الأحد، 17 أبريل 2011

الإمبريالية و السيدا / الأيدز فى أفريقيا( مقتطف من كتاب - عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عالم شيوعي ... فلنناضل من أجله!!!-)

شادي الشماوي
الحوار المتمدن - العدد: 3337 - 2011 / 4 / 15
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

الإمبريالية و السيدا / الأيدز فى أفريقيا
==========================
( مقتطف من كتاب " عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عالم شيوعي ... فلنناضل من أجله!!!")
فهرس كتاب " عالم آخر، أفضل ضروري و ممكن، عالم شيوعي ... فلنناضل من أجله!!!"
- مقدمة
- الفصل الأول : عالم آخر ، أفضل ضروري
1- عبودية القرن الواحد والعشرين .
2- بيع النساء : تجارة البشر العالمية.
3- الإمبريالية و الأيدز فى أفريقيا.
4- كوكبنا يصرخ من أجل الثورة .
- الفصل الثانى : عالم آخر، أفضل ممكن: عالم شيوعي.
1- الشيوعية تصوروها بألوان حقيقية .
2- تعتقدون أن الشيوعية فكرة جيدة لكنها غير قابلة للتطبيق؟ قوموا بهذا الإختبار القصير و أعيدوا التفكير .
3- ما هي الشيوعية ؟ ما هو تاريخها الحقيقي؟ ما هي علاقتها بعالم اليوم ؟
4- الشيوعية ليست إيديولوجيا "أوروبية" و إنما هي إيديولوجيا البروليتاريا العالمية.
5- مقياس من مقاييس تقدم المجتمع : من تجارب دكتاتورية البروليتاريا بصدد تحرير المرأة .
- الفصل الثالث: الإشتراكية أفضل من الرأسمالية و الشيوعية ستكون أفضل حتى !
مقدمة الفصل
1- الإشتراكية و الشيوعية.
2- الثورة التى هزت العالم بأسره هزا.
3- تجربة أولى فى بناء الإشتراكية .
4- الثورة الصينية تنجز إختراقا آخر .
5- القطع مع النموذج السوفياتي.
6- الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى صراع بين الطريق الإشتراكي و الطريق الرأسمالي.
7- هزيمة الصين الإشتراكية و الدروس المستخلصة للمستقبل.
8- البناء على أساس الموجة الأولى من الثورات الإشتراكية .
خاتمة : - هدف الماركسية هو الشيوعية.
الإمبريالية و الأيدز فى أفريقيا
)
www.revcom.us(مقال صدر فى الأصل بالأنجليزية بموقع " الثورة "
" عمرى 14 سنة و لدي أربعة إخوة و ثلاث أخوات أصغر منى . أنا من أوغندا . أدرس فى السنة السادسة من التتعليم الإبتدائي و أتيت إلى هنا لقول شيئ عن الإيدز و مشاكله. الأيدز يعنى مرض نقص المناعة المكتسبة وهو مرض فظيع فقد تسبب فى وفاة أمى و أبى فى 1992 و قتل كافة إخوة و أخوات أبى كما قتل الكثير من الرجال و النساء فى أوغندا .
لقد أغلقت بعض البيوت لكن بيتنا لم يُغلق لأن أبى و أمى تركانى بمعية أربعة إخوة و أختين أعتنى بهم و أعتنى بجدّى كذلك إذ هو يعيش بقربنا و زوجته قد توفيت و ما من أحد يوليه العناية التى يستحق وهو طاعن فى السن له من العمر 84 سنة . فقد زوجته سنة 1992 وهو إلى ذلك كفيف و أنا الذى أعتنى بالعائلة .
الأيتام الآخرون يعيشون الحياة ذاتها حيث لا يملكون أغطية و لا يأكلون اللحم و لا يحصلون على السكر و ينامون فى الأكواخ . البعض يذهب للأكل لدى الجيران أو يحصل على وجبة طعام واحدة فى اليوم .
المعلّمون يدعوننا بالأيتام لكننى لا أريد ذلك الإسم . و أطفال آخرون أيضا لا يريدونه . إنهم يعتقدون أننا حيوانات ."
يتيم الأيدز من أوغندا
[...] لقد حرّفت أجهزة الإعلام الغربية وجهات النظر التى إقترحت بأن الشروط الإجتماعية السائدة لعبت دورا ضخما فى إنتشار وباء الأيدز .[ ...] و إنه لأمر مخزي أن نرى الشركات الصيدلية العملاقة التى سجلت خلال العقد الماضي أرباحا قياسية تعدّ ببلايين الدولارات بينما تمنع عن الملايين من البشر المساعدة و الحصول على علاج فعلي ينقذ حياتهم ، تقدم نفسها على أنها منقذة أفريقيا . على ما يبدو ليس للنفاق الإمبريالي حدود .
)
HIV تبيّن الأدلّة الثابتة بأن فيروس إتش أي فى(
هو العامل المعدي الذى يسبب العدوى من فرد لآخر . بيد أن وجود وباء حول العالم –خصوصا فى القارة الأفريقية – سبب بالأساس الأوضاع الإجتماعية و ضمنها الفاقة و الإدمان على المخدرات و أفكار و ممارسات دينية رجعية و التفوّق الذكوري و ما يفرزه من ممارسات جنسية و الإضطهاد القومي و اللامبالاة المتعمدة للمؤسسات الطبية الرأسمالية حيال المرض المنتشر فى الأوساط الفقيرة .
بإختصار ينتقل المرض عبر الفيروس لكن الوباء ناجم عن النظام ، عن المجتمع الطبقي و العلاقات الإجتماعية الرجعية و فقر الناس . و الظروف التى أدت إلى إستشراء وباء الأيدز فى القارة الأفريقية مرتبطة بألف خيط بالإمبريالية و الإستعمار الجديد و الميز العنصري.
و هذا المقال سيتفحص بعض السياسات الإمبريالية ذات الصلة التى وفرت الظروف لوباء الأيدز فى أفريقيا .
كابوس أفريقي :
حول العالم، ثمة ما يقدّر ب 34.3 مليون شخص يحمل الأيدز الآن ، أكثر من 27.6 مليون فى السنة الماضية بزيادة اكثر من 16 ألف شخص مصاب فى اليوم الواحد .
أفريقيا و بوجه خاص أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، تعانى أكثر من غيرها من مناطق العالم من فيروس الأيدز . فسبعون بالمائة من الإصابات الجديدة توجد بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بالرغم من أن هذه المنطقة يقطنها فقط 10 بالمائة من سكان العالم . و من ضمن الأطفال الذين سنهم أقل من 15 سنة المصابين بفيروس الأيدز ، تسعة من عشرة يوجدون بأفريقيا جنوب الصحراء . منذ بداية الوباء ، يقدّر أن 34 مليون شخص من المنطقة أصابهم الفيروس و 11.6 مليون منهم قد لقوا حتفهم بعدُ و منهم الربع من الأطفال . فى 1998 فقط ، مات مليونا أفريقي ،رجالا و نساء و أطفال بفعل أمراض متصلة بالأيدز .
لقد أعلن فى مؤتمر ديربان بجنوب أفريقيا سنة 2000 بأن فى السنوات العشر التالية ، يتوقع أن يتراجع متوسط العمر فى بوتسوانا إلى 29 و 30 سنة فى سوازيلاند و 33 سنة فى ناميبيا و زمبابوى . بدون الأيدز كان متوسط العمر سيكون حوالي 70 سنة فى تلك البلدان . و فى هذه البلدان الأربعة أكثر من ربع البالغين يحملون الفيروس . و فى بعض المناطق النسب أعلى حتى ففى دراسة سُجّل أن 59 بالمائة من النساء اللواتى يحضرن عيادات ما قبل الولادة فى ريف بايتبريدج بزمبابوى مصابات بالفيروس .
عبر العالم ، يتّمت الأيدز بعدُ 13.2 مليون طفل و 12.1 مليون منهم بأفريقيا جنوب الصحراء .
لقد مرّت فقط 17 سنة منذ إكتشاف الأيدز بأفريقيا و بعدُ قتل الفيروس أكثر من 11 مليون أفريقي جنوب الصحراء و أصاب أكثر من 22 مليون آخرين . و الفيروس يضرب بشدّة القطاع المنتج من سكان أفريقيا، شباب و كهول تتراوح أعمارهم بين 15 و 49 سنة و يحذّر الخبراء من أن الوباء لا يزال في مراحله المبكرة الأولى فحسب.

