مجموعات مثل أطباء بلا حدود فضحوا جملة من الشروط التى فرضتها بفايزر على هذا العرض . " إن الشروط المتبعة التى تفرضها بفايزر على عرضها المشهور جدا للتزويد المجاني بالفلوكانازول للمصابين بالأيدز تخيب الآمال ". هذا ما قاله إيريك غوماري من الأطباء بلا حدود ، فى جنوب أفريقيا . "و الأشنع هو أن محاولة بفايزر لتنظيم هذا التبرع تمثل تجربة طيبة ، مضيفة متطلبات مكلفة لإعداد التقارير و التدريب . أطباء أفريقيا الجنوبية محترفون و بفايزر تطالب بتدريب خاص لعلاج روتيني."
فضلا عن ذلك ، لن توفّر بفايزر الدواء مجانا فى بلدان أخرى عدا جنوب أفريقيا لا تقدر هي الأخرى على دفع ثمن ذلك الدواء. سوف توفّر فقط دواء لإلتهاب سحايا الكريبوكوكال و ليس لعلاج الإصابات القاتلة . و الشركة رفضت التخفيض فى سعر الأدوية التى لا يشملها عرضها هذا .
" تواجه جنوب أفريقيا وباء من أشدّ الأوبئة فى العالم بأكثر من 10 بالمائة من المصابين بفيروس أتش أي في . مات أكثر من 100 ألف شخص هنا بسبب الأيدز فى السنة الماضية ". هذا ماصرّح به الدكتور جيومايرى . و " من غير المقبول أن تظلّ بفايزر ترفض أن تبيع هذا المنتج بسعر رخيص فى البلدان الفقيرة أو السماح للآخرين بالحق القانوني للقيام بذلك ".
فى 11 ماي "الخمس " شركات الكبرى للأدوية أعلنت أنها توصلت إلى إتفاق مع منظمة الأيدز التابعة للأمم المتحدة للتزويد بأدوية الأيدز ذات الأسعارالمنخفضة فى بلدان ما يسمى بالعالم الثالث. و مع ذلك يدعى الأم أس أف بأن التسوق فى الأسواق العالمية للأدوية الجنيسة يمكن الدول النامية من أن تخفض الكلفة السنوية لعلاج الدواء الثلاثي المكونات من المستوى الأمريكي ل15 ألف دولار إلى 200 دولار فحسب – أقل بكثير من المستويات التى وعد بها "الخمس الكبار " الذين يرون أرخص نسبة ستتراجع إلى حوالي ألفي دولار.
دانيال برمان من حملة الأم أس أف للحصول على الأدوية الضرورية قال :" القليل من الدول النامية التى حققت توفير الأدوية للمصابين بالأيدز بصورة هامة أنجزت ذلك بإتباع إستراتيجيات الأدوية الجنيسة . و الأعداد غير مستقرّة ففى البرازيل عولج 80 ألف شخص بإستعمال الأدوية الجنيسة الرخيصة التى أدخلت علاج دواء المكونات الثلاثة و جعلت كلفته تقريبا ألف دولار سنويا . لكن فى أوغندا حيث كانت الحكومة تعمل وفق أدوية ذات علامة تجارية بمبادرة من برنامج الأيدز التابع للأمم المتحدة ، أقل من ألف شخص تلقوا العلاج ."
-------------------

" إذا كان المرء واعيا بحقيقة أن الإمبريالية تسيطر على العالم و إذا كان المرء مدركا لنتائج هذا على الغالبية العظمى من شعوب العالم ، فبالتالي يجب عليه أن يشعر بضرورة المساعدة على القضاء على النظام الإمبريالي باسره و إطاره كله و بضرورة إعادة تشكيل العلاقات الإجتماعية على النطاق العالمي".

