الأربعاء، 17 أغسطس 2011

عن طبيعة الدول “الشيوعية” /1

واين برايس

مقدمة المترجم

مقدمة المترجم

السطور التالية ليست موجهة لشيوعيين منظمين في أحزاب قائمة ( ستالينية غالبا ) و لا حتى لمن يعتبر نفسه يساريا أو ثوريا محترفا , إنها موجهة أساسا لكل من يناضل و يحلم بتغيير الواقع الذي يعيشه , إنها تحاول أن تشرح له باختصار ما ليس باشتراكية أو ما هو الشكل المزيف الذي وجد في الأمس من الاشتراكية و الذي لم يحقق انعتاق العمال بل خلق استغلال و تهميشا جديدا لهم , لكي يكون قادرا بشكل أفضل على تصور البديل الثوري الحقيقي عن الواقع الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي القائم و النضال في سبيله .

مازن كم الماز

—————————————————————————————————–

السبب الأكثر أهمية لدراسة طبيعة الاتحاد السوفيتي و الدول المماثلة له هو الضوء الذي تلقيه ( هذه الدراسة – المترجم ) على ما الذي نقصده من معاداة الرأسمالية و الاشتراكية . فإن اعتبارنا هذه الدول اشتراكية يحدد ما الذي نؤمن به كبديل عن الرأسمالية . هناك الكثير من الراديكاليين الذين ينجذبون إلى مثال الاتحاد السوفيتي أو الصين الماوية , الذين يعجبون بكوبا اليوم أو بالماويين النيباليين . على الجهة المقابلة ( الأخرى ) , كانت مؤسسات الرأسمالية الغربية سعيدة بالموافقة على أن الاتحاد السوفيتي , الصين , كوبا , الخ , أنها كانت ( و ما يزال بعضها ) “اشتراكيا” و “شيوعيا” . إنهم يقولون , قد تكون هناك أخطاء في الرأسمالية , لكن هذا هو البديل “اللا رأسمالي” الوحيد الذي وجد أو من الممكن أن يوجد .

هذه ثلاثة مقالات لواين برايس عن الطبيعة الحقيقية لهذه الدول .

نشرت هذه المقالات الثلاثة لأول مرة على موقع anarkismo.net على مدى ثلاثة شهور بقلم واين برايس عام 2006 .

القسم الأول

ما الذي نعنيه بمعاداة الرأسمالية ؟

إذا أراد المناهضون للرأسمالية بديلا عنها , فإننا نحتاج لدراسة طبيعة البلدان وفق نموذج ( مثال ) الاتحاد السوفيتي . هناك ثلاثة مجموعات من النظريات فيما يتعلق بهذه البلدان . إحدى هذه النظريات أن هذه المجتمعات هي اشتراكية أو أنها “دول عمالية” . سنقارن هذه بالأهداف التحررية الأصلية لاشتراكية من دون طبقات .

يسمي الكثير من الناشطين أنفسهم “معادين للرأسمالية” . لكن هذه التسمية سلبية , فما الذي نعنيه بهذا ؟ بما أن مناهضي الرأسمالية يرغبون بإيجاد بديل عن النظام الحالي , فمن الضروري دراسة طبيعة المجتمعات التي تزعم أنها قد حلت مكان الرأسمالية في وقت ما , أعني الاتحاد السوفيتي السابق و البلدان المماثلة له . هناك أدب يساري هائل عن هذا الموضوع . سعى كثير من الراديكاليين إلى تحليل البلدان التي حكمتها الأحزاب الشيوعية ( الماركسية – اللينينية ) , البلدان التي سمت نفسها “اشتراكية” و التي يسميها الكثير منا في أقصى اليسار “ستالينية” . لكن بالنسبة للكثير من الراديكاليين اليوم فإن هذا الجزء من النظرية يبدو قديما , كونه يدور حول بلد لم يعد موجودا منذ بعض الوقت . بين عامي 1989 و 1992 انحل الاتحاد السوفيتي و الحكومات الستالينية في أوروبا الشرقية , نتيجة مزيج من الثورات الشعبية و مناورة أقسام من البيروقراطية الحاكمة . لذلك يستنتج الكثيرون أن دراسة طبيعة هذه الدول لم تعد ذات صلة ( مهمة ) اليوم .

إنني أختلف بقوة مع موقف عدم الاهتمام هذا ( مع موقف اللامبالاة هذا ) . لسبب واحد , هو أن الأنظمة التي حكمها و يحكمها الحزب الشيوعي تستمر بلعب دور هام في العالم . شعب الصين الضخم يؤثر في الاقتصاد و في السياسة و التوازن العالميين اليوم . ما تزال هناك عدة بلدان آسيوية صغيرة ذات حكومات تنتمي إلى الحزب الشيوعي . تشمل هذه كوريا الشمالية التي يؤثر تسليحها النووي على التوترات الدولية . و تستمر الحكومة الكوبية بلعب دور كبير في الشؤون الأمريكية اللاتينية , متحالفة على الخصوص مع النظام الفينزويلي لهوغو تشافيز . تحافظ منظمة فارك الماركسية – اللينينية على دولة داخل الدولة في كولومبيا . و هي هدف متزايد لتدخل الولايات المتحدة . و ينجذب كثير من الراديكاليين إلى التمرد الماوي في نيبال الذي يملك فرصة للوصول إلى السلطة . و أخيرا , لفهم العالم , من الضروري فهم الذي يجري في الدول التي خلفت الاتحاد السوفيتي , مثل روسيا , أوكرانيا , كازاخستان , الخ , إضافة إلى ما يجري في الدول الأوروبية الشرقية الجديدة . لا يمكن فعل ذلك دون فهم تاريخها القريب , و النظام الذي عاشت في ظله قبل عدة سنوات فقط . لكن السبب الأكثر أهمية بالنسبة لي لدراسة طبيعة الاتحاد السوفيتي و الدول المماثلة له هو الضوء الذي تلقيه مثل هذه الدراسة على ما نعنيه بمعاداة الرأسمالية و بالاشتراكية . يحدد ما إذا كنا نعتبر هذه الدول اشتراكية ما الذي نعتقد أنه بديل عن الرأسمالية . هناك عدد كبير من الراديكاليين الذين ينجذبون إلى مثال الاتحاد السوفيتي السابق أو الصين الماوية , أو المعجبين بكوبا اليوم أو بالماويين النيباليين . إنهم يريدون تشكيل عالم تكون فيه كل البلدان مثل كوبا تقريبا , بما في ذلك أمريكا الشمالية و أوروبا . إنهم يصفون الاتحاد السوفيتي و كوبا “بالاشتراكية القائمة بالفعل” . أي أنه إذا كنت تريد الاشتراكية , فهذه هي الاشتراكية التي وجدت بالفعل , سواء أحببتها كما هي أم لا , لذلك من الأفضل على مناهضي الرأسمالية أن يقبلوا بها .

على الجهة المعاكسة , كانت مؤسسات الرأسمالية الغربية سعيدة بأن تقبل أن الاتحاد السوفيتي , الصين , كوبا , الخ , كانت أو ما تزال “اشتراكية” و “شيوعية” . إنهم يقولون قد تكون هناك أخطاء في الرأسمالية , لكن هذا هو البديل الوحيد “اللا رأسمالي” الذي وجد أو يمكن أن يوجد . هذه الدول الكريهة , التوليتارية , الستالينية , هي الاشتراكية الوحيدة التي يمكن أن توجد على الإطلاق . لذا على كل شخص أن يقبل الرأسمالية , كما يعلنون .

( إنني أسمي هذه الأنظمة “ستالينية” . لكن هذا لا ينفي أن لينين و تروتسكي قد وضعا الأساس لتوليتارية ستالين . و لا أنكر أنه كانت هناك تغيرات هامة في هذه البلدان بعد موت ستالين . لكني أعتقد أن هذا النظام قد تعزز تحت حكم ستالين , عندما تم القضاء على البقايا الأخيرة من الثورة الروسية , و جرت إبادة عشرات ملايين العمال و الفلاحين , و جرى تثبيت الطبقة البيروقراطية الحاكمة الجديدة . لقد أصبحت التوليتارية الروسية برنامج كل الأحزاب الشيوعية , كما هي التوليتارية الصينية . لذلك فإن الستالينية هي وصف مناسب ) .

هناك تيارات أخرى بين الراديكاليين , خاصة بين التحرريين , ترفض شعارات الاشتراكية , و الشيوعية , و اليسار . بالنسبة لهم ليست هناك مشكلة إذا تم تعريف ( تحديد ) هوية نظام الاتحاد السوفيتي مع الاشتراكية . إنهم يتفقون مع هذا التوصيف . لن أذهب بعيدا مع تلك التيارات الآن , فقط سأشير إلى أنها لا ترفض بالنتيجة اشتراكية الدولة ( الاشتراكية الدولتية نسبة للدولة ) فقط بل كل المشروع الاشتراكي .