الإمبريالية و أفريقيا :
ليس الأمر عرضيا كون أفريقيا أول المتضررين بالأيدز / الأتش أي في . ذلك أن قرونا من الإستعمار و الإمبريالية دمرت القارة و لعبت سرقة الأرض و العمل و المعادن و الثروات الأخرى للقارة الأفريقية دورا حاسما فى التنمية الإقتصادية لأوروبا و الولايات المتحدة. فأثناء تجارة العبيد جرى إختطاف ملايين الرجال و النساء و الأطفال و إقتيدوا إلى الولايات المتحدة حيث شكّل عملهم الإجباري العمود الفقري للإقتصاد الأمريكي فى بداياته .
فى ندوة برلين فى 1884-1885 تمّ تقسيم أفريقيا كلّها بين القوى الأوروبية . و الندوة لم يحضرها و لو أفريقيا واحدا. و على الرغم من المقاومة الشرسة ، مع بدايات القرن العشرين فقط بلدان هما أثيوبيا و ليبيريا لم يكونا مستعمرتين بشكل تام . و قد جرت مصادرة الأرض لإقامة المزارع و إستغلال المناجم و أجبر الأفريقيون على العمل بأجور زهيدة للغاية و فى ظروف عمل تبعث على الحزن . و لقي أكثر من 10 ملايين شخص فى الكنغو حتفهم أثناء عهد الملك ليوبولد عاهل بلجيكا و ظل العديد مقطوعي الأيدي عقابا لهم على إخفاقهم فى توفير الحصص المحددة لإنتاج المطاط .
و رغم إدعاءات الإمبرياليين بأنهم كانوا يطوّرون أفريقيا ، فإن مؤشرات صحّة الأفريقيين زمن الإستعمار الأوروبي تراجعت و تناقص عدد سكان العديد من البلدان فى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بين 1890 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية .
و مع أواسط السبعينات من القرن العشرين ، حصلت أغلب البلدان الأفريقية على إستقلال شكلي إذ إستمرت الهيمنة الإقتصادية للقوى الغربية . و عندما عارض زعماء وطنيون مصالح إقتصادية إمبريالية جرى القضاء عليهم . و فى الكنغو على سبيل المثال ، إغتالت وكالة المخابرات المركزية السي آي آي عهد كندى الزعيم الوطني باتريس لوممبا فى أوائل الستينات. وخلال هذه الفترة تحصلت العديد من المستعمرات الجديدة "الحديثة الإستقلال " على ديون كبيرة من القوى الإمبريالية . و لم يُستعمل المال المستعار لمساعدة شعوب تلك البلدان بل بالعكس إستُغلت القروض لإقامة البناء التحتي الضروري للإمبرياليين كي يتمكنوا من مزيد نهب ثروات البلدان و تنظيم جيوش تقمع الجماهير و تفرض الحكم الإستعماري الجديد و تملأ جيوب عملاء الإمبريالية .
و الآن ، مع بداية القرن الحادي و العشرين ، يعيش نصف الأفريقيين فى صراع مع الفاقة المطلقة ببساطة للحصول على الغذاء الكافي للبقاء قيد الحياة ليوم آخر . و يفتقر أكثر من نصف سكان أفريقيا إلى الماء الصالح للشراب و 70 بالمائة منهم لا يملكون مجاري تصريف صحية .
برامج الإصلاح الهيكلي و الأيدز :
فى العقود القليلة الماضية فرضت المؤسسات المالية العالمية مثل البنك العالمي و صندوق النقد الدولي برامج الإصلاح الهيكلي على بلدان افريقيا . و فى ظل هذه البرامج ، كان شرط القروض الجديدة أو إعادة جدولة القروض الحالية هو أن تلتزم البلدان بتخفيض الإنفاق الحكومي بشدّة و إدخال التغييرات الأخرى لكي يوجّه مزيدا من المال نحو دفع الديون .
فى الثمانينات و التسعينات ، أُمليت برامج الإصلاح الهيكلي على 42 حكومة فى أفريقيا جنوب الصحراء . و مع نهاية الثمانينات إستعملت جلّ البلدان غير المنتجة للنفط فى أفريقيا 30 إلى 70 بالمائة من عائدات صادراتها لدفع فوائد ديونها . و خلال الثمانينات خرج رأس المال بحجم أكبر من أفريقيا من رأس المال الذى دخلها . و فى إطار هذه البرامج ، بين 1960 و 1990 ، تراجع معدل دخل الفرد السنوي فى أفريقيا تقريبا ب 25 بالمائة ، من 850 دولار إلى 645 دولار .
و فى الوقت الذى يعانى فيه إلى 70 بالمائة من البالغين فى المستشفيات من الأيدز و الأمراض المرتبطة به ، كان على عديد البلدان الأفريقية أن تلتزم بقطع الإنفاق على الصحّة لكي تستجيب لشروط صندوق النقد الدولي . و فى هذه الظروف يضحى شبه مستحيل علاج المصابين بالفيروس عمليا و إنجاز حملات فعالة لتحديد السلوك الخطر جدا أو لتوفير المصادر المالية الضرورية لخوض حملة ضد إنتشار الفيروس مثل إستعمال الواقيات الجنسية أو الإبر المعقمة .
و على سبيل المثال ، فى تنزانيا – حيث نصف مليون طفل يتيم نتيجة للأيدز- تقدّر مصاريف الحكومة على الرعاية الصحية بفقط 3.20 دولار للشخص الواحد سنويا فى حين تنفق تانزانيا أكثر من ذلك بثلاث مرات على تسديد الديون كل سنة . و خلال السنوات الخمس الماضية ، تراجع الإنفاق العام على الرعاية الصحية و التعليم بحوالي 40 بالمائة فى الظروف الحقيقية فى جزء كبير منه كنتيجة لضغوطات صندوق النقد الدولي . و قد كان لهذه التخفيضات المالية المخصصة للرعاية الصحية الأثر المدمّر حيث أدت إلى جعل المراكز الصحية و المستشفيات تفتقد مقوماتها فلا تمتلك إلا بضعة عقاقير و أجهزة تعقيم قليلة كما تفتقد إلى الورق لتسجيل نتائج البحوث و الكشوفات و صارت المستشفيات غير قادرة على توفير الغذاء و ما إلى ذلك .
كان للتخفيضات فى الإنفاق على الرعاية الصحية أعظم الأثر فى المناطق الريفية البعيدة .فقد أجبر برنامج الإصلاح الهيكلي زمبابوى على تخفيض المنح الحكومية للمستشفيات الصحية الريفية و بالتالى لم يكن موظفو مستشفى موسامى قادرين إلا على زيارة نصف القرى التى كانوا يزورونها قبل التخفيضات فى المنح الحكومية . و تراجع عدد الذين تقدّم إليهم خدمات فى تلك المستشفيات ب 25 بالمائة .
فى البلدان الأفريقية فى ظل برامج الإصلاح الهيكلي يتمتع عمال الصحة أو بالكاد بالقليل من ضمان الشغل أو لا يتمتعون به والعديد منهم لم يحصلوا على أجورهم لأشهر متتالية . و لتغذية عائلاتهم على الكثير منهم اللجوء ببساطة إلى عمل ثان و هكذا تظلّ عديد الوظائف شاغرة و هنالك "هجرة أدمغة " لبلدان أخرى أين يحصل الأخصائيون فى الصحّة على أجور أفضل .
و فى غانا ، سجّل نقص فى عدد الأطباء الذى تراجع من1782 طبيب سنة 1985 إلى 956 طبيب سنة 1991 . و فى الكوت ديفوار/ ساحل العاج تقلصت نسبة الحضور إلى دروس مستشفى البلاد ب 50 بالمائة بعد تخفيض عُملة البلاد فى 1994 بينما إرتفعت أسعار الإستطباب من 30 إلى 70 بالمائة .
وصفت ممرضة من السينغال الأوضاع فى مركز صحي جهوي أين تعمل فقالت إن المركز يفتقر إلى الأدوية و التجهيزات الأكثر أساسية و ضمنها المطهرات و الأقنعة و القفازات و الحقن التى يُلقى بها بعد إستعمالها . و صرّح ممرّض آخر يعمل لجزء من الوقت طبيب بأنه يقدّم الخدمات لأ كثر من 150 ألف شخص . وهو يفحص أكثر من 70 شخصا فى اليوم و العديد منهم يموتون بسبب أمراض يمكن علاجها لو توفرت الأدوية و التجهيزات الضرورية . و أضاف " عملي إحباط تلو الإحباط " و " فى ظل هذه الظروف ببساطة لا أستطيع تزويد مرضاي بنوع الرعاية الصحية التى يحتاجونها و بالسرعة المطلوبة " .
بين 1980 و 1993 ، إرتفع عدد الناس الذين على كل ممرض الإعتناء بهم فى السينغال لما يفوق الست مرات من 1931 فى 1980 إلى 13174 فى 1993 . و ذكرت العديد من البلدان الأفريقية الأخرى تراجعات كبرى مماثلة أو مساوية فى عدد الممرضات أثناء الفترة نفسها .
إن تخفيض قيمة العُملة الذى يهدف لجعل الصادرات أرخص سياسة مركزية من سياسات صندوق النقد الدولي و برامج الإصلاح الهيكلي . و قد ترتب عن مثل هذه التخفيضات زيادة هائلة فى كلفة السلع المستوردة كالتجهيزات الصيدلية التى تسعّر بحيث تكون بعيدة المنال أكثر فأكثر بالنسبة لغالبية الأفريقيين .
لقد أمرت المؤسسات المالية العالمية بأن تفرض "إسترجاع كلفة " الرعاية الصحية وهو ما يتخذ شكل تحمّل المستعمل الأتعاب . و بذلك أضحت الرعاية الصحية الأساسية بعيدة المنال بالنسبة لعديد الفقراء و المرضى فى أفريقيا . فعلى المرضى أن يدفعوا ثمن الفحوص الطبية و الأدوية و أحيانا كثيرة يطالبون بتوفير حقنهم الخاصة و القطرة و الإبر عندما يعالجون فى المستشفيات .
و ينجم عن دفع ثمن الفحوص الطبية و الأدوية تأخير فى تقديم الرعاية الطبية و تقويض الحصول على العلاج فى مستشفى مروى موسامى و مستشفى هراري المركزي تراجع ب 25 بالمائة فى جانفي 1992 بعد إرتفاع تكاليف المستشفى.و لمّا إرتفعت كلفة العلاج الخارجي من 1.50 دولار زمباوي إلى 17 فى 1994 ، إنخفضت نسبة العلاج الخارجي و غير الإستعجالي مجددا و بصورة ملموسة.
و قد لعب عدم التمتّع بالعناية الطبية دورا رئيسيا فى إنتشار الفيروس فى أفريقيا . فمثلا ، أمراض ( الأس تى دي إس ) قابلة للعلاج بسهولة شأنها شأن قروح تناسلية تضاعف إمكانيات الإصابة بالأيدز . و قد أثبتت دراسة فى تنزانيا أن علاج بعض الأمراض ( الأس تى دى آس ) تكلّف 2.11 دولار للشخص الواحد و بإمكانها أن تخفض عدد المصابين بالفيروس أتش أي في بنسبة 42 بالمائة . و عندما نصح البنك العالمي كينيا بإعتماد ثمن العلاج ب 2.15 دولار للقبول فى المستشفيات ( أس تـي دى آس) هبط عدد الزوار بنسبة 35 إلى 60 بالمائة . و فى زمبابوى ، أجبر جعل تكاليف الواقيات الجنسية على كاهل المستهلك فى أكتوبر1992 فى إطار برنامج الإصلاح الهيكلي ، العديد من البلدان الأفريقية على سحب الدعم المالي مما أدى إلى مضاعفة أسعار المواد الغذائية وفى زمبابوى ، إثر إلغاء التحكّم فى الأسعار فى مارس 1993 ، إرتفع سعر الخبز من 1.63 دولار زمبابوى إلى 2.20 دولار فى يوم و ليلة .
فتراجعت مبيعات المخابر فورا ب 50 بالمائة . و يتعرّض ثلث أطفال أفريقيا لسوء التغذية إلى حدّ كبير إذ يذكر تقرير لليونيسيف بان برامج الإصلاح الهيكلي ساهمت فى التدهور الواسع النطاق لتغذية الأطفال و النساء الحوامل و النساء العائلات للأطفال .

الإمبرياليون يهملون الأيدز فى أفريقيا :
تتصرّف الولايات المتحدة و قوى إمبريالية أخرى كما لو أنها أدركت للتوّ وباء الأيدز فى أفريقيا . و فى الحقيقة ، كانت هذه القوى على علم بتطوّر الأزمة منذ سنوات عدّة و تجاهلتها فى وقت كان يمكن فيه لمساعداتها أن تحدّ كثيرا من تداعياتها .
فى مقال صدر أخيرا فى الواشنطن بوست ، إقتبس الكاتب من تقرير وكالة المخابرات المركزي فقرات حول وباء الأيدز فى أفريقيا . لقد توقّع التقرير المسار الذى سيتخذه الوباء فى التسعينات . قال الكاتب إن زميلا له عسكري يعمل فى مجلس الإستخبار الوطني صرح له : " أوه ، سيكون ذلك جيدا لأن أفريقيا مزدحمة بالسكان ". و ركّز خبراء عسكريون آخرون إطلعوا على تقرير وكالة المخابرات المركزية لسنة 1991 و علقوا عليه فقط على الضرر المحتمل الذى يمكن أن يلحق بالقوات العسكرية الحليفة . و ذكرت الواشنطن بوست بان قائدا عسكريا واحدا إستنتج بأنه حتى إذا أخذ عدد واسع من الضباط فى الموت بسبب المرض ذلك "أن ذلك سيرفع الروح المعنوية لأن هنالك مجال أكبر للتقدّم ".
و أظهرت مؤسسات إمبريالية أخرى قلّة إكتراث بوباء الأيدز المنتشر فى أفريقيا . فبعد مقارنة إمكانية الموت من وباء الأيدز فى أفريقيا بالطاعون الدبلي الذى ضرب أوروبا فى القرن الرابع عشر ، جاء فى تقرير قسم السكان و الموارد البشرية التابع للبنك العالمي أن الأيدز قد تفيد أفريقيا إقتصاديا : " إذا كان التأثير الوحيد لوباء الأيدز خفض معدل نمو السكان فإنه سيزيد نمو معدّل دخل الفرد فى أي نموذج إقتصادي معقول ."
و فى الولايات المتحدة ، دافع مركز مكافحة الأمراض و الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لسنوات عن عدم دفع ثمن إختبارات الأيدز فى الخارج . و فى الولايات المتحدة كان هذا النوع من الإختبارات فعالا إلى حدّ كبير بتخفيض إنتشار الأيدز ." الحجة كانت أن ذلك الإختبار كان مكلفا للغاية و أدى إلى ما هو أوفر كلفة ". قال غريغوري باباس وهو طبيب مسؤول عن الخدمات الصحية الإنسانية للواشنطن بوست : " فلسفة تطوّر الدوائر كانت عدم خلق مطالب . إنعكاسات معرفة الكثير من الناس بأنهم مصابون بالفيروس ، عوض الموت به فقط ، هي خلق مطالب لوكالات مساعدة التطوير ".
و دوف جيلابسى الذى أشرف على مساعدة المصابين بالأيدز كمدير لبرامج الولايات المتحدة للأيدز و تأثيرها على السكان و الصحة و التغذية ، جادل بأن الفائض السكاني و ليس الأيدز هو أهم مشكل فى أفريقيا . و قال مايكل مرسون ، المسؤول الأول السابق عن برنامج الأيدز التابع لمنظمة الصحة العالمية للواشنطن بوست " كان دوف قلقا جدا بشأن عدم السماح بإستعمال ميزانية السكان للأيدز ".
و فى اليوم الأول من ندوة ديربان سنة 2000 قام أكثر من ألفي محتج بمسيرة للمطالبة بأن تجعل الشركات الصيدلية الأدوية متوفرة بأسعار رخيصة بالنسبة للبلدان الفقيرة . و رفع العديد من المتظاهرين يافطات بصور المدراء التنفيذيين الصيدليين ، ناعتينهم بمستغلي الأدوية . و خلال المظاهرات بمناسبة الندوة ، إعتصم المتظاهرون بأكشاك عرض المنتجين الصيدليين مثل فايزر و مارك.
لقد جعلت الأدوية الجديدة ممكنا للعديد من الناس الذين يعيشون بفيروس أتش أي في أو الذين يعانون من الأيدز فى الولايات المتحدة أن يتابعوا حياة صحية نسبيا . لكن علاج المكونات الثلاث الجديد الذى ينقذ الحياة فى الولايات المتحدة يكلّف أكثر من 12 ألف دولار سنويا لكلّ مريض . وهو على الأرجح غير معروف فى البلدان الفقيرة حيث يضرب وباء الأيدز بقوة كبيرة ز فمثلا بالأسعار الحالية ، لا يمكن لزمبيا أن توفّر علاج الأيدز الثلاثي المكونات لسكانها حتى و لو صرفت دخلها القومي باكمله على أدوية الأيدز !
حيال وباء الأيدز المتزايد الإنتشار ، سعت الحكومة الأمريكية و المنتجون الصيادلة إلى منع بلدان فى أفريقيا من إستيراد هذه الأدوية من البلدان الأخرى حيث يبيعون نفس الدواء بنسبة من السعر أو من تصنيع أدوية جنيسة رخيصة . و هدّدت الحكومة الأمريكية جنوب أفريقيا بعقوبات تجارية عندما شرعت فى التفكير فى هذه الطرق لتوفير أدوية تنقذ الحياة . كرئيس للجنة الولايات المتحدة /جنوب أفريقيا ، قاد نائب الرئيس غور التهديدات التجارية ضد جنوب أفريقيا .
فى جوان 1999 ، جلبت مجموعة نشطاء الأيدز الإنتباه إلى الأعمال الشنيعة للولايات المتحدة بالتظاهر فى عديد المحطات الخاصة بحملة غور و عرقلت إعلانه بأنه مرشح للرئاسة. و تقدّم المتظاهرون بتأطير من "آكت آب " و "أدوية أيدز من أجل أفريقيا " إلى حدّ بضعة أقدام من غور رافعين أعلاما و صارخين " جشع غور قاتل " . و أطلق النشطاء على حملة غور "التفرقة العنصرية لسنة 2000".
و يبدو أن الولايات المتحدة هدأت من تهديداتها العلنية أمام فضحها عالميا . لكن كم عدد الناس الذين يموتون دون داع بينما ترفع الولايات المتحدة سيفها التجاري مهدّدة البلدان الفقيرة التى حاولت توفير الطبّ للمرضى و المحتضرين ؟ و تواصل شركات صيدلية أمريكية و أوروبية منع التوفير الواسع النطاق لهذه الأدوية الضرورية بالتصريح بأنه لن يسمح بصناعتها إلا لأصحاب براءات الإختراع .
فى الأشهر التى سبقت ندوة ديربان و أثناءها صدرت إعلانات عن مختلف منتجى الأدوية بأنهم سيجعلون أدويتهم متوفرة للناس الفقراء فى بعض البلدان بأسعار رخيصة أو مجانا . و مع ذلك نظرة عن قرب تكشف بأن العديد من هذه العروض ترسم للحيلولة دون صناعة أدوية جنيسة و التوفير الواسع النطاق للأدوية المطلوبة بصورة إستعجالية .
و نضرب مثالا على ذلك : أعلنت "بفايزر" مأخرا بانها ستصنع الفليكوتازول ( الإسم التجاري للديفلوكان) وهو عقار لعلاج إلتهاب سحايا الكريبتوكوكال ، مجانا فى جنوب أفريقيا . و إلتهاب سحايا الكريبتوكوكال عدوى فطرية تصيب الدماغ وهي واحدة من الإصابات التى تضرب المصابين بالأيدز . و بدون الفليوكونازول عادة ما يموت المصابون بالأيدز فى غضون شهرين إذا أصيبوا بهذا الإلتهاب .
تبيع بفايزر الدواء فى جنوب أفريقيا ب 4.15 دولار للجرعة اليومية . و دواء جنيس يصنّع فى تيلندا ب 29 سنتا من الدولار . و هكذا حققت مبيعات الديفلوكان أكثر من بليون دولار سنة 1999.
نشطاء فى مجموعات مثل أطباء بلا حدود فضحوا جملة من الشروط التى فرضتها بفايزر على هذا العرض . " إن الشروط المتبعة التى تفرضها بفايزر على عرضها المشهور جدا للتزويد المجاني بالفلوكانازول للمصابين بالأيدز تخيب الآمال ". هذا ما قاله إيريك غوماري من الأطباء بلا حدود ، فى جنوب أفريقيا . "و الأشنع هو أن محاولة بفايزر لتنظيم هذا التبرع تمثل تجربة طيبة ، مضيفة متطلبات مكلفة لإعداد التقارير و التدريب . أطباء أفريقيا الجنوبية محترفون و بفايزر تطالب بتدريب خاص لعلاج روتيني."
فضلا عن ذلك ، لن توفّر بفايزر الدواء مجانا فى بلدان أخرى عدا جنوب أفريقيا لا تقدر هي الأخرى على دفع ثمن ذلك الدواء. سوف توفّر فقط دواء لإلتهاب سحايا الكريبوكوكال و ليس لعلاج الإصابات القاتلة . و الشركة رفضت التخفيض فى سعر الأدوية التى لا يشملها عرضها هذا .
" تواجه جنوب أفريقيا وباء من أشدّ الأوبئة فى العالم بأكثر من 10 بالمائة من المصابين بفيروس أتش أي في . مات أكثر من 100 ألف شخص هنا بسبب الأيدز فى السنة الماضية ". هذا ماصرّح به الدكتور جيومايرى . و " من غير المقبول أن تظلّ بفايزر ترفض أن تبيع هذا المنتج بسعر رخيص فى البلدان الفقيرة أو السماح للآخرين بالحق القانوني للقيام بذلك ".
فى 11 ماي "الخمس " شركات الكبرى للأدوية أعلنت أنها توصلت إلى إتفاق مع منظمة الأيدز التابعة للأمم المتحدة للتزويد بأدوية الأيدز ذات الأسعارالمنخفضة فى بلدان ما يسمى بالعالم الثالث. و مع ذلك يدعى الأم أس أف بأن التسوق فى الأسواق العالمية للأدوية الجنيسة يمكن الدول النامية من أن تخفض الكلفة السنوية لعلاج الدواء الثلاثي المكونات من المستوى الأمريكي ل15 ألف دولار إلى 200 دولار فحسب – أقل بكثير من المستويات التى وعد بها "الخمس الكبار " الذين يرون أرخص نسبة ستتراجع إلى حوالي ألفي دولار.
دانيال برمان من حملة الأم أس أف للحصول على الأدوية الضرورية قال :" القليل من الدول النامية التى حققت توفير الأدوية للمصابين بالأيدز بصورة هامة أنجزت ذلك بإتباع إستراتيجيات الأدوية الجنيسة . و الأعداد غير مستقرّة ففى البرازيل عولج 80 ألف شخص بإستعمال الأدوية الجنيسة الرخيصة التى أدخلت علاج دواء المكونات الثلاثة و جعلت كلفته تقريبا ألف دولار سنويا . لكن فى أوغندا حيث كانت الحكومة تعمل وفق أدوية ذات علامة تجارية بمبادرة من برنامج الأيدز التابع للأمم المتحدة ، أقل من ألف شخص تلقوا العلاج ."
-------------------