الخميس، 7 أبريل 2011

ليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمبليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمب north africa | imperialism / war | press release Wednesda

ليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمب

categorynorth africa | imperialism / war | press release authorWednesday April 06, 2011 18:23author by الفيدرالية الشيوعية اللاسلطويةauthor email internazionale at fdca dot it Report this post to the editors

يبدو أن الشعوب العربية , البروليتاريا العربية , تدخل أخيرا عصر ما بعد الحداثة . بعد قرون من الهيمنة و العنف الذي مارسته الإمبراطورية التركية أولا , ثم الاستعمار و أخيرا الديكتاتوريات التي استمرت طوال النصف الثاني من القرن الماضي , فإن هذه الشعوب , هذه البروليتاريا تخرج أخيرا من عزلتها و تتحدى القوى التي تضطهدها و تحرمها من حريتها و كرامتها في حياتها

460_0___30_0_0_0_0_0_raid.jpg


ليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمبريالية

يبدو أن الشعوب العربية , البروليتاريا العربية , تدخل أخيرا عصر ما بعد الحداثة . بعد قرون من الهيمنة و العنف الذي مارسته الإمبراطورية التركية أولا , ثم الاستعمار و أخيرا الديكتاتوريات التي استمرت طوال النصف الثاني من القرن الماضي , فإن هذه الشعوب , هذه البروليتاريا تخرج أخيرا من عزلتها و تتحدى القوى التي تضطهدها و تحرمها من حريتها و كرامتها في حياتها .

الوعي بانها تتعرض للاستغلال , أنها مستبعدة عن ثروات الديكتاتورات و عشائرهم ( أسرهم ) , بأنها تعيش دون حرية أو أية حقوق تحول بسرعة إلى وعي بأنها قادرة على أن تعتمد على قواها , أنها قادرة على أن تنظم نفسها في لجان شعبية تعطي صوتا لآراء و مساهمات الجميع , أنها قادرة على أن تتحدى قوى البوليس ( الشرطة ) و الجيوش , أنها قادرة على أن تسقط الديكتاتوريات و تخلق مشاكل ( حقيقية ) للقوى الإمبريالية التي تدعمها . و هذا كله على الرغم من أولئك الذين , بسبب ما يحملون من وعي عنصري أو مجرد سوء أو عدم أيمان بها , يصفونها أو يحاولون أن يصفونها بأنها غير قادرة ".." على التمييز بين الدين و السياسة .

النضالات ما تزال جارية الآن لعدة شهور و قد بدأت بتونس و مصر و ثم انتشرت إلى كل العالم العربي , حتى إلى تلك الأماكن التي تعد مراكز قوية للإنبريالية الغربية و التي كانت تعتقد أنها بمأمن و لا توجد فيها حاجة "لاستبدال الحصان" ( كناية عن استبدال رأس النظام – المترجم ) . بعد سنوات من النضالات النقابية التي قمعت بشكل دموي و جرى تجاهلها من قبل الإعلام الجماهيري و الي يتضح اليوم أن لا علاقة لها بالأصولية , فإن الحرية و الحداثة هي الآن شعارات اليوم . لا توجد أية حجج فيما يتعلق بأعداء خارجيين , لا إحراق للأعلام الأمريكية أو إدانة للصهاينة . يحتج الناس ضد التراتبيات الهرمية في مجتمعاتهم , ضد برجوازيتهم الوطنية التي اغتنت خلال العقود الأخيرة عن طريق مص دماء الطبقات العاملة , ضد ملكياتهم المبهرجة , لكن دون أن يسقطوا أسرى للدعوات المغرية للوحدة العربية أو للأصولية . البحث عن التطبيع صعب حتى لو كانت الطبقات الحاكمة هي سادة التحول و مستعدة دائما لإعادة إنتاج نفسها : فرغم كل ما قد يقال , إن النضالات متواصلة .

التوتر هائل في كل بلد عربي على امتداد الشرق الأوسط و شمال أفريقيا . الناس يجعلون أصواتهم مسموعة أخيرا و الأنظمة تستجيب لهذه التحديات بالقمع من أقسى الأشكال .

في سياق انعدام الاستقرار العام هذا الناتج في الدرجة الأولى عن الانتفاضات الشعبية و ليس فقط من اختراع الإعلام , حقيقة أن بعض الدول الأوروبية تحاول أن تستفيد من الوضع لكي تجني اكثر ما يمكنها منه , لكي تستعيد مجالات نفوذها في الشرق الأوسط التي كانت تحت التهديد بسبب دعمهم المتزايد الذي لا يمكن تبريره للأنظمة التي كانت لفترة طويلة غير محتملة , تفسر نزعة التدخل لدى فرنسا في الحالة الليبية . رغم أنها قد اقتطعت لنفسها دورا معتبرا في رقعة شطرنج الدبلوماسية المتوسطية بتنصيب نفسها حارس حدود لشواطئ أوروبا , كان تحكمها بليبيا ما يزال صعبا بسبب قدرة العقيد ( القذافي ) على أن يقدم نفسه كممثل للاتحاد الأفريقي و آخر أبطال العالم الثالث , أيضا بفضل قدراته المالية الهائلة .