تاريخيا اعتبر التحرريون أنفسهم جزءا من اليسار – اليسار الأقصى لليسار , أي الأكثر معارضة بين أولئك الذين يعارضون الرأسمالية و الدولة . عدوا أنفسهم على أنهم الجزء الأقصى من الحركة الاشتراكية . في مقاله الشهير عن “اللاسلطوية” ( الأناركية ) للموسوعة البريطانية , كتب كروبوتكين “يعتبر اللاسلطويون ( التحرريون , الأناركيون ) , بالاشتراك مع كل الاشتراكيين , الذين يشكلون الجناح اليساري … نظام العمل المأجور و الإنتاج الرأسمالي معا عقبة في طريق التقدم” . ( 1975 , ص 109 ) .

التيار الذي أعتبر أنه يشكل هويتي هو اللاسلطوية ( التحررية , الأناركية ) الثورية , المؤمنة بالصراع الطبقي و بالتنظيم . إننا نعني من “معاداة الرأسمالية” الاشتراكية التحررية و الشيوعية الأصيلة . إننا ننادي باستبدال الرأسمالية بشبكة تعاونية من اتحادات و كومونات المنتجين و المستهلكين المنظمة ذاتيا , و التي ستنتج من أجل الاستهلاك ( الاستخدام ) لا من أجل الربح . و سيجري تخطيطها بشكل ديمقراطي من الأسفل إلى الأعلى . سيجري تنظيم المجتمع من خلال هذه الاتحادات و الكومونات , بفيدرالية مجالس أماكن العمل و المجتمع . و سيجري استبدال البوليس و الجيش بميليشيا شعبية , طالما بقيت الحاجة لها .

“مكان المجتمع البرجوازي القديم , بطبقاته وتناقضاته الطبقية , سيكون لدينا اتحادا , سيكون فيه التطور الحر لكل فرد هو الشرط للتطور الحر للجميع” . هذه هي الأهداف المعلنة للبيان الشيوعي لماركس و أنجلز , المنعكسة في الاتجاه الإنساني , التحرري داخل الماركسية و في اللا سلطوية ( التحررية ) الثورية . هل لبت ( أو حققت ) الأنظمة الستالينية هذه الأهداف ؟ هل كانت حتى تسير في ذلك الاتجاه ؟ إذا كان الجواب لا , فما الذي يعنيه إذن أن نسميها “اشتراكية” ؟ هذه هي الأسئلة التي سأناقشها في سلسلة من ثلاثة أجزاء .

النظريات الثلاثة عن الستالينية

في اليسار , يمكن تقسيم النظريات عن طبيعة الاتحاد السوفيتي إلى ثلاثة اتجاهات .

إحداها ( و هي التي سندرسها في هذا الجزء ) هي أنها شكل من أشكال الاشتراكية , أو تتجه نحو الاشتراكية , أو أنها مجتمع “بعد رأسمالي” . اعتبر تروتسكي الاتحاد السوفيتي تحت ستالين “دولة عمالية مصابة بالانحطاط” . بعد الحرب العالمية الثانية سمى أنصاره الأرثوذوكسيون ( التقليديون ) الدول الستالينية الجديدة “دول عمالية مشوهة” ( حيث أنها لا يمكن أن تتعرض للانحطاط دون أن تقوم فيها ثورات عمالية فعلية و لكن معظم هؤلاء المنظرين اعتبروا كوبا “دولة عمالية سليمة” ) . بأي حال ( في كل الأحوال ) , اعتبرت هذه النظريات النظام الستاليني أفضل ( أكثر “تقدمية” ) من الرأسمالية .

مجموعة ثانية من النظريات اعتبرت الستالينية نوعا جديدا , ثالثا , من المجتمعات الطبقية . إنها , كما يزعمون , ليست اشتراكية و لا رأسمالية . كانت البيروقراطية طبقة حاكمة جديدة تدير اقتصادا مؤمما و قد جرت جمعنته . كانت تستغل العمال بطريقة ما . هذا النظام ليس أفضل من الرأسمالية و ربما كان أسوأ . هذه النظرية ( التي تسمى “الجماعية البيروقراطية” ) طورها بعض التروتسكيين المنشقين . نسخة منها طورها منظرو “الباركون” ( الاقتصاد التشاركي لمايكل ألبرت و ) .

المجموعة الثالثة من النظريات تعتبر هذا النظام على أنه نوع من الرأسمالية , رغم فروقه الظاهرية عن الرأسمالية التقليدية . يسمى هذا النظام عادة “رأسمالية الدولة” . يعود هذا المفهوم إلى أعمال ماركس و أنجلز . و قد طوره على الأغلب تروتسكيون منشقون لكن اللاسلطويين ( التحرريين ) استخدموه أيضا . برأيي إن هذا هو أفضل تحليل لهذا النظام .

هل كان الاتحاد السوفيتي اشتراكيا ؟

أن نسمي الاتحاد السوفيتي اشتراكيا قد تكون مسألة ( قضية , مشكلة ) تعريف . إذا أراد الناس أن يعرفوا الاشتراكية بأنها الصناعة المملوكة للحكومة – الذي قد يكون ما يقصده معظمهم من “الاشتراكية” – فعندها تكون البلدان الستالينية اشتراكية بالفعل . لا يمكنني أن أثبت أن هذا التعريف “غير صحيح” . لكن الماركسية التي يزعم مؤيدو هذا النظام أنهم يتبعونها تصف الاشتراكية بطريقة مختلفة ( على الأقل هذا ما تفعله ماركسية ماركس ) . إنها تلح على التحليل الطبقي لكل مجتمع . في نفس القسم من البيان الشيوعي الذي اقتبسته سابقا , يصرح ماركس و أنجلز بأن “.. الخطوة الأولى في الثورة من قبل الطبقة العاملة هي أن تنهض البروليتاريا إلى موقع طبقة حاكمة , لكي تقيم الديمقراطية … الدولة , أو البروليتاريا المنظمة كطبقة حاكمة … عندما في سياق التطور , تختفي التباينات الطبقية … و ستفقد السلطة الشعبية طابعها السياسي” . ( 1955 , ص 31 – 32 ) .

أي أنه , بالنسبة لماركس , ستقوم الطبقة العاملة و حلفاؤها ( الفلاحون , النساء , الخ ) بالاستيلاء على المجتمع و ستؤسس ديمقراطية , أو “دولة” التي هي ليست إلا الطبقة العاملة المنظمة ذاتيا . و ستتقدم ( بسرعة أو ببطء ) لتنهي كل التباينات الطبقية و الدولة نفسها . ( يعتقد الماركسيون التحرريون أن ماركس قد أصبح حتى أكثر عداءا للدولة بعد كومونة باريس ) . أنا لا أناقش هنا صحة الماركسية التحررية ( الداعية للاستقلال الذاتي ) ( التيار التحرري من الماركسية الذي دعا إلى الاستقلال الذاتي للعمال , انطونيو نيغري مثلا و روزا لوكسمبورغ – المترجم ) , فقط أشير إلى تداخلها مع لا سلطوية ( تحررية ) الصراع الطبقي في المشروع الاشتراكي .

من الواضح أن الدول وفق نموذج الاتحاد السوفيتي لم تلب هذا المعيار الطبقي . هناك ( كانت هناك ) بيروقراطية من السادة في الأعلى , تقرر كل شيء و تتخذ القرارات . كانت الدولة هي البيروقراطية “المنظمة كطبقة حاكمة” ( و ليست الطبقة العاملة ) . في الاقتصاد المخطط , كانوا هم من يقوم بالتخطيط . كان العمال في القاع , يتلقون الأوامر , و يفعلون ما يطلب منهم , و يقاومون حيث يمكنهم ذلك – تماما كما كان عليه الحال في ظل الرأسمالية . كان هناك نظام هائل من القمع البوليسي . سمح فقط بحزب واحد , منعت كل الأحزاب الأخرى , حتى الأحزاب الاشتراكية . لم يسمح بأية مؤتمرات للمعارضة داخل الحزب الواحد أيضا . التنظيم لصالح آراء أخرى , مثل اللاسلطوية , كوفئ ( عوقب ) بالسجن , بمعسكرات العمل الإلزامي , مشافي الأمراض العقلية , أو الموت . حظرت النقابات المستقلة أو الإضرابات . لذلك لم يكن أمام الشغيلة أي خيار أو أي طريقة للتحكم في “قادتهم” .

مؤيدو النظام الستاليني يعرفون هذا بالطبع . بالكاد يمكنهم إنكار أن الاتحاد السوفيتي يومذاك و كوبا اليوم هي ديكتاتوريات الحزب الواحد . يمكنهم فقط أن يدافعوا عن أنها ديكتاتوريات جيدة ( خيرة ) , و جيدة للعمال خاصة . يمكنهم الإشارة إلى جمعيات العمال المتخيلة أو الحقيقية في المستوى الأدنى , على سبيل المثال ( حيث يمكن للعمال أن يقرروا كيف ينفذون الجزء الخاص بهم من الخطط التي توضع في مكان آخر من قبل آخرين ) . تتم الإجابة عادة على الانتقادات لديكتاتوريات الحزب الواحد بتغيير الموضوع , بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة , رغم كل شيء , بنظامها ثنائي الأحزاب هي في الواقع ديكتاتورية كبار الرأسماليين (هذا صحيح و لكن لا علاقة له بالنقد الموجه للستالينية ) .