" إذا كان المرء واعيا بحقيقة أن الإمبريالية تسيطر على العالم و إذا كان المرء مدركا لنتائج هذا على الغالبية العظمى من شعوب العالم ، فبالتالي يجب عليه أن يشعر بضرورة المساعدة على القضاء على النظام الإمبريالي باسره و إطاره كله و بضرورة إعادة تشكيل العلاقات الإجتماعية على النطاق العالمي".

الخميس، 7 أبريل 2011

ليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمبليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمب north africa | imperialism / war | press release Wednesda

ليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمب

categorynorth africa | imperialism / war | press release authorWednesday April 06, 2011 18:23author by الفيدرالية الشيوعية اللاسلطويةauthor email internazionale at fdca dot it Report this post to the editors

يبدو أن الشعوب العربية , البروليتاريا العربية , تدخل أخيرا عصر ما بعد الحداثة . بعد قرون من الهيمنة و العنف الذي مارسته الإمبراطورية التركية أولا , ثم الاستعمار و أخيرا الديكتاتوريات التي استمرت طوال النصف الثاني من القرن الماضي , فإن هذه الشعوب , هذه البروليتاريا تخرج أخيرا من عزلتها و تتحدى القوى التي تضطهدها و تحرمها من حريتها و كرامتها في حياتها

460_0___30_0_0_0_0_0_raid.jpg


ليبيا : بين قبضة الديكتاتورية , و قنابل الإمبريالية

يبدو أن الشعوب العربية , البروليتاريا العربية , تدخل أخيرا عصر ما بعد الحداثة . بعد قرون من الهيمنة و العنف الذي مارسته الإمبراطورية التركية أولا , ثم الاستعمار و أخيرا الديكتاتوريات التي استمرت طوال النصف الثاني من القرن الماضي , فإن هذه الشعوب , هذه البروليتاريا تخرج أخيرا من عزلتها و تتحدى القوى التي تضطهدها و تحرمها من حريتها و كرامتها في حياتها .

الوعي بانها تتعرض للاستغلال , أنها مستبعدة عن ثروات الديكتاتورات و عشائرهم ( أسرهم ) , بأنها تعيش دون حرية أو أية حقوق تحول بسرعة إلى وعي بأنها قادرة على أن تعتمد على قواها , أنها قادرة على أن تنظم نفسها في لجان شعبية تعطي صوتا لآراء و مساهمات الجميع , أنها قادرة على أن تتحدى قوى البوليس ( الشرطة ) و الجيوش , أنها قادرة على أن تسقط الديكتاتوريات و تخلق مشاكل ( حقيقية ) للقوى الإمبريالية التي تدعمها . و هذا كله على الرغم من أولئك الذين , بسبب ما يحملون من وعي عنصري أو مجرد سوء أو عدم أيمان بها , يصفونها أو يحاولون أن يصفونها بأنها غير قادرة ".." على التمييز بين الدين و السياسة .

النضالات ما تزال جارية الآن لعدة شهور و قد بدأت بتونس و مصر و ثم انتشرت إلى كل العالم العربي , حتى إلى تلك الأماكن التي تعد مراكز قوية للإنبريالية الغربية و التي كانت تعتقد أنها بمأمن و لا توجد فيها حاجة "لاستبدال الحصان" ( كناية عن استبدال رأس النظام – المترجم ) . بعد سنوات من النضالات النقابية التي قمعت بشكل دموي و جرى تجاهلها من قبل الإعلام الجماهيري و الي يتضح اليوم أن لا علاقة لها بالأصولية , فإن الحرية و الحداثة هي الآن شعارات اليوم . لا توجد أية حجج فيما يتعلق بأعداء خارجيين , لا إحراق للأعلام الأمريكية أو إدانة للصهاينة . يحتج الناس ضد التراتبيات الهرمية في مجتمعاتهم , ضد برجوازيتهم الوطنية التي اغتنت خلال العقود الأخيرة عن طريق مص دماء الطبقات العاملة , ضد ملكياتهم المبهرجة , لكن دون أن يسقطوا أسرى للدعوات المغرية للوحدة العربية أو للأصولية . البحث عن التطبيع صعب حتى لو كانت الطبقات الحاكمة هي سادة التحول و مستعدة دائما لإعادة إنتاج نفسها : فرغم كل ما قد يقال , إن النضالات متواصلة .

التوتر هائل في كل بلد عربي على امتداد الشرق الأوسط و شمال أفريقيا . الناس يجعلون أصواتهم مسموعة أخيرا و الأنظمة تستجيب لهذه التحديات بالقمع من أقسى الأشكال .

في سياق انعدام الاستقرار العام هذا الناتج في الدرجة الأولى عن الانتفاضات الشعبية و ليس فقط من اختراع الإعلام , حقيقة أن بعض الدول الأوروبية تحاول أن تستفيد من الوضع لكي تجني اكثر ما يمكنها منه , لكي تستعيد مجالات نفوذها في الشرق الأوسط التي كانت تحت التهديد بسبب دعمهم المتزايد الذي لا يمكن تبريره للأنظمة التي كانت لفترة طويلة غير محتملة , تفسر نزعة التدخل لدى فرنسا في الحالة الليبية . رغم أنها قد اقتطعت لنفسها دورا معتبرا في رقعة شطرنج الدبلوماسية المتوسطية بتنصيب نفسها حارس حدود لشواطئ أوروبا , كان تحكمها بليبيا ما يزال صعبا بسبب قدرة العقيد ( القذافي ) على أن يقدم نفسه كممثل للاتحاد الأفريقي و آخر أبطال العالم الثالث , أيضا بفضل قدراته المالية الهائلة .

و نرى أيضا المناورات و التزاحم في سبيل موقع بين الفصائل الليبية المختلفة و قد أصبح من السهل إيجاد رغبة عامة نوعا ما للانتقال إلى جانب الثوار في مقابل مكان تحت الشمس في قورينيا ( منسوبة إلى قورينة – مستعمرة يونانيةالمترجم ) . إضافة إلى أنه قد يتخلص من أحد البيادق صعبي المراس في المنطقة ( الذي اتفق أيضا أنه حليف غير موثوق و ضعيف المصداقية مثل الحكومة الإيطالية ) , عندها فإن الغرب ككل يمكنه أن يطالب بموارد المنطقة المستقبلية , نازعا الشرعية عن ثورة شعبية من جهة و مقدما عرضا للقوة من جهة أخرى . هذا يفسر المزايدة غير الائقة على قيادة العمليات بين الناتو و الحلفاء . محاولة إيطاليا للتأقلم مع العملية عندما أصبحت حتمية لمقايضة مصالح إيطاليا في ليبيا ( الغاز و النفط هما أساسا تحت سيطرة ال.. ) مقابل الحماية الجزئية لشواطئها في محاولة لإيقاف وصول قوارب الأفريقيين الشماليين اليائسين التي تحكم بها حتى اليوم نظام القذافي و التي استخدمها كوسيلة ابتزاز و بقاء قوية .

في هذا السياق حيث تتغير الأمور بسرعة فائقة و حيث المصالح الكبرى ( كل شيء من الموارد الطبيعية إلى المالية و السيطرة على الهجرة ) تجري حمايتها و إعادة تحديدها , فإن هذه الثورات قد سببت تشققات في البنية الإمبريالية في المنطقة .