و نرى أيضا المناورات و التزاحم في سبيل موقع بين الفصائل الليبية المختلفة و قد أصبح من السهل إيجاد رغبة عامة نوعا ما للانتقال إلى جانب الثوار في مقابل مكان تحت الشمس في قورينيا ( منسوبة إلى قورينة – مستعمرة يونانيةالمترجم ) . إضافة إلى أنه قد يتخلص من أحد البيادق صعبي المراس في المنطقة ( الذي اتفق أيضا أنه حليف غير موثوق و ضعيف المصداقية مثل الحكومة الإيطالية ) , عندها فإن الغرب ككل يمكنه أن يطالب بموارد المنطقة المستقبلية , نازعا الشرعية عن ثورة شعبية من جهة و مقدما عرضا للقوة من جهة أخرى . هذا يفسر المزايدة غير الائقة على قيادة العمليات بين الناتو و الحلفاء . محاولة إيطاليا للتأقلم مع العملية عندما أصبحت حتمية لمقايضة مصالح إيطاليا في ليبيا ( الغاز و النفط هما أساسا تحت سيطرة ال.. ) مقابل الحماية الجزئية لشواطئها في محاولة لإيقاف وصول قوارب الأفريقيين الشماليين اليائسين التي تحكم بها حتى اليوم نظام القذافي و التي استخدمها كوسيلة ابتزاز و بقاء قوية .

في هذا السياق حيث تتغير الأمور بسرعة فائقة و حيث المصالح الكبرى ( كل شيء من الموارد الطبيعية إلى المالية و السيطرة على الهجرة ) تجري حمايتها و إعادة تحديدها , فإن هذه الثورات قد سببت تشققات في البنية الإمبريالية في المنطقة .

ما يهمنا نحن الناشطون الثوريون هو إمكانية الثورة و التنظيم الذاتي التي عبرت عنها الشعوب التي لم يعد يحدد مطالبها رجال الدين أو الأصوليون , بل تركزت عوضا عن ذلك على الحقوق الأساسية و إعادة توزيع الثروة . إن فزاعة الأصولية ( التي استخدمت في الماضي كوسيلة للسيطرة الاجتماعية و السياسية ) لم يعد هو الخطر , فإن القوى الغربية مجبرة على أن يكون تلجأ للتدخل المسلح لكي تحمي , ليس الثوار كما تريد منا أن نصدق , بل الفصائل المختلفة التي تتنافس على السيطرة على الموارد – نيابة عن الغرب – . بعد عقود من الحروب التي تخفت ( تنكرت في شكل ) كحقن من الديمقراطية التي تخدم فقط تعزيز مصالح الغرب و الأصوليين المحليين , و ليس نضال الشعوب نفسها في هذه البلدان التي تواجه رسالة مريعة جرى إيصالها من خلال الطائرات المقاتلة التي تغادر قواعدنا و السفن الحربية التي تغادر موانئنا : أن الحرية و العدالة الاجتماعية ليستا على أجندة الرأسمالية .

إن الإمكانية الوحيدة لبناء مجتمع أكثر عدلا , مجتمع أكثر حرية , توجد في النضال , على أي من ضفتي المتوسط .

لهذا فإننا ندعم اللجان الشعبية و رفاقنا الذين , مقابل حياتهم و حريتهم , يقاتلون في شوارع و ساحات بنغازي , سوريا , البحرين , السعودية , على امتداد الشرق الأوسط و شمال أفريقيا .

و لهذا فإننا نعارض بحزم الحرب و التدخل العسكري اللذين سيؤديان بشكل حتمي إلى الدمار و البؤس في ليبيا , و إلى قمع وحشي في بلدان أخرى في محاولة لتطبيع الوضع هناك .

الفيدرالية الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) في إيطاليا

28 مارس آذار 2011