في الواقع , لقد فرضت هذه الديكتاتوريات الجيدة ( الخيرة ) كما يفترض بواسطة الإرهاب الشديد . من الممكن أن يكون 20 مليون عامل و فلاح قد قتلوا ( أو ماتوا ) تحت حكم ستالين لغرض تثبيت البيروقراطية . ملايين أكثر ماتوا تحت حكم ماو , أثناء القفزة الكبرى للأمام و أثناء الثورة الثقافية . في كمبوديا أباد بول بوت ربع السكان . خاطر الآلاف بحياتهم و هم يفرون من فيتنام , كوريا الشمالية , التيبيت , و كوبا . حتى أقل الأنظمة عنفا , مثل النظام الكوبي , تدعمها قوى هائلة من البوليس و لديها عدد كبير من المسجونين السياسيين .

من الواضح أنه و لا في أي من هذه الدول كانت البروليتاريا في موقع الطبقة الحاكمة , أو على الطريق نحو إلغاء كل التباينات الطبقية و الدولة . هنا أكثر الأنظمة قمعا على وجه الأرض , دول مشابهة في بنيتها لألمانيا النازية , تخفي نفسها كتجسيد لأكثر المثل تقدما , تحررية , و اشتراكية ! هذا مقرف , رغم أنه ليس من دون منطقه الخاص . ما هو مثير للقرف بشكل خاص هو أن كثير من الراديكاليين يسمحون لأنفسهم بأن يفروا بفعلتهم هذه , سواء بدعم هذه الدول أو برفض مثال الاشتراكية . ( لأية درجة قادت الماركسية نفسها إلى استبداد كهذا , أي ما هي الجوانب التسلطية ( أو السلطوية ) في الماركسية , هذا نقاش آخر ) .

المثير للاستغراب أيضا هو عدد الراديكاليين ذوي النوايا الطيبة الذين تأثروا بماويي نيبال . لقد جاءت الستينيات و السبعينيات و ذهبت . لقد رأينا هذا الفيلم من قبل . إننا نعرف – أو يجب أن نعرف – ما الذي سينتج عن هذا . إننا نعرف ما الذي يحدث عندما تصل إلى السلطة حركات ذات قادة ماركسيين – لينينيين ( ستالينيين ) أو قوميين راديكاليين . لن تكون النتيجة أبدا حكم الشغيلة الديمقراطي .

الدفاع عن الستالينية

يجادل التبريريون أن هذه المجتمعات كانت جيدة للطبقة العاملة , و لذلك فقد حكمها العمال , حتى لو أنهم لم يحكموها ( بالفعل ) . يشير هؤلاء المؤيدون إلى أنه كان هناك في الاتحاد السوفيتي تشغيل كامل للعمالة , سكن مؤمن , و رعاية صحية شاملة . هذا بالمقارنة مع البطالة و زيادة بؤس الشعب الروسي اليوم . دفاع مشابه يقال عن الصين , التي كان فيها ذات يوم “طاسة الرز الحديدية” , التي ضمنت العمل و الطعام لجميع الصينيين . جرى التخلي عن هذه “الطاسة” من قبل القيادة الحالية ( رغم أن القيادة بقيت بيد الحزب الشيوعي , الذي يصرح أن الماركسية – اللينينية هي إيديولوجيته , و يحتفظ بقدر هائل من الملكية المؤممة – الأمر الذي يجعل كل الموضوع مشوشا ) . أشياء مشابهة تقال عن الرعاية الصحية و التغطية الطبية في كوبا . معظم هذا كله صحيح – حتى لو كانت الوظائف , و الرعاية الصحية , و المساكن في الاتحاد السوفيتي من نوعية منخفضة إلى حد ما في الواقع .

إن كل طبقة حاكمة تعقد صفقة .. مع شغيلتها : إذا سمحتم لنا بالحكم , دون تمرد , فسنعطيكم بعض المنافع و الحقوق , لنجعل الحياة ممكنة الحياة بالنسبة لكم . في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا , تحصل البرجوازية العليا على ثروة أبعد من أحلام أباطرة و فراعنة العالم القديم . إنهم يديرون المجتمع بما فيه مصلحتهم . بالمقابل , فقد وفروا لأغلب العمال الأمريكان ( البيض على أي حال ) مستوى حياة مرتفع نسبيا , أفضل مما عاشه آباؤهم , مع مستوى معقول من الديمقراطية و الحرية السياسية . في هذه المرحلة , يجري تفكيك هذه الصفقة ( تطبيق السياسات النيوليبرالية – المترجم ) , مع تخفيض مستوى الحياة و الحرية . لذا يمكن التنبؤ بتصاعد السخط و روح الثورة .

في الدول التي حكمها الشيوعيون , كانت هذه الصفقة أن يحصل العمال على تشغيل كامل , و على السكن , و الرعاية الصحية , و التعليم , الخ . هذا لم يكن جيدا بنفس الدرجة التي وفرتها الديمقراطيات الاشتراكية الاسكندينافية ( في ظل الرأسمالية الخاصة ) , لكنها كانت ما تزال لائقة , أخذا بالاعتبار مستوى الإنتاجية المنخفض فيها . بالمقابل , كانت البيروقراطية تحصل على سلطة غير محدودة و ثروات هائلة للطبقة العليا ( التي عاشت بشكل أفضل بكثير من العمال في الأسفل ) . هذا لا يعني أن العمال قد حكموا الاتحاد السوفيتي أو أنهم يحكمون كوبا , أكثر مما يحكم العمال الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الاسكندينافية . لقد كانت تلك صفقة طبقية فقط .

بانهيار الاتحاد السوفيتي و الدول الأوروبية الشرقية , أمل العمال أنهم سيحصلون على نفس الصفقة الموجودة في الدول الاسكندينافية أو على الأقل أوروبا الغربية : لنقل ألمانيا أو فرنسا . عوضا عن ذلك عوملوا كما لو أنهم يعيشون في أفريقيا أو أفقر مناطق آسيا . تحول البيروقراطيون القدامى إلى برجوازية أصبحت مفرطة الثراء بينما حصل العمال و المزارعون على منافع أقل بكثير بدلا من تلك التي فقدوها . حصلوا غالبا على زيادة في الحرية السياسية ( و ليس الكثير من هذا أيضا ) , هذا شيء جيد لكنه شيء لا يمكن أكله . ينظر الكثير بشكل طبيعي إلى الوراء إلى الصفقة القديمة بتوق شديد , على الأقل كان هناك وظائف و طعام . لكن هذا لا يثبت أن الاتحاد السوفيتي كان سوى دولة استغلالية منقسمة طبقيا و توليتارية . و لا يمكن لكل التعليم و التغطية الطبية في كوبا , مهما كانت قيمتها , أن تجعل من الدولة ديمقراطية عمالية أو من كاسترو إلا ديكتاتورا .

إن الصفقات الطبقية لا تكفي . المشكلة هي أن معاييرنا منخفضة جدا . هناك حاجة لأكثر بكثير من مدارس لائقة للأطفال و تغطية طبية جيدة على المستوى العالمي إذا كان على الجنس البشري أن يتجنب التدمير بالحرب النووية أو الكارثة البيئية . ما نحتاجه هو رؤية طالب بها الاشتراكيون الطوباويون , و الماركسيون الأصليون , و اللا سلطويون ( التحرريون ) . لا يمكن لأي شيء آخر أن ينجح .

حكم العمال يجب أن يكون ديمقراطيا

يشير التروتسكيون و غيرهم إلى أنه يمكن إدارة الرأسمالية عبر دولة برجوازية ديمقراطية لكن يمكن أيضا أن تعمل تحت أشكال مختلفة من الديكتاتورية , مثل الملكية , الدول البوليسية , أو الفاشية . إنهم يجادلون , أنه بشكل مشابه , يمكن للطبقة العاملة أن تحكم ( و هذا هو بداية الاشتراكية ) من خلال ديمقراطية بروليتارية , مثل كومونة باريس أو السوفيتيات الأصلية , لكن يمكنها أيضا أن تعمل تحت الديكتاتورية . ستالين , ماو , كيم إيل سونغ , و كاسترو , جميعهم يفترض أنهم حكموا “دولا عمالية” , ليست بنفس جودة نظام الكومونة , لا شك , لكنها ما تزال تحافظ على سلطة الطبقة العاملة , و إن بشكل غير مباشر . هكذا يجادلون .