ما يهمنا نحن الناشطون الثوريون هو إمكانية الثورة و التنظيم الذاتي التي عبرت عنها الشعوب التي لم يعد يحدد مطالبها رجال الدين أو الأصوليون , بل تركزت عوضا عن ذلك على الحقوق الأساسية و إعادة توزيع الثروة . إن فزاعة الأصولية ( التي استخدمت في الماضي كوسيلة للسيطرة الاجتماعية و السياسية ) لم يعد هو الخطر , فإن القوى الغربية مجبرة على أن يكون تلجأ للتدخل المسلح لكي تحمي , ليس الثوار كما تريد منا أن نصدق , بل الفصائل المختلفة التي تتنافس على السيطرة على الموارد – نيابة عن الغرب – . بعد عقود من الحروب التي تخفت ( تنكرت في شكل ) كحقن من الديمقراطية التي تخدم فقط تعزيز مصالح الغرب و الأصوليين المحليين , و ليس نضال الشعوب نفسها في هذه البلدان التي تواجه رسالة مريعة جرى إيصالها من خلال الطائرات المقاتلة التي تغادر قواعدنا و السفن الحربية التي تغادر موانئنا : أن الحرية و العدالة الاجتماعية ليستا على أجندة الرأسمالية .

إن الإمكانية الوحيدة لبناء مجتمع أكثر عدلا , مجتمع أكثر حرية , توجد في النضال , على أي من ضفتي المتوسط .

لهذا فإننا ندعم اللجان الشعبية و رفاقنا الذين , مقابل حياتهم و حريتهم , يقاتلون في شوارع و ساحات بنغازي , سوريا , البحرين , السعودية , على امتداد الشرق الأوسط و شمال أفريقيا .

و لهذا فإننا نعارض بحزم الحرب و التدخل العسكري اللذين سيؤديان بشكل حتمي إلى الدمار و البؤس في ليبيا , و إلى قمع وحشي في بلدان أخرى في محاولة لتطبيع الوضع هناك .

الفيدرالية الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) في إيطاليا

28 مارس آذار 2011

الأحد، 20 مارس 2011

الثورة في إيران، دروس الماضي تخيم على الحاضر

أيوب ايوب
ayoub.ayoub83@yahoo.fr
الحوار المتمدن - العدد: 2688 - 2009 / 6 / 25

لا يمكن للبروليتاريا الإيرانية أن تحقق أي تقدم في الانتفاضة الحالية التي تخوضها، بدون العودة إلى أهم دروس الموجة الثورية 1978-1979، بل يمكن اعتبار انتفاضة اليوم هي بشكل من الأشكال عملية ثأر تاريخية من الثورة المضادة التي قادها الخميني سنة1979 ، وكأنما التاريخ يمنح فرصة إضافية للجماهير المسحوقة لاستخلاص العبر وتجاوز الأخطاء القديمة. فالأعداء لا يزالون، برغم تغير الديكور والأسماء، هم أنفسهم الممسكون بآلة القمع. وكل ما ناضل ضده أجيال الفقراء في السبعينات لا يزال ماثلا، وإن بأسماء جديدة، فالاستغلال الطبقي لجمهور العمال قد تفاقم، وتوجيه كل منتجات عرقهم في النزعة العسكرية والتسلح باسم "محاربة الاستكبار"، والقمع وإرهاب الدولة من الباسيج إلى الحرس الثوري إلى المحاكم الإسلامية، كل ذلك يزداد حدة من يوم إلى آخر. فهل يقدر العمال على تجاوز الإعاقات التي منعتهم في السابق من الإجهاز على الدولة والنظام الرأسمالي؟
وما هي أخطاء الماضي، وكيف السبيل إلى تجاوزها؟

نزعة ضد-الإمبريالية خنجر في خاصرة البروليتاريا:

لقد مثلت انتفاضة البروليتاريا الإيرانية التي انطلقت بشكل حاسم منذ خريف 1978أهم وأعظم الانتفاضات العمالية التي شهدتها المنطقة، فلقد عمت موجة من المظاهرات والمصادمات أهم المدن الإيرانية، كذلك قام العمال بإنشاء تنظيماتهم الطبقية المتمثلة في مجالس الشورى في المصانع، وشل الإضراب العام كامل البلاد في أكتوبر 1978 بما جعل رئيس الحكومة شابور باختيار، وفي محاولة يائسة لإنقاذ النظام، يجبر الشاه على الهروب بشكل مذل، وإعلان استعداده إلى تنظيم انتخابات عامة والقيام بجملة من الإصلاحات على الدستور وقوانين الانتخاب والصحافة والسماح بتشكل الأحزاب. لكن البروليتاريا لم تبلع الطعم الديمقراطي وواصلت احتجاجاتها التي بدأت تأخذ شيئا فشيئا طابعا مسلحا انتفاضيا عنيفا، وبدا أن الحلول التقليدية لامتصاص الغضب الجماهيري المستعر لم تعد تنفع، ولم تقدر أحزاب المعارضة التقليدية بيمينها ويسارها على استيعاب الحركة، فلقد كان الحريق الثوري قد وصل إلى درجة غير قابلة للمصالحة مع نظام اجتماعي أثبت لا إنسانيته ومعاداته للعمال، وهو ما جعل هؤلاء يندفعون نحو السجون التي تم اقتحامها وخلع أبوابها وطرد الحراس الذين انضم جزء كبير منهم إلى صفوف المحتجين وتم تحرير كل السجناء، كذلك هاجمت الجماهير مراكز البوليس السري (السافاك) والثكنات العسكرية وأقامت تآخيا لا مثيل له مع الجنود بما جعل تلك الآلة الأسطورية لخامس جيش في العالم تتهاوى كقصر من الرمل، وقام المنتفضون بالاستيلاء على مخازن الغذاء والملابس وتم توزيعها على الجماهير، والأهم من كل ذلك قيام البروليتاريا بكل فئاتها (عمال، طلبة، بطالين...) بتشكيل ميليشيات مسلحة في أغلب مناطق البلاد، وتم توزيع الأراضي على الفلاحين الفقراء. فلم يكن كل يوم يمر إلا وتسجل فيه الجماهير المسحوقة خطوة جديدة في اتجاه القضاء على النظام الرأسمالي القائم.
هكذا نرى كيف أن الثورة الاجتماعية كانت بالفعل في طريقها لتدمير دولة الشاه، وما كان من الممكن إيقافها بالوسائل التقليدية (قمع، نشر الأوهام الديمقراطية، تغيير بعض وجوه الحكومة...) لكل ذلك فإن الثورة المضادة لم يكن لها أن تشق طريقها بدون أن تلبس لبوس الثورة نفسها وبدون أن تتخفى بشعارات الثورة وتحاول التغلغل في المنظمات التي كانت قد أنتجتها البروليتاريا الثائرة. ولقد عملت هذه الثورة المضادة كل جهدها من أجل زرع الأوهام في صفوف الجماهير المنتفضة محاولة حرف الصراع الطبقي عن أهدافه الحقيقية وتحويله وجهة الصراعات بين الكتل البورجوازية في الداخل وبينها وبين أقطاب رأس المال العالمي التي كانت تتوحد من جهة ضد البروليتاريا وتتصارع من جهة أخرى من أجل ضمان ترجيح كفة أحد حلفائها في الداخل.
ولعل أخطر الأسلحة وأمضاها بيد الثورة المضادة كانت إيديولوجيا الأنتي- إمبريالية. فبينما كان يمين الثورة المضادة بقيادة الخميني يرفع شعار "الحرب ضد الاستكبار العالمي"، وكان الخميني نفسه يدعو إلى وحدة المعارضة، وأن "كل دخول في تفاصيل الخلافات من شأنه أن يضعف المعارضة"، فإن يسار الثورة المضادة كان هو أيضا يبث الأوهام حول الجبهة التقدمية ضد الإمبريالية الأمريكية وحليفها نظام الشاه، لا بل أن أحزابا "شيوعية" مثل حزب تودة قد أعلن مساندته لحكومة الخميني والدخول معها في الجبهة ضد التدخل الأمريكي. ولقد شكلت الحادثة الاستعراضية التي قام بها أنصار الخميني باقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز بعض الرهائن فيها، حيلة خبيثة من أجل حرف الأنظار وجر العمال وراء مشاريعهم الرجعية المعادية للثورة التي يتكلمون زورا باسمها. أحزاب اليسار كانت تجاهد من أجل إقناع العمال الثائرين بأنه عليهم أن لا يفجروا الصراع ضد الرجعية الدينية طالما لا تزال تقف في صف ضد الإمبريالية. وهذا ما أضفى الشرعية الضرورية لمثل هذه الجبهات البورجوازية المعادية للثورة.
لقد عملت إيديولوجيا الأنتي- إمبريالية دورا حاسما في تدجين البروليتاريا وراء أولائك الذين سوف يقودون مجزرة الثورة المضادة ودفع العمال في محرقة الحرب البورجوازية (الحرب العراقية الإيرانية) التي كان إعلانها بمثابة إعلان عن الهزيمة الأخيرة للثورة، وما كان لهذه الإيديولوجيات أن تتغلغل في صفوف الثورة لولا مساهمة الأحزاب والتيارات اليسارية داخل وخارج إيران وتزكيتها للجبهة ضد الإمبريالية.
هذه الإيديولوجية مازالت إلى يومنا هذا سلاحا فتاكا بيد البورجوازية في مواجهة الانتفاضات العمالية، وان الأحزاب والأطراف الماركسية اللينينية والماوية والتروتسكية التي لا تزال ترفع هذه اليافطة المضللة تثبت تناقضها مع البرنامج التاريخي للبروليتاريا. وتجربة ثورة 1978-1979 في إيران دليل تاريخي على هذا الدور المضاد للثورة الذي ما انفكت تقوم به هذه الأحزاب حتى وإن توشحت بالشيوعية والعمالية.
إن البروليتاريا الإيرانية المنتفضة اليوم لا يمكن لها أن تنتصر بدون الحسم مع إيديولوجيا الأنتي-إمبريالية التي عاش على تغذيتها نظام الملالي نفسه، كذلك بدون الحسم مع كل أنواع الجبهات: الجبهة ضد الديكتاتورية، الجبهة ضد الفاشية، الجبهة ضد الرجعية الدينية، الجبهة من أجل الحد الأدنى الديمقراطي...الخ فالبروليتاريا ليس لها من جبهة سوى وحدتها الطبقية المستقلة عن كل البرامج البورجوازية مهما كانت راديكاليتها. وإن الإيديولوجية الجبهوية لا تعني سوى التخلي عن البرنامج التاريخي المستقل للبروليتاريا.
إن الأسوأ بالنسبة للبروليتاريا في مواجهة قطبين رجعيين هو الاصطفاف وراء أحدهما.

عندما يسلم العمال أسلحتهم:

إن قوة الثورة الإيرانية 1978-1979 لم تقف عند حد المظاهرات والمصادمات وتشكيل المجالس العمالية (مجالس الشورى) بل تجاوزتها نحو خلق ميليشيات ثورية مسلحة تشكلت أساسا من العمال والجنود الذين اصطفوا إلى جانب الثورة ومن الطلبة والبطالين، كذلك من الفلاحين الفقراء الذين بدؤوا بالانضمام بكثافة إلى إخوانهم المنتفضين في المدن. ولقد مثلت عمليات مداهمة مراكز البوليس والثكنات العسكرية وإفتكاك الأسلحة (الخفيفة منها خاصة) وتوزيعها بكثافة على عموم الجماهير الثائرة، إضافة لمحاصرة فلول النظام التي كانت تحاول إعادة التجمع حول عناصرها الأكثر ثقة، ومنع إعادة تنظيم قوات القمع التي تفسخت تحت ضربات الثوار والانسحابات الجماعية المكثفة، فإنها كانت تقطع الطريق أمام الثورة المضادة وكل محاولات التأطير البورجوازي، وتخلق حالة من الانفلات يصعب لجمها والالتفاف عليها بالوسائل التقليدية، وهذا ما أفزع ليس البورجوازية المحلية بكل فصائلها السياسية فقط، بل كل النظام الرأسمالي العالمي، بما دفع دولا مثل فرنسا وبريطانيا (معاقل العلمانية واللائكية) إلى احتضان الخميني (الزعيم الديني المتشدد) والضغط على رئيس الوزراء شابور باختيار من أجل السماح له بالعودة إلى إيران في مشهد استعراضي، صورها كعودة المنقذ وقائد الثورة، وإضفاء حالة من القداسة على موكبه، مستعملة في ذلك أحدث تقنيات الدعاية.
وفور عودته، عين الخميني مهدي باذرخان مؤقتا رئيسا للوزراء بدل شابور باختيار، وكان يسمي الحكومة التي عينها "حكومة الله" وقال "بما أنني عينته، فيجب أن يطاع" و" كل عصيان عليها، هو عصيان الله" وقام بتشكيل ميليشيات مسلحة تحت إسم "الحرس الثوري" قامت بمهاجمة الميليشيات الثورية التي أنشأها العمال، وأعلن الخميني الجهاد على الجنود الذين لم يسلموا أسلحتهم. ومنذ تلك اللحظة بدأت حملة التصفية الدموية للبروليتاريا المسلحة. كل هذا طبعا لم يمنع أحزابا يسارية عديدة في الداخل (مثل حزب تودة) من التحالف مع الحكومة الجديدة، كما لم يمنع عديد الأحزاب والأطراف والشخصيات اليسارية في الخارج من مباركة "الثورة الإسلامية"، وابتداع مقولات من نوع "الإسلام الثوري" أو "الإسلام التقدمي" من أجل حشد مساندة البروليتاريا العالمية، لا مع إخوانهم من البروليتاريا الإيرانية المنتفضة، بل مع جزاريهم. لذلك فإن ما يصطلح على تسميته اليوم، في الأوساط اليسارية، بالثورة الإيرانية 1979 هي في الواقع الثورة المضادة التي قادها الخميني بتزكية يسارية، بينما نتحدث نحن عنه هنا هي الموجة الثورية التي بدأت في الواقع منذ نهاية 1977 ووصلت ذروتها في أواخر 1978 وشهدت هزيمتها بداية من 1979 وانتهت بجر البروليتاريا الإيرانية إلى الحرب العراقية الإيرانية 1980 التي راح خلالها أكثر من مليون من البروليتاريا من الطرفين.
صحيح أن البروليتاريا الإيرانية لم تذعن بسهولة للثورة المضادة إلى حدود 1980 وقاومت كل الذين حاولوا نزع أسلحتها. لكن للأسف فإن قطاعات كبيرة من العمال وتحت تأثير إيديولوجيا الأنتي-إمبريالية والجبهوية، كانت قد سلمت نفسها لمنظمات الحرس الثوري، لتتحول هي نفسها إلى مشاركة في المجزرة العظيمة ضد العمال وتنقاد كالقطيع وراء جزاريها في الحرب البورجوازية القذرة.
إن هذا الدرس التاريخي المهم، والذي دفع العمال من أجله آلافا من الشهداء والمعتقلين والمشردين والمغربين، يلقي بظلاله على الانتفاضة الحالية، حيث بدأت بعض المجموعات البروليتارية المسلحة بالظهور، وبدأ العمال يواجهون إرهاب الدولة بإرهابهم الثوري. الدرس له وجهان، الأول أن البروليتاريا عندما تسلم أسلحتها لأي كان، حتى وإن كان باسم الثورة (الحرس الثوري) إنما هي تقدم بذلك عنقها لسكين الثورة المضادة. والثاني هو أن استعمال الأسلحة في حد ذاته ليس تعبيرا عن ثورية الحركة، وأن السلاح إذا لم يرتبط ببرنامج ثوري فإنه يقود البروليتاريا حتما إلى الحرب ما بين البورجوازيات، وهذا يعني تصفية ثورتها وتصفيتها كطبقة.
على عكس دعاة المسيرات السلمية والمرخص فيها، أولائك الذين يريدون للعمال أن يصطفوا مكتوفي الأيدي أمام آلة إرهاب الدولة، والقبول بدور الضحية، أولائك الذين يساهمون بوعي أو بغير وعي في تجريد البروليتاريا من أسلحتها وتجريم كل من يرفع بندقيته في وجه جلاده، على عكس دعاة الثورات المخملية، أو ما يسمى بالعصيان المدني، أولائك الذي يحاولون إقناع البروليتاريا بإمكانية التخلص من بؤسهم عن طريق التجمعات المليونية ضد هذه الحكومة أو تلك، أو من أجل فرض استقالة هذا السفاح أو ذاك. على عكس كل هؤلاء فإنه على البروليتاريا أن تشهر حقدها الطبقي بكل ما يتاح لها من وسائل العنف. وعليها أن تنوع من أشكال نضالها بحيث تستغل نقاط ضعف عدوها وتتجنب نقاط قوته. فمسيرة من العزل مهما كانت ضخامتها هي عرضة للقمع الوحشي ولسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى ويسهل السيطرة عليها من طرف البوليس أو الجيش، بينما المواجهة في مجموعات صغيرة سريعة الحركة يمكن أن يلحق أكثر الأذى بقوات القمع ويقلل من الخسائر في صفوف البروليتاريا المنتفضة. وإن مهاجمة مركز بوليس أو ثكنة عسكرية أو مخزن أغذية وملابس هو أكثر جدوى من التحلق الأبله أمام مبنى البرلمان منتظرين رصاصة طائشة تثقب الرأس. لكن في مقابل ذلك وجب التنبيه إلى أن استعمال أكثر الوسائل عنفية لا يعني الثورة، وان البندقية ليست دليلا على الثورية، فالسؤال الذي يجب أن تطرحه البروليتاريا على نفسها في كل محطة من محطات انتفاضتها: إلى أين نسير؟ ماهو مضمون حركتنا؟ ما هو برنامجنا؟

في غياب البرنامج الثوري، الهزيمة في الأفق:

إن الثورة ليست مسألة أشكال، أو شعارات وخطابات، بل هي موضوع ممارسة فعلية في الواقع. والسؤال الذي يطرح من أجل نجاح الثورة ليس تدبيج البرامج الشكلية "الثورية"، بل هو، هل تتحول الانتفاضة إلى حركة شاملة موحدة ومتضامنة تهدد النظام الاجتماعي القائم؟ هل باشرت البروليتاريا فعليا في الاستيلاء على الملكية الخاصة وتحويلها إلى ملكية جماعية، بإدارة جماعية؟ هل باشرت بالقضاء على العمل المأجور وتعويضه بالنشاط الجماعي الإنساني الحر؟ هل باشرت في تشكيل تنظيماتها الطبقية المستقلة؟ هل باشرت بتنظيم إرهابها الثوري في مواجهة إرهاب الدولة البورجوازية؟ هل باشرت بتلبية حاجاتها الإنسانية في مواجهة قانون القيمة والتبادل والمردودية الاقتصادية؟ هل باشرت بتوجيه الإنتاج وجهة تلبية حاجات تطور الثورة وتوسعها؟ هل دمرت السجون والمعتقلات والمحاكم وكل أجهزة القمع؟ هل دمرت كنائس رأس المال من مصارف وبنوك وبورصات، وهل قامت بإحراق الصنم الاجتماعي الأكبر: النقد؟ فالثورة إذا، هي مجموعة مهام تاريخية واقعية، إما أن تكون البروليتاريا قد خطت خطوة في اتجاه إنجازها، وهذا سيعني أن الثورة تتقدم، وإما أن البروليتاريا تعجز عن أداء ذلك، وهذا سيعني توقف الثورة وفسح المجال للثورة المضادة لتجر العمال وراء برامجها: العفو التشريعي العام (بدل تحطيم السجون)، تنظيم انتخابات ديمقراطية (بدل هدم البرلمان على رؤوس تلك الطفيليات البيروقراطية)، تنقيح الدستور (بدل إلغائه نهائيا والى الأبد)، تغيير الحكومة (بدل تدمير الدولة البورجوازية برمتها)، تأميم الشركات والقطاعات الاقتصادية الكبيرة (بدل إلغاء الملكية الخاصة بما فيها تلك المتنكرة بعباءة الدولة)، الرفع في الأجور (بدل إلغاء العمل المأجور نفسه)، سن قانون ضريبي تصاعدي (بدل إلغاء الضرائب)، إلى غير ذلك من الإصلاحات البورجوازية التي تزداد راديكاليتها براديكالية الثورة التي تواجهها، وقد تقدم البورجوازية على تنازلات انتحارية مؤقتة من أجل إيقاف الثورة لتتراجع عنها بمجرد إحكام القبضة على البروليتاريا وتجميد حركتها الطبقية المستقلة.
إذا، فإن الثورة هي موضوع قدرة البروليتاريا على السير في طريق تحقيق برنامجها التاريخي الثوري، وهذا يستوجب من العمال استخلاص الدروس التاريخية من تجاربهم السابقة وعدم السقوط في المزالق والأخطاء المدمرة التي سقطوا فيها سابقا. فعدم تملك البروليتاريا لبرنامجها التاريخي سوف لن يعني سوى الهزيمة المحققة. والبروليتاريا الإيرانية اليوم، وبالنظر إلى وضعها الذاتي، وبالنظر أيضا لواقع التوازن الطبقي على المستوى العالمي، فإنه يبدو للأسف أنها دخلت المعركة وهي لا تحمل أدنى فكرة عن طبيعة برنامجها، ولا يبدو أنها قادرة مؤقتا على التحرك من خارج الأرض البرنامجية لأعدائها. إضافة لضعف التضامن الأممي بين العمال، بحيث أن معركة تندلع في هذا القطر أو ذاك، في هذه الجهة أو تلك مازالت للأسف لا تجد التجاوب الكافي من بقية القطاعات العمالية، بما يسمح للبورجوازية العالمية بمحاصرتها والتعتيم على حقيقة حركتها وأهدافها، ففي الجرائد كما في القنوات التلفزية دائما هناك صراع وهمي للتسويق: بين الإصلاحيين والمتشددين، بين الجمهوريين والفاشيين، بين الديمقراطيين والإسلاميين، بحيث أننا، إذا ما صدقنا ما تقوله آلة الدعاية البورجوازية، فليس هناك صراع طبقي أبدا، وليس هناك حرب طبقية بين فقراء وأغنياء، بين مستغلين ومستغلين. لكن هل أن عدم جاهزية البروليتاريا للمعركة الفاصلة، وعدم توفر الوضع الموضوعي الملائم للانتصار، يعني أنه على العمال أن لا يدخلوا المعركة، أو أن يصطفوا وراء الإصلاحات البورجوازية؟ طبعا لا، فتملك البروليتاريا لبرنامجها التاريخي ليس موضوع "نقل الوعي" من طرف "الأنتلجنسيا الثورية" إلى العمال، كما أنه ليس مثلما يروج الماركسيون المذهبيون والإيديولوجيون بشتى مشاربهم، أن الثورة لا تنتصر إلا بعد اكتمال الوعي بها من طرف كل أفراد طبقة البروليتاريا. فالبرنامج الثوري ليس موضوعا مدرسيا يمكن لأي كان حفظه أو تلقينه للآخرين، بل هو مراكمة تاريخية لا تمثل الثورات والثورات المضادة المتعاقبة، كذلك المعارك الجزئية، وحتى تلك اليائسة منها، سوى حلقة من حلقاته وسطر من سطوره الدامية.

خاتمة، أو حزب "شيوعي" آخر في ركاب الثورة المضادة:

لا يمكن أن نختم نصنا هذا بدون قول كلمة فيما يدبجه الحزب "الشيوعي" العمالي الإيراني بمناسبة الانتفاضة الحالية، وهو في الواقع تجسيد لما ذكرناه من قدرة الثورة المضادة على التنكر في أكثر الشعارات بريقا.
لننظر لآخر البيانات التي أصدرها هذا الحزب:
قام حميد تقوائي ليدر الحزب الشيوعي العمالي الايراني، اليوم ، بمكاتبة رؤساء الدول والامين العام للامم المتحدة نيابة عن جماهير ايران طالبا من جميع الحكومات "القطع الفوري للعلاقات السياسية مع الجمهورية الاسلامية في ايران، وغلق جميع سفاراتها وقنصلياتها وضمان طردها من الامم المتحدة وبقية المنظمات العالمية".

واستمرت رسالته بالقول:" ان الاحداث الاخيرة في ايران تصرح بكل وضوح بان الحكومة الاسلامية ليس لها مطلقا اية شرعية. انها لا تمثل الجماهير في ايران باي شكل من الاشكال. في هذا المنعطف الحرج من الاوضاع السياسية في ايران، ندعوكم الى التوقف عن منح الشرعية والدعم للنظام. ان نهاية النظام الاسلامي ستساعد على قصم ظهر حركة الاسلام السياسي على صعيد عالمي وانبثاق فجر جديد للجماهير في ايران والعالم".

الحزب الشيوعي العمالي الايراني

هكذا، فإن الزعيم الشيوعي العمالي حميد تقوائي، وبدل أن يتوجه للبروليتاريا العالمية ودعوتها لمؤازرة انتفاضة إخوانهم في إيران، وجد بدل ذلك أنه من الأنفع التوجه بالخطاب لمن؟ لرؤساء الدول والأمين العام للأمم المتحدة. ولماذا؟ ليس من أجل فضح تآمرهم، هم ايضا، على العمال الإيرانيين، كما ليس من أجل تبيان أنهم يقمعون "شعوبهم" بمثل ما تفعل الحكومة "الإسلامية"، بل من أجل دعوتهم "لقطع العلاقات السياسية مع الجمهورية الإسلامية". وما الهدف من ذلك؟ إنه ليس التخلص من النظام الرأسمالي بل من أجل "قصم ظهر حركة الإسلام السياسي" وهذا ما من شأنه أن يساعد على "انبثاق فجر جديد للجماهير في إيران وفي العالم" برعاية بانكيمون وأوباما وبقية "رؤساء الدول" الديمقراطيين.
ونقدم للقارئ المطالب التي يرفعها هذا الحزب بمناسبة هذه الانتفاضة، باعتبارها نموذجا لما تحدثنا عنه من المطالب (أو الإجراءات) الإصلاحية التي من شأنها بالفعل قطع الطريق أمام أي إمكانية لانفلات ثوري حقيقي:
- اطلاق سراح جميع السجناء السياسيين
(بدل النضال من أجل تحطيم السجون وتحرير كل إخواننا بمن فيهم ما يسمون بسجناء الحق العام)
2- تحديد المسؤولين عن قتل الجماهير والمتنفذين ومحاكمتهم بشكل علني
(بدل تحطيم المحاكم البورجوازية)
3- الغاء حكم الأعدام
(بدل إلغاء كل القوانين البورجوازية التي لا تعدو أن تكون سور تعبير حقوقي عن واقع القهر الطبقي الموجه ضد العمال)
4- الغاء الحجاب الأجباري والفصل على اساس الجنس (الجندري)
(بدل النضال من أجل تحرير المرأة ورفيقها الرجل من ربقة العمل المأجور)
5- حرية التعبير غير المشروطة والمقيدة وحرية التنظيم والأضراب والتظاهر
(بدل فرض التعبير والتنظيم والإضراب وكل أشكال النضال البروليتاري بالقوة)
6- تحديد الحد الأدنى للأجرة بمليون تومان
(بدل النضال ضد الملكية الخاصة والعمل المأجور)
إن تقديمنا لهذه العينة من المطالب التي يطرحها حزب يسمي نفسه شيوعيا، ومقابلتها بالبرنامج التاريخي للبروليتاريا يبين بكل وضوح الافتراق البرنامجي بين مثل هذه الأحزاب وبين حركة البروليتاريا، كما يبين أن خطر الثورة المضادة لا يكمن في الخارج، بل إن خطرها مبثوث في صفوف العمال، أو ممن يتكلمون باسمهم. وإذا ما أرادت البروليتاريا الإيرانية الانتصار فعليها أن لا تكتفي بالحسم في أعدائها الظاهرين، بل ايضا في الإصلاحية المتخفية بلباس الشيوعية والثورية.

ثورة أكتوبر بين الأوهام الإيديولوجية والحقيقة التاريخية - الجزء الأخير

أيوب أيوب
ayoub.ayoub83@yahoo.fr
الحوار المتمدن - العدد: 2447 - 2008 / 10 / 27

4 ) في الثورة البورجوازية:
إذا أخذنا مصطلح "الثورة" بمعناه الدقيق، أي تدمير علاقات الإنتاج السابقة وكل أجهزة الدولة التي تحافظ عليها. كذلك تدمير الطبقة السائدة فيزيائيا، أو من خلال تجريدها من وسائل الإنتاج، وإقامة علاقات إنتاج جديدة وأجهزة سيطرة طبقية جديدة وبالتالي حمل طبقة جديدة لموقع السيطرة. إذا أخذنا "الثورة" على هذا المحمل، فإن البورجوازية كطبقة لم ولن تقوم بمثل هذه الثورة، وبالتالي فإن الثورة البورجوازية، بهذا المعنى، ليست سوى أسطورة من أساطير الإشتراكية الديمقراطية (والبورجوازية نفسها). أما إذا أخذنا مصطلح "الثورة" بمعنى التغيير على المستوى السياسي للفصيل الطبقي (من داخل الطبقة السائدة) الذي يمسك بدفة القيادة الطبقية، فإن الثورة، بهذا المعنى، مسألة حيوية لرأس المال، يقوم من خلالها بتجديد نفسه، بعمليات الإصلاح والإصلاح الذاتي، بمواجهة أزماته، وخاصة بقطع الطريق أمام خطر الإنفلات الثوري للبروليتاريا.
في علاقة بالطبقة الإقطاعية القديمة (النبلاء، الأسياد، الإقطاعيين..) والفصيل الطبقي الحاكم (إمبراطورية، قيصرية..) فإن البورجوازية، وبعد تحولها الى طبقة مسيطرة إقتصاديا من خلال نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يتعملق بسرعة داخل إطار علاقات الإنتاج الماقبل رأسمالية وضدها، فإنها (البورجوازية) كانت تميل في الغالب الى عقد صفقات سياسية لتجنب المواجهة العنيفة، وفي أكثر الأحيان عادة ما يتحول الملاك العقاريون، وأبناء الإقطاعيين وغيرهم من ممثلي الطبقة السائدة السابقة الى بورجوازية هم أنفسهم. ويكون ذلك في غياب حركة البروليتاريا وخوفا منها. أما عندما يندلع الصراع الطبقي بنهوض الطبقات المسحوقة (البروليتاريا، فلاحين فقراء، بورجوازية صغيرة...) وتصل هذه الحركة الى حدود تهديد النظام الإجتماعي برمته، فإن البورجوازية سريعا ما تفرز جناحها الراديكالي الذي يقفز الى مقدمة هذه الحركة وينتزع قيادتها (طبعا هذا الإنتزاع مرتبط بضعف البروليتاريا نفسها). وعادة ما يقف ذلك الفصيل البورجوازي في منتصف الطريق، كتعبير عن عجز البروليتاريا عن التقدم، وفي اللحظة التي يجد فيها أنه قد إستوعب هذه الحركة لصالحه، فإنه سريعا ما يغرق البروليتاريا في الدم، في المقابل فإنه عادة ما يعقد صفقات مع النظام القديم. من هنا يتضح أن البورجوازية، وعلى عكس الرؤية التمجيدية للإشتراكية الديمقراطية، ليست ثورية في مرحلة ورجعية في أخرى، إنما هي وحدة تناقضية بين الثورية والمحافظة، بين التقدمية والرجعية ( هذا إذا نزعنا عن هذه المصطلحات الطابع الأخلاقوي/الإنسانوي المبتذل).
لأن البورجوازية، ككل الطبقات السائدة السابقة، تقوم بثورتها من أجل تأمين مصالح لا تخص سواها من الطبقات، بل إنها ذات مصلحة مناقضة لبقية مصالح الطبقات التي تشاركها الثورة، فإنها في الواقع لا تقوم بثورة، وما يمكن تسميته بثورة بورجوازية هو تحول مجزوء ومشوه، عادة ما تنهيه البورجوازية بمجزرة ضد الجمهور الذي كانت قد دفعته كوقود لثورتها.
البورجوازية (بالرغم من الشعارات الفضفاضة حول الأخوة والمساواة والعدالة) لا تقوم بالثورة ضد الإستغلال، لأنها منذ توجد فهي طبقة مستغلة، ولا ضد مالكي وسائل الإنتاج، لأنها تملك وسائل الإنتاج، ولا ضد البؤس، لأنها تملك الثروة. إنها، وحتى داخل المجتمع الإقطاعي، طبقة مستغلة وثرية، كل ذلك لا يؤهلها أن تكون طبقة ثورية إلا في حدود ضيقة وفي ظروف تاريخية خاصة.
في الواقع وإذا ما أخذنا مصطلح "الثورة" لا بمفهومه المتداول المبتذل، بل بمفهومه الدقيق، أي رفض كلية النظام السائد وتحطيم كل أجهزة دولته وإنهاء كل إمتياز مهما كان، فإن الطبقة الإجتماعية الوحيدة التي يمكن أن نطلق عليها صفة الثورية إنما هي البروليتاريا.
إذا فإن كل الأسطورة التي تقوم عليها الإشتراكية الديمقراطية (الثورة البورجوازية الصافية المكتملة) سواء جعلتها مهمة البورجوازية نفسها، أو وهبتها لتحالف طبقي، أو كأحد ملاحق الثورة الإشتراكية، ليست سوى تزيين لتلك الثورة المشوهة والمبتورة. وهذا يتلاءم مع دورها التاريخي المتمثل في بتر الثورات البروليتارية وتشويهها وتحويلها من هدم الطبقية والطبقات الى إنتاج إمتيازات جديدة وإعادة إنتاج الإستغلال الأكثر شراسة بإسم العمال والعمالية.
5 ) في الثورة الإشتراكية:
الإشتراكية الديمقراطية (والبورجوازية نفسها) تعتقد أنه يكفي أن تملك رأس المال بين أيديها، فإنها ستصبح قادرة على توجيهه كيفما شاءت، وتصل الى حد التوهم بإمكانية صياغة مخططات إستراتيجية للإنتاج، والحديث عن تنظيم التوزيع، وعن قدرتها على إلغاء كل فضاعات الرأسمالية فقط بإمتلاكها للدولة، وإمتلاك الدولة لوسائل الإنتاج ومركزة كل النشاط الإقتصادي في يد حكومة مركزية أو لجنة مركزية للحزب (من المستحسن أن يكون إسمه شيوعي). لذلك فإن الثورة الإشتراكية يمكن تلخيصها في إستيلاء الحزب العمالي على الدولة (هناك من يقول أن هذا الإستيلاء يكون غبر الإنتخابات، وهناك من يقول بالتغيير الثوري العنيف) ولأن هذا الحزب العمالي ذو مذهب ماركسي، فإنه سيطبق النموذج الإشتراكي في توزيع الثروات وسيلغي الإستغلال ويصدر كل الأوامر والقرارات التي تقضي على الظلم وتقيم جنة الله على الأرض.
إذا فإن كل الشرور تكمن في ذلك الحزب البورجوازي (اليميني) الممسك بالسلطة، وأنه يكفي أن نسقط هذا ويصعد ذاك حتى تنتهي كل آلام الطبقة العاملة ومآسيها بتطبيق "النموذج الإقتصادي الشيوعي" الذي صاغه أباطرة الماركسية من مبدعي الإشتراكية العلمية التي لا يرقى ليقينها شك ولا إختلاف.
هذا هو لب التفكير الذي كان يقود الإشتراكية الديمقراطية الروسية في1917 حيث، وبينما كانوا يعلنون سيطرتهم أخيرا على قوى الإنتاج وتوجيه رأس المال بإتجاه الإشتراكية، كان رأس المال، مثل مخرج مسرحية متخفي وراء ستار الأحداث الدامية، يقهقه ملئ شدقيه، ويحول هؤلاء الشيوعيين الى أعوان له، الى مجددين لدمائه، لحماة لعرينه من الهبة الجهنمية للبروليتاريا.
إذا وإجابة على سؤال: هل أن "الثورة الروسية" كانت ثورة إشتراكية؟ فإننا، وإذا ما تناولنا السؤال بطريقة: هل أنجزت البروليتاريا في هذه الثورة ديكتاتوريتها، وهل بنت الإشتراكية؟ فإن الإجابة بكل وضوح: لا، لقد فشلت البروليتاريا في أجرئ تجربة تاريخية بعد كومونة باريس في إنجاز مهمتها التاريخية في التخلص من النظام الرأسمالي، وفي إقامة ديكتاتوريتها،وذلك يرجع لعديد الأسباب لعل من أهمها عدم قدرة طليعة البروليتاريا على إحداث قطيعة جذرية فعلية مع الإشتراكية الديمقراطية، أي عدم قدرة البروليتاريا على تحطيم آخر قلاع النظام الرأسمالي وتصفية آخر حماته. أما إذا طرحنا السؤال بطريقة: هل أن الموجة الثورية 1917- 1923كانت إنتفاضة بروليتارية ذات طابع عالمي؟ فالإجابة هي ولا شك: نعم، لقد شكلت هذه الموجة أهم محاولة لإقامة ديكتاتورية البروليتاريا. وإذا كان الدرس التاريخي لكومونة باريس هو مثلما يقول إنجلس "ضرورة تدمير الدولة البورجوازية وعدم الإكتفاء بالإستيلاء عليها" فإن الدرس التاريخي للموجة الثورية 1917_ 1923يتمثل في أن التدمير الفعلي للدولة البورجوازية هو في القضاء على العمل المأجور، أي النفي الذاتي للبروليتاريا وبالتالي نفي الطبقية والطبقات وبناء المجتمع الشيوعي. كل خطوة في غير إتجاه تدمير التبادل والمنافسة الرأسمالية، كل خطوة في غير إتجاه إرساء ديكتاتورية الحاجات الإنسانية على ديكتاتورية القيمة والمردودية والربح، سوف لن تفعل سوى إعادة الدولة تحت مسميات جديدة وشعارات براقة، الدولة بثوب الإشتراكية الديمقراطية