لكن التشبيه بين الرأسمالية و حكم الطبقة العاملة لا يصمد . يحكم الرأسماليون العمال بشكل أساسي من خلال السوق . ما يريدونه من الدولة هو أن تحمي السوق , و أن تفرض العقود , و أن تقمع العمال , و بعض التنظيم و التدخل الاقتصادي لتبقي السوق في تقدم مستمر . هذا يمكن القيام به بأفضل ما يمكن من خلال ديمقراطية رأسمالية , لكنها ليست مشكلة كبرى إذا قام بهذه المهام شكل ما من الديكتاتورية . لم تقلل ألمانيا النازية و لا تشيلي بينوشيت من الأرباح الرأسمالية – على العكس تماما .

على عكس الرأسماليين ( أو بقية الطبقات الحاكمة الأخرى , مثل اللوردات الإقطاعيين أو مالكي العبيد ) , فإن العمال اليوم لا يملكون وسائل الإنتاج ملكية خاصة . يتعاون العمال المعاصرون في عملية الإنتاج , في مكان العمل و في المجتمع ككل . إذا أراد العمال أن يديروا الصناعة , فيجب عليهم أن يفعلوا ذلك بشكل تعاوني و جماعي . على عكس الرأسماليين , لا يمكنهم أن يعتمدوا على عمليات أتوماتيكية ( آلية ) , مثل “اليد الخفية” للسوق . يجب أن يتخذوا قرارات واعية حول كيف يمكن إدارة الاقتصاد ( و أي شيء آخر ) . يجب أن ينخرطوا في تخطيط ديمقراطي , و هي مسألة اتخاذ قرارات مدروسة , واعية و جماعية . إذا أرادت الطبقة العاملة و المضطهدون أن يحكموا , و أن يطوروا مجتمعا دون طبقات , دون اضطهاد , يجب أن يفعلوا ذلك من خلال أكثر الديمقراطيات راديكالية ,و كمالا , و مشاركة . لا يمكن تحقيق ذلك من خلال أي نوع من حكم النخبة , ناهيك عن الديكتاتورية , سواء من فرد واحد أو من حزب طليعي . لم يفهم البلاشفة هذا أبدا , و اللينينيون المعاصرون لا يفهموه الآن أيضا .

هناك مشكلة مماثلة في تشبيه تروتسكي بين “دولة عمال” ستالين و بين النقابة العمالية البيروقراطية التي تقودها عصابة . كلاهما , كما يقول , هي مؤسسات عمالية , تهيمن عليها قوى غير ديمقراطية , أو عملاء داخليون لرأس المال . و كما هو الحال مع النقابة السيئة , يجب الدفاع عن الدولة الستالينية ضد الرأسماليين و الدول الرأسمالية , بينما يحاول العمال أن يستعيدوها . هذا التشبيه لا يصمد أيضا . حتى النقابة العمالية البيروقراطية ما تزال توفر بعض الحماية للعمال ضد السادة . لكن الدول الستالينية استغلت العمال و اضطهدتهم مباشرة . إنها تشبه السادة الرأسماليين , لا النقابات العمالية .

ليس الاتحاد السوفيتي و أسلافه ( سلالته ) دولا عمالية , ولا بعد رأسمالية , و لا اشتراكية , أو تتجه نحو الاشتراكية . إنها دول توليتارية ذات طبقة حاكمة بيروقراطية و طبقة عمالية مستغلة . إنها ليست بدائل عن الرأسمالية . يجب أن تتضمن معاداة الرأسمالية التسيير الذاتي الأكثر ديمقراطية , كما في التقليد ( الإرث ) الاشتراكي التحرري , أو أنه سيحكم عليها بالفشل ( كما جرى بالفعل – المترجم ) .

نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/2925

الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

عن طبيعة الدول “الشيوعية” / 2

واين برايس

مقدمة المترجم

السطور التالية ليست موجهة لشيوعيين منظمين في أحزاب قائمة ( ستالينية غالبا ) و لا حتى لمن يعتبر نفسه يساريا أو ثوريا محترفا , إنها موجهة أساسا لكل من يناضل و يحلم بتغيير الواقع الذي يعيشه , إنها تحاول أن تشرح له باختصار ما ليس باشتراكية أو ما هو الشكل المزيف الذي وجد في الأمس من الاشتراكية و الذي لم يحقق انعتاق العمال بل خلق استغلال و تهميشا جديدا لهم , لكي يكون قادرا بشكل أفضل على تصور البديل الثوري الحقيقي عن الواقع الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي القائم و النضال في سبيله .

مازن كم الماز

القسم الثاني

الطبقة الحاكمة البيروقراطية ضد التسيير الذاتي الديمقراطي

يستعرض هذا القسم النظريات التي تقول أن المجتمعات التي تحكمها الأحزاب الشيوعية ليست اشتراكية و لا رأسمالية بل نوع جديد من المجتمعات الطبقية . هذه النظريات محقة في الاعتقاد بأن البيروقراطية الجماعية هي طبقة حاكمة جديدة لكنها أخطأت في إنكار أن هذه المجتمعات هي نوع من الرأسمالية . لقد طرحت أسئلة عن طبيعة الفاشية . نظريات كهذه أظهرت الحاجة إلى ديمقراطية تشاركية و الإدارة الذاتية للعمال .

باكونين و ماركس

إذا كان من الممكن تسمية أيا كان بمؤسس الحركة اللا سلطوية ( التحررية ) العالمية , فإن هذا الشخص هو ميخائيل باكونين . بينما اتفق باكونين مع الكثير من تحليل ماركس , فإنه انتقد برنامجه , لأن باكونين خشي من أنه سيؤدي إلى ظهور طبقة حاكمة جديدة . ستخلق هذه الطبقة من العمال الأفضل حالا و من مثقفي الطبقة الوسطى . الذين سيدعون تمثيل العمال و المضطهدين , لكنهم سيصبحون في الحقيقة حكاما جددا .

لقد حذر من أن “… الطبقة العليا , أرستقراطية العمال … هذه الطبقة البرجوازية جزئيا من العمال سوف تشكل , إذا شق الماركسيون طريقهم , ستشكل طبقتهم الحاكمة الرابعة …. العمال السابقون , الذين ما أن يصبحوا حكاما لممثلي الشعب , سيتوقفوا عن أن يكونوا عمالا و سينظروا إلى الجماهير العاملة العادية من ذرى ( أبراج ) حكم الدولة” ( باكونين , 1980 , ص 294 – 333 ) . مشيرا إلى إعلان ماركس “للاشتراكية العلمية” , عارض باكونين أيضا هيمنة المثقفين ذوي العقول العلمية , “إن حكم المجتمع الجديد من قبل العلماء الاشتراكيين – هو الأسوأ من بين كل الحكومات الاستبدادية” . ( المصدر السابق , ص 295 ) .

اعترف الماركسي ديفيد فيرنباخ أن باكونين كان معه بعض الحق . “إن تحذير باكونين من المخاطر الكامنة في استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية طرح أسئلة لم يحلها ماركس بشكل مرضي … إن باكونين , برغم كل أخطائه , كان واع مسبقا بالثورة … التي توجد فيها مشكلة حقيقية للبيروقراطية في المرحلة ما بعد الثورة …” ( فيرنباخ , 1974, ص 51 – 52 ) .

لم يتنبأ ماركس بمخاطر ظهور طبقة حاكمة جديدة , بيروقراطية . لكن على العكس من منظري “الباركون” ( ألبرت , 2006 ) , فإنه قد تنبأ بزيادة الطبقات البيروقراطية الوسطى في ظل الرأسمالية . لقد توقع تراجع الحرفيين ( المهنيين ) المستقلين و أصحاب الأعمال الصغيرة , لكنه تنبأ بزيادة كبرى في موظفي المستوى المتوسط في أعمال رأس المال و الدولة . كان هذا جزء من نبوءته بزيادة تركيز و مركزة رأس المال , و هو جانب مهم من نظريته . ( لقد تنبأ بالرأسمالية الاحتكارية جزئيا للحقبة المعاصرة الإمبريالية المعولمة ) . هؤلاء الموظفين , كما أعلن , سيدمجون أعمالا مفيدة مثل العملين العلمي و التقني , إضافة إلى العمل الضروري للتنسيق , مع الهيمنة القسرية التي يتطلبها الاستغلال الرأسمالي .