ثورة أكتوبر بين الأوهام الإيديولوجية والحقيقة التاريخية - الجزء الرابع

أيوب أيوب
ayoub.ayoub83@yahoo.fr
الحوار المتمدن - العدد: 2446 - 2008 / 10 / 26

3 ) مرة أخرى حول طبيعة الثورة "الروسية":
حاولنا أن نرصد في الأجزاء السابقة جملة المواقف والنقاشات حول طبيعة الثورة "الروسية" التي دارت في أوساط الثوريين قبل إنتفاضة 1917، وسنحاول رصد المواقف والنقاشات الدائرة حول طبيعة هذه الثورة بعد إنجازها، وفي هذا نستطيع أن نلخص هذه المواقف الى الفروع الرئيسية التالية:
- الموقف الستاليني الذي يعتبر أن الثورة كانت ثورة إشتراكية وأن الحقبة اللينينية والستالينية كانت حقبة البناء الإشتراكي وذلك الى حدود المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الذي إنقلب على الثورة وإتجه صوب إعادة بناء الرأسمالية. هذا الموقف يعتمد على مقولة بناء الإشتراكية في بلد واحد، وهي في الحقيقة مقولة لينينية وإن كانت قد أصبحت فجة ومفضوحة على يد ستالين. وهذه المقولة تعتمد على رؤية إشتراكية ديمقراطية ترى في رأس المال كظاهرة قطرية وترى في الإشتراكية كنظام وطني. فهي لا ترى لقانون القيمة كقانون عالمي، لذلك فإنها تجد إمكانية (إيديولوجية طبعا) في كسره على المستوى الوطني. كما أنها ترى في الإشتراكية تواصلا للرأسمالية ("رأسمالية الدولة" منظور لها حسب لينين كحلقة سلمية بين "الرأسمالية الخاصة" والإشتراكية) فهي ترى مثلا أنه يكفي تحويل الملكية القانونية لوسائل الإتناج من يد الرأسماليين المنفردين الى يد الدولة حتى يكون ذلك ضمانا لتوجيه رأس المال لصالح البروليتاريا، وذلك بما أن الدولة هي دولة "عمالية" بقيادة حزب "عمالي" حتى وإن حافظنا على بقية الأصناف الرأسمالية (القيمة، التبادل، النقد، العمل المأجور....) .
لا شك وأن الستالينية ليست سوى رأس المال وهو يحكم تحت يافطة الإيديولوجيا العمالية، الإشتراكية والشيوعية، ولا شك أنها أكثر التعبيرات سفورا عن إنتصار الثورة المضادة العالمية، وتحول البلاشفة الى متصرف جديد لرأس المال.
- الموقف التروتسكي الذي كان يرى في الدولة السوفياتية (تحت قيادة ستالين) كدولة إشتراكية على المستوى الإقتصادي مشوهة بيروقراطيا على المستوى السياسي، وأن المطروح هو ثورة ديمقراطية سياسية (أو بالأحرى إستبدال ستالين بتروتسكي) ليتطابق السياسي بالإقتصادي.
التروتسكية، ورغم خطابها الراديكالي، تمثل فرعا من فروع الإشتراكية الديمقراطية، تقاسمها الأهم: المماثلة بين الإشتراكية وعمليات التأميم الموسعة التي يندفع لها رأس المال في ظروف تاريخية محددة (إعتبار القطاع العام قطاعا إشتراكيا ومن هنا جاء شعار الدفاع عن القطاع العام والنضال ضد ما يسمى بالخوصصة) إعتبار أنه يمكن الحديث عن إقتصاد إشتراكي في ظل وجود الملكية الخاصة، النقد وسريان قانون القيمة (إعتبار الإقتصاد الروسي في عهد ستالين إقتصادا إشتراكيا)، تقديسها للأوهام الديمقراطية ولضرورة "دمقرطة" الإنتاج والحياة السياسية داخل الحزب وخارجه وهو ما دفعها للإنخراط في المعارضة البورجوازية الديمقراطية للستالينية.
لا شك وأن التروتسكية قد فقدت مبرر وجودها بعد ما يسمى بإنهيار الإتحاد السوفياتي، وتحولت الى خليط من اللينينية واليسارية الديمقراطية (الليبرالية في كثير من الأحيان) بل إن بعض فروعها قد إنخرط في الإنتخابات وتحول الى رقم سياسي في المعركة السياسية البورجوازية.
- الموقف المجالسي:
يتفق موقف المجالسيين (بانكوك، ماتيك، مجلة "إشتراكية أم بربرية"...) مع موقف المناشفة والإشتراكية الديمقراطية الألمانية من حيث إعتبار أن الثورة "الروسية" ثورة بورجوازية، ويعتبرون ببساطة الحزب البلشفي حزبا بورجوازي البرنامج، بلانكي الطريقة، ومعتبرين إنتفاضة1917مجرد إنقلاب مسلح بقيادة لينين وتروتسكي.
إن ضد-اللينينية وضد-الحزبية(1) الذان يقودان المجالسيين، إضافة لتقديسهم الأعمى لما يسمى ب"الديمقراطية العمالية"، "التسيير الذاتي"، دمقرطة الوحدات الإنتاجية المستقلة، جعلهم أولا يقفون موقفا عدميا من أهم تجربة بروليتارية على الإطلاق، بحيث ينفون مضمونها الثوري (بغض النظر عن وعي القائمين بها) وطابعها البروليتاري العالمي، ثانيا يخلطون بين سياسات البلاشفة وشعاراتهم وبين طبيعة الحركة ( الخلط بين ما يقوله الناس عن أنفسهم وبين حقيقتهم الفعلية)، فيكفي مثلا أن البلاشفة قد رفعوا شعار "السلم الديمقراطي" الذي لا يعدو أن يكون سوى شعار بورجوازي (السلم الإجتماعية هي الوجه الآخر للحرب الإمبريالية) لنحكم على الحركة أنها ذات طبيعة بورجوازية، فهم لا يفهمون أن ممارسة البشر لا تنطبق ميكانيكيا مع وعيهم، لا بل أنهم في الغالب مايمارسون ضد وعيهم بالذات، وإلا فإننا لن نستطيع تفسير أي ظاهرة تاريخية، كما أننا ننسف أي إمكانية للثورة في المستقبل بما أن كل حركة عرفتها وتعرفها البروليتاريا كانت وستكون تحت يافطات وشعارات لا تعكس بالضرورة طبيعة تلك الحركة (أ لم يقل ماركس أنه لو كان ظاهر الأشياء مطابق لباطنها لأنتفت ضرورة العلم).
صحيح أن المجالسيين محقون في نفي أي طابع إشتراكي للإقتصاد الروسي بعد إنتفاضة1917، وهم محقون في رفض أي إمكانية لبناء إشتراكية في بلد واحد أو مجموعة من البلدان، فقانون القيمة لا يمكن كسره إلا عالميا، كما أنهم محقون في رفض القول بوجود الإشتراكية مع وجود أصناف رأسمالية أخرى مثل النقد، التبادل، العمل المأجور. وبهذا المعنى فإنهم محقون في نفي تسمية الموجة الثورية1917-1923 ثورة إشتراكية. في المقابل فإنهم يخطئون في نفي الطابع البروليتاري الثوري لهذه الموجة. خطأهم ذاك ناتج عن كونهم يرون لحركة الطبقة العاملة كنموذج "مجالسي" ذهني، إيديولوجي، وهم بذلك يعدمون كل حركة عمالية لا تنسجم مع هذا النموذج. حركة الثورة، بالنسبة لهم، ليست حركة تناقضية، صراعية بين خط الثورة وخط الثورة المضادة، بل خط مستقيم، يتطابق فيه الشعار مع الممارسة، ووعي الناس مع حركتهم الفعلية.
هناك مواقف وسطية مثل موقف اليسار الشيوعي المسمى "إيطالي" وخاصة موقف بورديغا، كذلك مواقف العديد من المجموعات الشيوعية الأخرى مثل التيار الشيوعي الأممي
CCI ومجلة "BILAN" وغيرهم ممن يتأرجحون بين موقف التصفية وموقف التضخيم. وهذا وضع طبيعي بإعتبار وأن أخذ موقف محدد من موضوع "الثورة الروسية" ليس مسألةدراسة تاريخية أو تجميع معطيات دقيقة فقط، بل هو بالأساس مسألة منهجية وافتراق بين المنهج الجدلي التاريخي (أي الممارسة الإجتماعية للبروليتاريا) والمنهج الستاتيكي البورجوازي والبورجوازي الصغير.
سنحاول في الجزء القادم والأخير استخلاص الدرس الذي نراه الأهم في ثورة أكتوبر من خلال رسم الخط الفاصل بين ما يسمى بالثورة "البورجوازية" والثورة الإشتراكية.
( 1) اللينينية وضد-اللينينية (أيضا الحزبية وضد-الحزبية) هما وجهان لإيديولوجيا واحدة تنظر للتاريخ لا من زاوية الواقع الملموس بل من زاوية الأفكار الإيديولوجية لهذا المفكر أو ذاك، كما تنظر للثورة وكأنما هي مسألة أشكال، لا مسألة ممارسة تارخية حية.

ثورة أكتوبر بين الأوهام الإيديولوجية والحقيقة التاريخية - الجزء الثالث

أيوب أيوب
ayoub.ayoub83@yahoo.fr
الحوار المتمدن - العدد: 2444 - 2008 / 10 / 24

الحزب الإشتراكي الديمقراطي الروسي كان أحد فروع الأممية الثانية، بل يمكن اعتباره، خاصة بعد 1905، أحد أهم أحزابها بعد الحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني، وعلى عكس الأسطورة الستالينية فإن الحزب الإشتراكي الديمقراطي الروسي لم يقم بتلك القطيعة التاريخية الجذرية والنهائية مع هذه الأممية. ففي 1905وفي اطار سجاله مع بيير ستروفيه يقول لينين ردا على اتهام موجه له في علاقته برمزي الإشتراكية الديمقراطي الألمانية بيبل وكاوتسكي: "أين ومتى سميت "انتهازية" ثورية بيبل وكاوتسكي؟ متى وأين برزت اختلافات في وجهات النظر بيني من جهة وبين بيبل وكاوتسكي من جهة أخرى". وفي1907في مؤتمر شتوتغارد أكد لينين أن "الإشتراكية الديمقراطية الألمانية هي التي ساندت دائما وجهة النظر الثورية في الماركسية". وفي1913في مقال بجريدة البرافدا مخصص لرثاء أوغست بيبل يقول لينين: "لا أحد تمثل الملامح والمهام الخاصة بهذه المرحلة بطريقة حيويةكأوغوست بيبل... انه زعيم عمالي نموذجي، شارك في النضال الجماهيري للعبيد المأجورين من أجل نظام أفضل لمجتمع انساني".والى حدود4أفريل1914 كان لينين لايزال يمجد "المزايا الكبيرة للإشتراكية الديمقراطية" و"نظريتها الماركسية المصهورة في مجرى النضال" و"منظماتها الجماهيرية، جرائدها، نقاباتها، جمعياتها العامة...".وحتى عندما صدر خبر تصويت نواب هذا الحزب في البرلمان لصالح رصد الميزانية الخاصة بالحرب، فان لينين كان قد اعتبر ذلك تشويها ودعاية مغرضة ضد حزب الطبقة العاملة، وواصل تمسكه بضرورة عدم القطع مع الأممية الثانية بدعوى وحدة الحركة العمالية.
عندما أصدر لينين نصه المشهور "المرتد كاوتسكي..." واعلانه افلاس الأممية الثانية، فانه اضافة لكون قطاعات واسعة داخل البلاشفة (فرع البلاشفة في باريس مثلا) كانت قد انخرطت عمليا في الترويج للحرب الإمبريالية وتجنيد البروليتاريا تحت شعار "الدفاع عن الوطن"، "الدفاع عن الحضارة ضد البربرية الروسية-الألمانية" فانه عمليا لم يذهب في عملية قطع تنظيمي مع هذه الأممية، ولم يصدر دعوة واضحة للمجموعات اليسارية داخل الحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني (ليبنيخت، لوكسمبورغ) الى القطع مع هذا الحزب وتشكيل تنظيم جديد. نحن نعرف أن الأممية الثالثة لم يتم بناؤها الا بعد خمس سنوات من تلك القطيعة المزعومة (من أجل الدفاع عن الوطن الإشتراكي) وتغيير اسم الحزب لم يتم التفكير فيه الا في نيسان1917.
القطيعة مع الإشتراكية الديمقراطية الألمانية تمحورت أساسا حول الموقف من الحرب الإمبريالية، ولعل هناك ما يفسر السهولة النسبية التي استطاع بها الموقف اللينيني(1) أن يجد صدى واسعا في صفوف البلاشفة في روسيا، ذلك أن الإشتراكية الديمقراطية الروسية كانت تعتبر القيصرية نظاما همجيا في مقابل الحضارة الرأسمالية المتطورة في أوروبا( 2) وهذا ما جعل "الإنهزامية الثورية" من ناحية الجبهة الروسية تبدو منسجمة مع هذه الرؤية، وهذا أيضا ما يفسر موقف فرع البلاشفة في باريس المناقض لهذا الموقف اللينيني.
لينين لم يقطع مع البرنامج التاريخي للإشتراكية الديمقراطية. فقد بقي يعتبر الثورة "الروسية" ثورة بورجوازية ديمقراطية، وأن مهمة الثورة هي تطوير الرأسمالية واللحاق بالأمم المتقدمة. حتى في موضوعات نيسان حافظ لينين على جوهر هذا الموقف البرنامجي. صحيح أن قطاعا من البلاشفة قد قام بنشاط ثوري واسع طيلة الفترة الممتدة من فيفري الى أكتوبر، على رأس القطاعات البروليتارية الثورية وفي قطيعة وصراع مرير ضد الأغلبية البلشفية (أغلبية اللجنة المركزية للحزب كانت ضد الإنتفاضة المسلحة ومع انتظار انعقاد المجلس التأسيسي، ولينين كان قد راوح موقفه بين ما أسماه بسياسة اقناع العمال داخل السوفياتات لحيازة الأغلبية وبين الإنخراط في ما كانت الجماهير قد بدأت فيه عمليا، أي تدمير الدولة البورجوازية بقيادة كيرنسكي. زينوفيف الذي سيكون لاحقا رئيس الأممية الثالثة كان قد عمل كل تلك الفترة لإفشال الإنتفاضة المسلحة بل ووصل الى حد الوشاية العلنية برفاقه .... هذا لم يمنع بقاءه في اللجنة المركزية للحزب...؟.) هذا النشاط وعمليات الفرز داخل البلاشفة هي ما جعل الإنتفاضة تنجح، لكن ذلك لم يمنع من أن كل الإجراءات التي اتخذها البلاشفة مباشرة بعد انتصار الإنتفاضة كانت تصب في دعم الرأسمالية (ما يسمى برأسمالية الدولة كمرحلة ضرورية نحو الإشتراكية) واعادة بناء الدولة البورجوازية (اعادة ادماج الخبراء الإقتصاديين والإداريين الكبار والكثير من القيادات العسكرية السابقة...) ولعل ما يفسر أن المعارضة سواء داخل الحزب البلشفي أو خارجه لم تنهض ضد هذه الإجراءات (الإقتصادية منها خاصة) التي كانت انعكاسا للعزلة العالمية للثورة وفشلها في الإمتداد في الوقت الحاسم، أن هذه الاجراءات كانت تبدو منسجمة مع مقولة انجاز "المهام الديمقراطية البورجوازية" التي كانت تحوز على اجماع كبير داخل الأوساط الإشتراكية الديمقراطية، لذلك فان هذه المعارضة، ورغم ما قامت به خاصة في مواجهة اتفاق صلح بريست، فانها بقيت أسيرة البرنامج الإشتراكي الديمقراطي القاضي بضرورة انجاز المهام الديمقراطية البورجوازية (اي تدعيم الرأسمالية) كمقدمة ضرورية للبدء في البناء الاشتراكي، لا بل أن هذه المعارضة قد سقطت في كثير من الأحيان في أوهام "دمقرطة" الإنتاج والحياة السياسية... بما أفقدها جذريتها ومنع امكانية تبلور خط شيوعي ثوري مناهض للسياسة الرأسمالية للبلاشفة، ولعل ذلك يمكن تفسيره أيضا بميزان القوى العالمي الذي كان يميل يوما بعد يوم لصالح الثورة المضادة، وعزل آخر المعاقل البروليتارية خاصة من خلال وأد انتفاضات كل من ألمانيا، ايطاليا، أوكرانيا، كرونستاد....الخ
1 ) بخصوص هذا الموقف مثله مثل العديد من المواقف الأخرى (مثل الموقف من ضرورة تدمير الدولة البورجوازية لا الإستيلاء عليها) فان لينين قد تراجع عنه مباشرة بعد الوصول الى السلطة، وتحول شعار "الإنهزامية الثورية" الى شعار "الدفاع عن الوطن الإشتراكي" ومن "تحويل الحرب الإمبريالية الى حرب ثورية" الى عقد صلح بريست-ليتوفسك
2 ) هذه الرؤية هي ما يفسر أيضا عنفية الجناح الروسي للإشتراكية الديمقراطية في مقابل سلمية الجناح الألماني وتعايش هاتين النزعتين المتناقضتين جنبا الى جنب