قال البيان الشيوعي لماركس و أنجلز عن العمال , “أنهم كجنود أفراد في الجيش الصناعي , قد وضعوا تحت إمرة تراتبية هرمية كاملة من الضباط و الرقباء” ( ماركس , 1974 , ص 74 ) . في رأس المال لاحظ ماركس أن الرأسمالي الصناعي , ” … يمكنه بسهولة أن ينقل هذا العبء ( عبء الإدارة ) إلى أكتاف مراقب العمال …. الشركات الرأسمالية عموما … لديها التوجه ( الميل ) لتفصل عمل الإدارة هذا كوظيفة أكثر فأكثر عن ملكية رأس المال …. ” ( المجلد 3 , مقتبس من شاختمان , 1962 , ص 49 ) . على امتداد كتاباته , هناك إشارات إلى حاجة الرأسماليين إلى مدراء , مراقبين , و مهنيين بأجر لإدارة معاملهم , و ليبقوا العمال منضبطين , وليتعاملوا مع بقية الجوانب المختلفة من العمل . ( انظر “النظرية المزعومة عن اختفاء الطبقات الوسطى” في درابر , 1978 , ص 613 – 627 ) . سياسيا غالبا ما كتب ماركس و أنجلز عن صعود الدولة المستقلة جزئيا , خاصة الفرع التنفيذي , مع جماعاتها من الموظفين ( و سميا هذا “بالبونابرتية” ) .

نظرية الجماعية البيروقراطية

في ثلاثينيات القرن العشرين , تطورت عدد من النظريات عن الاتحاد السوفيتي الستاليني كمجتمع طبقي جديد . لقد طورها في معظم الأحيان تروتسكيون منشقون . رفضوا فكرة تروتسكي عن الاتحاد السوفيتي على أنه ما يزال “دولة عمالية” , حتى لو أنه تعرض للانحطاط بشكل كبير جدا , بافتراض أنه كان ما يزال يحتفظ باقتصاد مؤمم . كان أكثرها أهمية نظرية “الجماعية البيروقراطية” كما طورها ماكس شاختمان و المجموعة التي حوله , مثل جوزيف كارتر و هال داربر ( “الشاختمانيون” ) .

كتب شاختمان : ” عندما لا تكون البرجوازية قادرة على الحفاظ على ( أو في حالة روسيا , استعادة ) نظامها الاجتماعي , و البروليتاريا غير قادرة بعد أن تبدأ نظامها , يملأ الفراغ الاجتماعي من قبل طبقة حاكمة جديدة تدفن الرأسمالية المحتضرة و تسحق الاشتراكية التي لم تولد بعد في المهد . الطبقة الحاكمة الجديدة هي البيروقراطية الستالينية . نظامها الاجتماعي , المعادي لكل من الرأسمالية و الاشتراكية , هو الجماعية البيروقراطية أو التوليتارية . لقد جرى القضاء على البرجوازية و اختزلت الطبقات العاملة إلى عبيد الدولة” ( 1962 , ص 29 ) .

هذا النظام الجديد ليس رأسماليا , كما يقول , لأنه لا توجد فيه برجوازية , أي لا توجد طبقة تملك الأسهم و الصكوك , لا توجد فيه أيضا سوق داخلية و لا سوق للعمل . لقد كره الرأسماليون الاتحاد السوفيتي و رأوا فيه عن حق عدو طبقتهم . ( سيجري تفنيد هذه الحجج في الجزء الثالث , عن نظرية رأسمالية الدولة ) . لكنه يوافق على أن “الستالينية” , كمجتمع طبقي استغلالي , كان أقرب إلى الرأسمالية منه إلى الاشتراكية . و هي تواجه “خطر” ثورة عمالية , وقفت الأحزاب الشيوعية دوما إلى جانب الرأسماليين ضد العمال . هذا هو الذي فعلوه في أوروبا الغربية ( و ظهرت ثورات و انتفاضات عمالية أيضا في أوروبا الشرقية , ثورة هنغاريا 1956 و برلين الشرقية 1953 و بولندا 1956 و 1970 و 1980 و أيضا في تشيكوسلوفاكيا 1968 – المترجم ) .

لم يكن النظام اشتراكيا , و لا يتجه نحو الاشتراكية , و لا “دولة عمالية” أيضا . قال شاختمان , صحيح أن الدولة امتلكت الاقتصاد , لكن من الذي “يملك” الدولة ؟ أي , أية طبقة تسيطر على الدولة و بالتالي تملك حق استخدام و الاستفادة من اقتصادها ؟ بتعابير “أشكال الملكية” ( الشرعية ) , كان كل فرد متساو لأنه لا أحد يملك وسائل الإنتاج . لكن بتعابير “علاقات الملكية” ( الواقعية ) ارتبطت الأقسام الاجتماعية المختلفة بشكل مختلف بالدولة , بالصناعة , و مع بعضها البعض . أحد هذه المجموعات , و هي البيروقراطية , حكمت بينما أطاع الآخرون . حصلت أحد هذه المجموعات ( البيروقراطية ) على معظم فوائد الاقتصاد بينما كان الآخرون يتعرضون للاستغلال . عاش كبار الموظفين أفضل بشكل كبير جدا من العمال و الفلاحين الفقراء في الأسفل . صحيح أن الحكام لم يكن بمقدورهم أن ينقلوا ( يعطوا ) الملكية لأولادهم , لكن أولادهم “ورثوا” مراكز في السلك الوظيفي من خلال التعليم , التدريب , و العلاقات العائلية .

أعلن شاختمان و رفاقه أن البروليتاريا لا يمكنها أن تحكم بشكل غير مباشر , من خلال مجموعة اجتماعية أخرى . كما شرحت سابقا , فإن البرجوازية قد أثرت ( اغتنت ) من خلال السوق , من خلال حيازتها للملكية . هذا يستمر سواء أكانت الدولة ديمقراطية برجوازية , ملكية , ديكتاتورية عسكرية أو فاشية . لكن الطبقة العاملة المعاصرة هي بلا ملكية , لا تملك أسهما , و لا عبيدا , و لا قطعا من الأرض . إنها إما تحكم بشكل جماعي , و ديمقراطي , أو أن لا تحكم على الإطلاق . بينما كانت أشكال الملكية الجماعية ( التأميم , بالنسبة لشاختمان ) ضرورية للاشتراكية , لكنها غير كافية بحد ذاتها . للتقدم نحو الاشتراكية , من الضروري للعمال و المضطهدين أن يقوموا بثورة , أن يحطموا الدولة , يستولوا على السلطة , و ( أريد أن أضيف ) أن يقيموا مجتمعا ذاتي الإدارة ( برايس , 2006 ) .

حتى آخر أيامه , كان تروتسكي يؤمن أن بيروقراطية الاتحاد السوفيتي كانت مؤقتة ( عابرة ) جدا و هشة . ما لم تطح بها ثورة عمالية , فإنه توقع أنها ستعيد الرأسمالية ( الخاصة ) عاجلا . كان واثقا أن هذا كان سيحدث مع نهاية الحرب العالمية الثانية , على أبعد تقدير . قال شاختمان أن تروتسكي لم يفهم أبدا طبيعة البيروقراطية الجماعية . إنها لا ترغب بأن تتخلى عن حكمها لبرجوازية ما . إنها قادرة إلى حد كبير على تقوية سلطتها و زيادة ثروتها من خلال توسيع الصناعة المؤممة .

على عكس توقعات تروتسكي , قاد ستالين البيروقراطية في عام 1929 في حرب ضد الفلاحين , فارضا التعاونيات الجماعية على الملايين . لقد تخلى عن برنامج السوق الحرة للنيب لصالح حملة هائلة من الدولة بهدف التصنيع , بما في ذلك معسكرات العمل العبودي . بعد الحرب العالمية الثانية , وسع ستالين النظام الشمولي الدولتي إلى ثلث أوروبا . استمر نظام الاقتصاد المؤمم حوالي 60 عاما . أخيرا تحطم , و قامت البيروقراطية بتحويل النظام إلى رأسمالية تقليدية . هذا يقود إلى نقد نظرية شاختمان عن البيروقراطية الجماعية ( هو لم يتوقع هذا أن يحدث ) لكنه لا يدعم بالمقابل توقعات تروتسكي .

هل كانت الفاشية مجتمعا طبقيا جديدا ؟

يعتقد بعض المفكرين أن البيروقراطية الجماعية قد وجدت ليس فقط في الاتحاد السوفيتي بل أيضا في ألمانيا النازية و حتى ربما ( بشكل أولي ) في الصفقة الجديدة New Deal في الولايات المتحدة الأمريكية . كان هذا ما اقترحه دوايت ماكدونالد , العضو في حزب شاختمان و الذي أصبح لا سلطويا ( تحرريا ) في نهاية المطاف . بالنسبة لشاختمان , فإن هذا يتجاهل فرقا أساسيا بين الاقتصاد المؤمم الجماعي لروسيا الستالينية و كل المجتمعات التي تحافظ على الملكية الرأسمالية الخاصة . لقد قامت هذه النظرية على مقارنة ألمانيا النازية مع صورة ( صوفية أو غامضة غالبا ) من رأسمالية السوق الحرة الديمقراطية عوضا عن التحليل الطبقي لما كان يحدث فعلا تحت ظل الفاشية . ( الفاشيون أيضا استخدموا رطانة ( لغة بلاغية ) معادية للرأسمالية عندما نظموا حملتهم في سبيل السلطة – فالنازية هي اختصار للاشتراكية القومية , و الفاشية الإيطالية أيضا زعمت أنها تنادي “بالتشاركية” , لكن يجب ألا يؤخذ هذا جديا ( على محمل الجد ) كبرنامج عملي لأي كان – كما عرف بذلك الرأسماليون الإيطاليون و الألمان عندما دعموا فاشييهم ) .

“دعيت .. الفاشية .. إلى السلطة عن قصد من البرجوازية الكبيرة لكي تحافظ على نظامها الاجتماعي , نظام الملكية الخاصة …. بقي نظام الملكية الخاصة للملكية المستخدمة اجتماعيا سليما في الأساس . بعد أن بقيت في السلطة لمدة 18 عاما في إيطاليا , و في ألمانيا لما يقارب ثمانية سنوات , ما زالت الفاشية لم تؤمم الملكية , عدا عن تجريد ( مصادرة ) ملكية البرجوازية … إنها تسيطر , تقيد , تنهب – لكنها مع كل ذلك تحافظ , و حتى تقوي , نظام الربح الرأسمالي , و تترك البرجوازية سليمة كطبقة مالكة للملكية . إنها تضمن أرباح الطبقة المالكة …” ( شاختمان , 1962 , ص 53 – 54 ) .

بالطبع فقد دفعت البرجوازية الألمانية الثمن عندما اشترت عصابات هتلر , معطية إياهم رشاوى و مقاعد في مجالس المدراء . دفع الأغنياء الضرائب ليحافظوا على الدولة البوليسية ( لكي تخضع العمال بهدف تحصيل أرباح أكبر للشركات الكبرى ) . جاء الإثبات بعد الحرب العالمية الثانية . عندما أزيلت البيروقراطية النازية , بدت الرأسمالية الألمانية على قيد الحياة و سليمة و مستعدة للاستمرار في القيام بالعمل .

دور الطبقات الوسطى

أصبحت الماركسية – اللينينية ( الستالينية ) حركة عالمية . في عدد من البلدان وصل قادتها إلى السلطة و أقاموا أشكالا تحاكي ( تقلد ) الاتحاد السوفيتي : أوروبا الشرقية , الصين , كوريا الشمالية , الهند الصينية , كوبا . كتب شاختمان , “إن عناصر الطبقة الحاكمة الجديدة تتشكل تحت الرأسمالية . إنها جزء من ذلك الخليط الاجتماعي الهائل الذي نعرفه بالطبقات الوسطى … المثقفون , المهرة , نصف المهرة , و غير المهرة , الأفراد من مهن ليبرالية , الموظفون و المهنيون من كل الأنواع , بما في ذلك أولئك من الجهاز الحكومي المتورم لكن الفقير , و قبل أي شيء آخر , العمال البيروقراطيون …” ( 1962 , ص 29 – 30 ) .

تحت ظروف مناسبة , يمكن لقوى “الطبقة الوسطى” هذه أن تستوعب في حركة الطبقة العاملة الثورية . لكن في ظل ظروف أخرى يمكن أن تصبح جزءا من حركة فاشية . لكن لديها دائما انجذاب عضوي إلى أنظمة على نمط الاتحاد السوفيتي . ينجذب المثقفون بسهولة إلى تصور عن مجتمع تحكم فيه “الأدمغة” ( ما سماه باكونين طغيان “العلماء الاشتراكيين” ) . إنهم يرون العمال والفلاحين كأسلحة ممكنة في أيديهم للإطاحة بالحكام الحاليين . “إنهم يجدون في الستالينية حركة قادرة على مناشدة ( إغراء ) الجماهير للنضال ضد الرأسمالية , لكنها مع ذلك حركة لم تطالبهم بعد – كما فعلت الحركة الاشتراكية – بالتخلي عن الإيديولوجيا التي هي عامل مشترك بين كل الطبقات المضطهدة ( بكسر الهاء ) , أعني : أن إصدار الأوامر هو امتياز لمن هم في الأعلى , و الطاعة هي قدر من هم في الأسفل , و أنه على الجماهير أن تحكم من قبل سادة جيدين لصالحها هي” . ( شاختمان , 1962 , ص 30 ) . هذه هي الفكرة الرئيسية في مقال هال داربر عن روحي الاشتراكية : “الاشتراكية من أعلى” ضد “الاشتراكية من أسفل” . ( 1992 , ص 2 – 33 , برايس 2002 ) .

طور مايكل ألبرت و روبين هانل , مؤلفا برنامج “الباركون” ( “الاقتصاد التشاركي” ) نظرية الطبقة الجديدة , أو النظام الثالث , الخاصة بهما عن المجتمعات التي على نموذج الاتحاد السوفيتي ( ألبرت , 2003 , 2006 , ألبرت و هانل 1991 ) . قالا عن حق أنه إلى جانب البرجوازية و البروليتاريا فقد خلقت الرأسمالية طبقة من المدراء , المهندسين , المخططين , المحامين , و مهنيين آخرين , صنفوها على أنها “الطبقة المنسقة” . هذه الطبقة قادرة على الحلول مكان البرجوازية كطبقة حاكمة جديدة , مستخدمة إما السوق أو التخطيط المركزي لإدارة الاقتصاد . سميا هذا “بالتنسيقية” . لهذه النظرية مزايا ( سنناقشها فيما يأتي ) لكن فيها أيضا نقطة ضعف في عدم أخذها بالاعتبار نظريات الجماعية البيروقراطية و رأسمالية الدولة السابقة عليها .

هذه الاتجاهات السلطوية للطبقة الوسطى تقود أيضا إلى الليبرالية , الإصلاحية الاشتراكية الديمقراطية , و حتى الأشكال النخبوية من اللاسلطوية ( التحررية ) . لكن كثير من راديكاليي الطبقة الوسطى اليوم ما يزالون مفتونين بالستالينيات المعاصرة , مثل الكاستروية , الماوية النيبالية , و / أو فارك الكولومبية , إلى جانب القومية الدولتية – الإصلاحية , مثل نظام هوغو تشافيز في فنزويلا .

المعاني السياسية لهذه النظرية

بالنسبة للشاختمانيين , كان المعنى السياسي الأساسي لنظريتهم هو أهمية الثورة الديمقراطية , و الاندماج الكامل بين الديمقراطية الراديكالية و اشتراكية الطبقة العاملة . كتب شاختمان : ” … إن الدفاع الشامل و الهجومي للنضال في سبيل الديمقراطية هو الوقاية الوحيدة ضد الانحطاط الاجتماعي المتعدي ( المتجاوز ) و الطريق الوحيد إلى الاشتراكية” ( 1962 , ص 27 ) . في مقال عن حرية الرأي , كتب درابر من وجهة نظر أولئك ” … الذين يناضلون في سبيل ديمقراطية اشتراكية . فإن هدفنا يتطلب , بسبب طبيعته ذاتها , تحريك الجماهير الواعية . من دون هذه الجماهير الواعية من المستحيل تحقيق هدفنا . لذلك فإننا نحتاج إلى أقصى ديمقراطية …. إننا , بسبب طبيعة أهدافنا , ليس عندنا أي خوف من الإطلاق غير المحدود للمبادرات و النوازع الديمقراطية …. إن الاشتراكيين الثوريين … يريدون أن يدفعوا بمقدمات و ممارسات الانخراط الديمقراطي الأقصى لأوسع جماهير الشعب إلى أقصى حد . إلى أقصى حد : هذا يعني , على طول الطريق” . ( 1992 , ص 170 و 72 ) .

استمر شاختمان و درابر بدعم ثورة أكتوبر تشرين الأول الروسية ( كما أفعل أنا , من منظور لا سلطوي ) . لكنهما انتهيا ( وصلا ) إلى انتقاد لينين و تروتسكي بسبب إقامتهما لدولة الحزب الواحد . اعتقدا أنه يجب على اللينينيين أن يسمحوا بأحزاب اشتراكية معارضة للتنافس على السلطة في سوفييتات ديمقراطية . “لم يظهر البلاشفة أية إشارة على إدراك أن احتكار الشرعية من حزب سياسي واحد هو شيء لا يتوافق مع الحقوق الديمقراطية ( حق الاختيار في المقام الأول ) للشعب و حتى للطبقة العاملة … و أن إنكار الحقوق الديمقراطية لأولئك الذين هم خارج الحزب يمكن فرضه فقط , عاجلا أم آجلا , بإنكار نفس الحقوق لأعضاء ذلك الحزب نفسه” . ( شاختمان , 1965 , ص 3 ) .

كتب درابر أنه لا شك في أنه سيكون هناك قمع و انتهاكات للمعايير الديمقراطية في سياق حرب أهلية قاسية و مقاومة الغزو الخارجي . حتى مع ذلك , كان خطأ اللينينيين , كما اعتقد , هو تحويل هذه الاستثناءات الضرورية كما هو واضح إلى قاعدة ( نقطة كانت روزا لوكسمبورغ قد طرحتها في ذلك الوقت ) . في كل الأحوال , بحلول عام 1921 كان لينين و تروتسكي قد أقاما دولة بوليسية , قامت بحظر كل الأحزاب الأخرى , و بحظر أية مؤتمرات للمعارضة داخل الحزب الشرعي الوحيد , و بحظر النقابات العمالية المستقلة . لقد خلقا الهيكل القانوني للتوليتارية . لا توجد هناك اشتراكية دون ديمقراطية .