ثورة أكتوبر بين الأوهام الإيديولوجية والحقيقة التاريخية - الجزء الثاني

أيوب أيوب
ayoub.ayoub83@yahoo.fr
الحوار المتمدن - العدد: 2451 - 2008 / 10 / 31

2 ) حول "المهام الديمقراطية البورجوازية":
- أولا، تنطلق الإشتراكية الديمقراطية من رؤية ميكانيكية غائية للتاريخ. فالتاريخ بالنسبة لها خط صاعد تطوري من حالة دنيا (المشاعة البدائية) الى حالة عليا (الشيوعية) كلاهما إفتراضان نظريان وبناءان ذهنيان (الثاني من صنع ماركس)، مرورا بمراحل متتالية بانتظام وميكانيكية: المشاعة، فالعبودية، فالإقطاعية، فالرأسمالية وصولا الى الغاية النهائية للتاريخ: الشيوعية. طبعا، وفي هذه اللوحة الخماسية الستالينية الشهيرة، لا مكان للفجائيات، للهزات العنيفة، للإنقلابات النوعية، للإنكسارات والعودات. وبما أن هذه المراحل التاريخية هي بمثابة قدر غاشم وصراط مستقيم تمر فوقه كل البشرية صاغرة، وباعتبار أن هذه المتتاليات التاريخية ينظر لها من زاوية قطرية (كل قطر يجب أن يكون قد مرت عليه المراحل التاريخية المذكورة) فان مهمة البروليتاريا والشيوعيين هي رتق الفراغات التي تركها التاريخ خلفه في هذا القطر أو ذاك، وإنجاز ما يفترض أن تنجزه طبقات أخرى، أو لنقل أن مهمة البروليتاريا هي القيام بما لم تقم به الطبقات الأخرى (البورجوازية خاصة) تحضيرا لإنجازها لمهمتها الخاصة (الثورة الإشتراكية). طبعا، فإن خطل هذه الرؤية الميكانيكية وتناقضها التام مع المادية التاريخية واضح، كما أن معاينة تاريخية بسيطة تفند هذه الرؤية الداروينية للتاريخ. ذلك أننا نعرف الآن، أن هناك العديد من المناطق في العالم لم تمر بمراحل مثل العبودية أو الإقطاعية (شعوب القارة الأمريكية) وأن هناك شعوبا قد عرفت أنماط إنتاج من خارج هذه اللوحة الخماسية (نمط الإنتاج الآسيوي في الصين، نمط الإنتاج الجرماني...) بل أن العبودية لاتزال موجودة في أرقى البلدان الرأسمالية (الولايات المتحدة الأمريكية) كل هذا يجعل من مقولة أنه يجب على كل قطر (مأخوذ بمعزل عن كلية النظام الرأسمالي) أن يمر حتميا بمرحلة إسمها "المهام الديمقراطية البورجوازية" أي الرأسمالية طبقا لنموذج نظري (صناعات ثقيلة، أغلبية من السكان الصناعيين وتعميم العمل المأجور، المكنكة والتطور التكنولوجي، مع بعض التوابل البرلمانية والإنتخابات...) يجعل منها مقولة ميكانيكية، قدرية هي لب المنهج الستاتيكي البورجوازي والبورجوازي الصغير.
_ ثانيا، أن الإشتراكية الديمقراطية تنطلق من وجهة نظر الإقتصاد الوطني، من وجهة نظر قطرية، حيث رأس المال ينظر له كظاهرة قطرية، قومية، إقليمية أو محلية. لذلك فإن تتبع مسار تطوره التاريخي لا يتم باعتباره ظاهرة تاريخية عالمية، أي مستويات تطور هيمنته واستيعابه لكل النشاط البشري وتحويله الى كيان موحد يتجانس أكثر فأكثر ويتوحد أكثر فأكثر. بل كتطور قطري، قومي، إقليمي أو محلي. أي أن الإشتريكية الديمقراطية لا تنظرانمط الإنتاج الرأسمالي كنمط إنتاج عالمي النشأة، عالمي التطور، بل ان عالميته (وهذا مالا تستطيع إنكاره) هي مجرد تجميع لأجزاءه المبعثرة والمتنافرة. فليس راس المال بالنسبة لها هو الذي يصنع الأوطان والقوميات والدول، بل العكس.
وبما أن الإشتراكية الديمقراطية تنفي عالمية رأس المال، فإنها بالضرورة مضطرة لنفي البروليتاريا كطبقة عالمية، وبالتالي فإنه ليس للبروليتاريا برنامج عالمي موحد، والأممية العمالية، بالنسبة للإشتراكية الديمقراطية (على نقيض ماركس والأممية الأولى) هي تماما مثل رأس المال، مجرد تجميع عددي للأحزاب الإشتراكية الديمقراطية (الشيوعية) الوطنية. ولذلك أيضا فإنه يتم تحديد طبيعة الثورة ("الروسية" مثلا، وهنا يتضح أننا لا نستطيع الحديث من زاوية البروليتاريا عن ثورة "روسية" أو "ألمانية" أو غيرها. فالثورة البروليتارية عالمية أو لا تكون) انطلاقا من هذا القطر أو ذاك، وليس انطلاقا من كلية النظام الرأسمالي. وفي الواقع، واذا ما انطلقنا من زاوية النظر هذه، فاننا سنجد دائما "مهاما ديمقراطية بورجوازية" للإستكمال في أكثر البلدان تطورا كما في أكثرها تخلفا. ولعل هذا ما يفسر أن الثورة الإشتراكية لم تعد موجودة في برامج الإشتراكية الديمقراطية العالمية الا كهدف بعيد، كبرنامج "الحد الأقصى"، كمهمة تسبقها مهام أخرى (تتبدل وتتغير من فصيل الى آخر) الثورة الإشتراكية مجرد ديباجة لتزيين برامج هذه الأحزاب، مجرد "إيتيكات" إيديولوجية لا مجموعة مهام مباشرة وآنية. وبهذا الإعتبار أيضا فإن رؤية تروتسكي نفسه، التي كانت تعتبر ممثلة لليسار البلشفي، تلك التي تلحق المهام الديمقراطية البورجوازية بالثورة الإشتراكية (الثورة الدائمة) ليست سوى فرع راديكالي للإشتراكية الديمقراطية، ومقولة إيديولوجية استطاعت تبرير كل الإجراءات ذات الطابع البورجوازي التي قام بها البلاشفة عند وصولهم للسلطة.
- ثالثا، تنطلق الإشتراكية الديمقراطية من رؤية مثالية للمهام الديمقراطية البورجوازية، فيتم تصويرهذه المهام لا كما هي في الواقع (أي ما تقوم به البورجوازية يوميا: الإصلاح والإصلاح الذاتي للرأسمالية) بل كمجموعة وصفات ذهنية غير قابلة للتجسيد عمليا. المهام الديمقراطية البورجوازية، من منظور الإشتراكية الديمقراطية، هي بالضبط تلك الصورة التي تقدمها الرأسمالية عن نفسها لتبرير وجودها وهيمنتها على البشرية: تقدم، حضارة، علوم، رفاه، ثقافة، تقدمية....ما لا تستطيع أن تفهمه الإشتراكية الديمقراطية هو أن التقدم البورجوازي (كل الحضارة الرأسمالسة) هو في نفس الوقت تطوير لقوى الإنتاج وتدمير بربري لها، هو في نفس الوقت وصول الإنتاج الى ذرى غير مسبوقة وتدحرج القدرة الإستهلاكية الى حدود الفاجعة، هو الصناعات الكبيرة في المدن لكن أيضا كل بؤس الأرياف، هو تراكم الثروات في أياد تزداد قلة مقابل فقر يزداد توسعا ليشمل فئات اجتماعية جديدة، هو أيضا تبذير لامحدود للثروات في مجالات بلا منفعة (الأسلحة، الإستهلاك البورجوازي...)مقابل مجاعات وسوء تغذية معممين. الإستغلال الطبقي، البطالة، البؤس، الحروب التدميرية كلها وجه ملازم للتقدم البورجوازي، لا يمكن لل"مهام الديمقراطية البورجوازية" أن تتنصل من كل هذه التبعات الكارثية. وإن أفضل من يستطيع القيام بهذه المهام هي البورجوازية نفسها.
اذا ما كشفنا هذه "المهام الديمقراطية البورجوازية" على حقيقتها كما هي في الواقع، فإن كل الأحجية الإشتراكية الديمقراطية ستجد حلها. فهذه الأخيرة، وتأسيسا على اليوطوبيا الرجعية بامكانية إنجاز تقدم وتنمية رأسمالية (وطنية) بدون تناقضات الرأسمالية المستعصية، بدون الوجه الكارثي الملازم (أي رأسمالية بدون بروليتاريا وهذا هو بالضبط الحلم البورجوازي المستحيل) ببساطة لأنها تنسب كل الفضاعات المصاحبة للنظام الرأسمالي إما الى أنماط إنتاج ماقبل رأسمالية (اقطاعية، متخلفة، استبدادية، قروسطية...) (مثلا يتم نسب البؤس المدقع في الأرياف الى بقايا اقطاعية..) أو الى مناطق جغرافية محددة (الشرق، الجنوب، العالم الثالث..) أو الى مرحلة تاريخية محددة (المرحلة الإمبريالية، المرحلة الإنحدارية للرأسمالية..) أو الى إنحراف وتشوه في المسار التقدمي لرأس المال (يمينية، نازية، فاشية...) بحيث تتحول "المهام الديمقراطية البورجوازية" الى رأسمالية مصفاة، مستقطرة من كل مساوئها، رأسمالية ليس فيها سوى تطوير وسائل الإنتاج والتقدم التقني ومراكمة الثروات وكل السعادة البورجوازية الإشهارية، وتأسيسا على كل هذا الوهم البورجوازي الصغير تتحول كل حركة البروليتاريا لا لتدمير السبب الجذري لبؤسها (وبؤس البشرية) ألا وهو النظام الرأسمالي (القيمة، العمل المأجور، الملكية الخاصة، النقد...) بل لدعم هذا النظام بالذات واعادة انتاجه. وفي غالب التجارب (كما في روسيا) سريعا ما يتحول الحزب الإشتراكي الديمقراطي القائد الى متصرف جديد في رأس المال، الى بورجوازية جديدة متجددة سواء باسم الإشتراكية أو الشيوعية أو الديمقراطية الشعبية... وحتى أكثر العمال ثورية ممن يعتقدون أنه بمقدورهم ادارة رأس المال لصالح البروليتاريا (لصالح الشعب...؟) يجدون أنفسهم (بوعي أو بلاوعي) قد تحولوا الى عبيد للربح والربح الأقصى، للمردودية الإقتصادية، لقانون القيمة، للمنافسة الإقتصادية وملحقها الضروري: الحرب الإمبريالية.
هذا هو جوهر البرنامج الإشتراكي الديمقراطي العالمي، فهل أنجز البلاشفة تلك القطيعة التاريخية عن هذا البرنامج وعن ممثله الأول: الأممية الثانية؟ هذا ما سنناقشه في الجزء القادم.