هذه بصيرة ممتازة . يقول بعض اللا سلطويين ( التحرريين ) أنهم يعارضون “الديمقراطية” , غالبا لأن هذا التعبير يستخدم لتبرير الحكم الرأسمالي , و أحيانا بدافع الخوف من طغيان الأغلبية . لكنني برهنت على أن اللا سلطوية الاشتراكية تفهم على أفضل نحو على أنها الشكل الأقصى , الأكثر راديكالية , التشاركي , من الديمقراطية . ( برايس , 2000 ) . هذه هي رؤية كثير من اللا سلطويين , مثل تشومسكي , غودمان , بوكشين . معظم اللا سلطويين الذين يعارضون تعبير “الديمقراطية” يؤيدون “التسيير الذاتي” , الذي هو نفس الشيء عمليا .

نظرة محدودة للديمقراطية

لكن مفهوم الشاختمانيين عن الديمقراطية كان محدودا بسبب إرثهم التروتسكي ( و اللينيني و الماركسي ) . فبما يتوافق مع إرثهم , فإنهم قد فهموا الاشتراكية كاقتصاد مركزي تملكه الدولة و تجري إدارته من خلال خطة مركزية . و أصروا على أنه يجب إدارة الاقتصاد الاشتراكي أساسا بواسطة ممثلين منتخبين في الأعلى . آمنوا أيضا بالتنظيم المحلي , بالنقابات العمالية و الحق بالإضراب , بوجود أحزاب و مؤتمرات معارضة , بالصحافة الحرة , الخ . لكن لم تكن لديهم فكرة عن أهمية اللامركزية و الديمقراطية المباشرة . كتب درابر , “المشكلة الكبرى لعصرنا هو تحقيق السيطرة الديمقراطية من أسفل على القوى الهائلة للسلطة الاجتماعية المعاصرة . اللا سلطوية ( التحررية ) … ترفض هذا الهدف ( 1992 , ص 13 ) . هذا صحيح تماما , فاللا سلطوية تهدف إلى تحطيم تلك “القوى الهائلة” و إلى الإطاحة “بالسلطة الاجتماعية المعاصرة” .

قد يتناقض هذا مع آراء كورنيليوس كاستورياديس , من مجلة اشتراكية أو بربرية , الذي تطور من تروتسكي منشق إلى اشتراكي تحرري . لقد وصف الاتحاد السوفيتي على أنه “رأسمالية بيروقراطية” , هذه كانت في الحقيقة نظرية طبقة جديدة , و نظام ثالث . و انتهى ( توصل ) من تحليله للطبقة الحاكمة البيروقراطية في الاتحاد السوفيتي , إلى نتائج أكثر راديكالية من شاختمان . لا يكفي وجود نظام تمثيلي ديمقراطي . من الضروري , كما قال , أن يحطم تماما التمايز بين من يعطون الأوامر و بين من يأخذونها ( الذي أشار إليه ماركس بالانقسام بين العمل الذهني و اليدوي ) – في الإنتاج كما في أي جانب آخر من جوانب الحياة اليومية . يشتمل هذا , ليس على شكل دولة ديمقراطية , بل بإنهاء الدولة .

“لا يمكن لثورة اشتراكية أن تتوقف عند إلغاء السادة و الملكية “الخاصة” لوسائل الإنتاج , عليها أيضا أن تتخلص من البيروقراطية … عليها أن تلغي الانقسام بين المدراء و المنفذين …. لا يوجد أي شيء آخر سوى إدارة العمال للإنتاج , أعني الممارسة الكاملة للسلطة على الإنتاج و على مجمل النشاط الاجتماعي من خلال الأجهزة المستقلة لتعاونيات العمال ….الإدارة الذاتية ( التسيير الذاتي ) … يعني خاصة إلغاء جهاز الدولة المنفصل عن المجتمع ….” ( كاستورياديس , 1988 , ص 10 ) .

بشكل مشابه , اعتقد ألبرت و هانل أن صعود “الطبقة المنسقة” إلى السلطة يمكن تجنبه . لقد دافعا عن اقتصاد يجري تخطيطه من الأسفل إلى الأعلى عبر جولات من المفاوضات بين مجالس عمال و مستهلكين ديمقراطية ( “اقتصاد تشاركي” ) . اقترحا إعادة تنظيم و إعادة تخطيط ( صياغة ) الأعمال ( الوظائف ) الموجودة إلى “وظائف مركبة متوازنة” . في هذه , فإن الجوانب الأكثر إثارة للملل ( للضجر ) و التي تحتاج إلى جهد من العمل سيجري توحيدها ( دمجها ) مع الجوانب الأكثر إشباعا للذات و التي تعزز تقرير مصير الفرد بنفسه . سيجري إلغاء التباين بين المدراء و متلقي الأوامر . “إن الباركون …. هو اقتصاد لا سلطوي ( تحرري ) …” ( ألبرت , 2006 , ص 178 ) .

جرى استنتاج المعاني المتضمنة لحركة اليوم من قبل توم ويزيل , “هذا يعني أن حركة تدار من العمال و لأجلهم , تتميز بخصائص التسيير الذاتي الداخلي المتزاوج مع اقتصاد تشاركي , ستكون ضرورية في العملية الثورية و نشوء حركة كهذه سيتمثل ( يتصور ) و يبشر ( يؤذن , ينذر ) بهذا التغيير . الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نضمن بها نشوء مجتمع يحكم نفسه بنفسه … هي إذا كانت الحركات الرئيسية التي تعمل من أجل التغيير ذا طابع و ممارسة تقوم على التسيير الذاتي , بحيث أن الناس الذين سيطورون ممارسات وعادات مساواتية و ديمقراطية يحتاجها المجتمع لكي يحكم نفسه بنفسه” ( 2003 ) .

نقاط ضعف النظرية

نظريات النظام الثالث ( مثل نظريات شاختمان أو ألبرت و هانل ) محقة في عرض البيروقراطية الجماعية ( أو أيا كان ما يريدون أن يسموها ) كطبقة حاكمة جديدة , متمايزة عن البرجوازية مالكة الأسهم التقليدية . لكنني أعتقد أنهم كانوا مخطئين في اعتبار هذه المجتمعات نظاما جديدا , غير رأسمالي .

المشكلة في أنهم قد انطلقوا من تحليل سوسيولوجي في الجوهر للبيروقراطية الحاكمة عوضا عن تحليل العلاقات بين الطبقات في عملية الإنتاج . لو أنهم فعلوا ذلك , لكان عليهم أن يشرحوا لماذا ارتبط العمال في الاتحاد السوفيتي مع سادتهم بشكل مختلف عما فعل العمال في الولايات المتحدة و بقية الدول الرأسمالية الصريحة – الأمر الذي كان من الصعب القيام به . كما أنهم أيضا أخذوا بجدية أكثر من اللزوم تلك المزاعم عن أن الشعوب التي حكمتها أحزاب شيوعية كانت تدار من خلال التخطيط المركزي . ( سنناقش هذه النقاط أكثر في الجزء الثالث ) .

بالنسبة لماركس ( و أنا أقبل بهذه الرؤية ) فإن الطبقة العاملة ( البروليتاريا ) تحت ظل الرأسمالية تعرف بدورها في العلاقة النزاعية بين رأس المال / العمال , التي تحرك كل النظام . لو لم يوجد رأس مال في تلك البلدان , فإن الطبقة العاملة إذن لن تكون بروليتاريا . أراد شاختمان أن يكون حرفيا تماما , في المقطع الأول الذي اقتبسته منه في الأعلى , عندما سمى أولئك العمال “بعبيد للدولة” . لكن هؤلاء العمال قد ناضلوا مستخدمين الوسائل البروليتارية النموذجية : الإضرابات , الإبطاء في العمل , التنظيم الجماهيري , النقابات المستقلة , و مجالس العمال الثورية . أوضح أحد منظري رأسمالية الدولة : “.. أية علاقة استغلال تحتاج إلى طبقتين محددتين . طبقة لا تملك تبيع قوة عملها يمكن فقط أن تستغلها طبقة تشتري قوة العمل تلك , طبقة من الرأسماليين – أولئك الذين يجسدون رأس المال” . ( داوم , 1990 , ص 18 ) .

ما هي الدينامية الداخلية المفترضة للاقتصاديات اللا رأسمالية المزعومة ؟ لن تكون هناك كما يفترض علاقة رأس مال / عمال , و لا سوق داخلية , و لا قانون قيمة … الدافع الداخلي الوحيد كما يفترض هو رغبة الطبقة الحاكمة في زيادة الاستهلاك ( استهلاكها ) الشخصي . المصدر الوحيد للدينامية ( الحركية ) الاقتصادية يبدو أنه سيكون الضغط الخارجي , العسكري غالبا – تماما كما كان الحال في ظل الإقطاعية . كان على روسيا ستالين أن تصاب بالركود منذ البداية , بدلا من أن تبني مجتمعا صناعيا من خلال التراكم السريع ( حتى مع التسليم بركودها الذي حل في نهاية المطاف ) .

الطبقة الحاكمة البيروقراطية ضد التسيير الذاتي الديمقراطي

يستعرض هذا القسم النظريات التي تقول أن المجتمعات التي تحكمها الأحزاب الشيوعية ليست اشتراكية و لا رأسمالية بل نوع جديد من المجتمعات الطبقية . هذه النظريات محقة في الاعتقاد بأن البيروقراطية الجماعية هي طبقة حاكمة جديدة لكنها أخطأت في إنكار أن هذه المجتمعات هي نوع من الرأسمالية . لقد طرحت أسئلة عن طبيعة الفاشية . نظريات كهذه أظهرت الحاجة إلى ديمقراطية تشاركية و الإدارة الذاتية للعمال .

باكونين و ماركس

إذا كان من الممكن تسمية أيا كان بمؤسس الحركة اللا سلطوية ( التحررية ) العالمية , فإن هذا الشخص هو ميخائيل باكونين . بينما اتفق باكونين مع الكثير من تحليل ماركس , فإنه انتقد برنامجه , لأن باكونين خشي من أنه سيؤدي إلى ظهور طبقة حاكمة جديدة . ستخلق هذه الطبقة من العمال الأفضل حالا و من مثقفي الطبقة الوسطى . الذين سيدعون تمثيل العمال و المضطهدين , لكنهم سيصبحون في الحقيقة حكاما جددا .

لقد حذر من أن “… الطبقة العليا , أرستقراطية العمال … هذه الطبقة البرجوازية جزئيا من العمال سوف تشكل , إذا شق الماركسيون طريقهم , ستشكل طبقتهم الحاكمة الرابعة …. العمال السابقون , الذين ما أن يصبحوا حكاما لممثلي الشعب , سيتوقفوا عن أن يكونوا عمالا و سينظروا إلى الجماهير العاملة العادية من ذرى ( أبراج ) حكم الدولة” ( باكونين , 1980 , ص 294 – 333 ) . مشيرا إلى إعلان ماركس “للاشتراكية العلمية” , عارض باكونين أيضا هيمنة المثقفين ذوي العقول العلمية , “إن حكم المجتمع الجديد من قبل العلماء الاشتراكيين – هو الأسوأ من بين كل الحكومات الاستبدادية” . ( المصدر السابق , ص 295 ) .

اعترف الماركسي ديفيد فيرنباخ أن باكونين كان معه بعض الحق . “إن تحذير باكونين من المخاطر الكامنة في استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية طرح أسئلة لم يحلها ماركس بشكل مرضي … إن باكونين , برغم كل أخطائه , كان واع مسبقا بالثورة … التي توجد فيها مشكلة حقيقية للبيروقراطية في المرحلة ما بعد الثورة …” ( فيرنباخ , 1974, ص 51 – 52 ) .

درێژه‌ی بابه‌ت…

anarkistan@activist.com بینێره‌ بۆ هاوه‌ڵه‌کانت | بۆچوون (0) | سه‌رنجی تۆ ؟

عن طبيعة الدول “الشيوعية” / تتمة 2

Wednesday 3 August 2011 18:57, نووسینی: ‌ KAF چینی: دیاری نه‌کراو

تتمة القسم الثانی

ما هي الدينامية الداخلية المفترضة للاقتصاديات اللا رأسمالية المزعومة ؟ لن تكون هناك كما يفترض علاقة رأس مال / عمال , و لا سوق داخلية , و لا قانون قيمة … الدافع الداخلي الوحيد كما يفترض هو رغبة الطبقة الحاكمة في زيادة الاستهلاك ( استهلاكها ) الشخصي . المصدر الوحيد للدينامية ( الحركية ) الاقتصادية يبدو أنه سيكون الضغط الخارجي , العسكري غالبا – تماما كما كان الحال في ظل الإقطاعية . كان على روسيا ستالين أن تصاب بالركود منذ البداية , بدلا من أن تبني مجتمعا صناعيا من خلال التراكم السريع ( حتى مع التسليم بركودها الذي حل في نهاية المطاف ) .

لو أن هذا النظام كان يعوزه ( ينقصه ) دينامية داخلية , لكان علينا أن نتوقع أنه كان سيستمر أكثر بكثير من الرأسمالية ( الشيء الذي اتضح أنه غير صحيح ) . على خلاف الرأسمالية , فإنه كما يفترض لا يوجد فيه تناقض داخلي قد يؤدي إلى الإطاحة به من قبل البروليتاريا . و أنه يتطلب ديكتاتورية قاسية , توليتارية , بسبب حالة الجماعية داخل طبقته الحاكمة . ما أن يغلق باب السجن على العمال , فإنه يغلق لسبب جيد . الرأسمالية , على الأقل , قادرة على أن تمتلك ديمقراطية محدودة ( برجوازية ) و حريات محدودة . لذلك , و بشكل منطقي , يجب اعتبار البيروقراطية الجماعية ( أو التنسيقية , أو أيا كانت ) على أنها أسوأ , أكثر رجعية , من الرأسمالية . تجازف الثورات بأن تستبدل الرأسمالية “الديمقراطية” بنظام بعد – رأسمالي رجعي كهذا . لذلك , من المنطقي , أنه يجب تجنب هذه الثورات على الإطلاق .

مع مرور الوقت , هذا ما انتهى إليه شاختمان . في نهاية المطاف أصبح هو و أتباعه من مؤيدي الإمبريالية الغربية , يدعمون غزو الولايات المتحدة لكوبا و الحرب في فيتنام . ( دراكر , 1999 ) . تأكيده على أهمية الديمقراطية أصبح دعما للديمقراطية الرأسمالية , مبررا للتخلي عن الاشتراكية في الممارسة . انفصل هال درابر عن شاختمان نحو اليسار , لكنه بقي يتبع ممارسة يسارية – إصلاحية . انتهى تياره , في الولايات المتحدة , بالمنظمة الاشتراكية الدولية و التضامن الوسطية ( نصف – الإصلاحية ) . بشكل مشابه , من بين منظري الباركون , أيد روبين هانل برنامجا إصلاحيا . ( هانل , 2005 , برايس , 2005 ) . أما مايكل ألبرت ( 2006 ) فقد دعا إلى “إصلاحات غير إصلاحية” , لكنه لم يدعم ثورة نهائية . أنا لا أقول أنه على مؤيدي نظرية طبقة حاكمة بيروقراطية جديدة , بشكل حتمي , أن يصبحوا إصلاحيين , أو ما هو أسوأ . لا يوجد تطابق واحد لواحد بين هذه النظرية و بين البرامج السياسية للأفراد . لكنني أعتقد أن هذه النظرية تدفع في ذلك الاتجاه . توفر هذه المجموعة من الآراء بصيرة هامة لكنها تحتوي على نقاط ضعف جدية .

نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/3063

عن طبيعة الدول “الشيوعية” /1

واين برايس
مقدمة المترجم

مقدمة المترجم

السطور التالية ليست موجهة لشيوعيين منظمين في أحزاب قائمة ( ستالينية غالبا ) و لا حتى لمن يعتبر نفسه يساريا أو ثوريا محترفا , إنها موجهة أساسا لكل من يناضل و يحلم بتغيير الواقع الذي يعيشه , إنها تحاول أن تشرح له باختصار ما ليس باشتراكية أو ما هو الشكل المزيف الذي وجد في الأمس من الاشتراكية و الذي لم يحقق انعتاق العمال بل خلق استغلال و تهميشا جديدا لهم , لكي يكون قادرا بشكل أفضل على تصور البديل الثوري الحقيقي عن الواقع الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي القائم و النضال في سبيله .
مازن كم الماز
—————————————————————————————————–
السبب الأكثر أهمية لدراسة طبيعة الاتحاد السوفيتي و الدول المماثلة له هو الضوء الذي تلقيه ( هذه الدراسة – المترجم ) على ما الذي نقصده من معاداة الرأسمالية و الاشتراكية . فإن اعتبارنا هذه الدول اشتراكية يحدد ما الذي نؤمن به كبديل عن الرأسمالية . هناك الكثير من الراديكاليين الذين ينجذبون إلى مثال الاتحاد السوفيتي أو الصين الماوية , الذين يعجبون بكوبا اليوم أو بالماويين النيباليين . على الجهة المقابلة ( الأخرى ) , كانت مؤسسات الرأسمالية الغربية سعيدة بالموافقة على أن الاتحاد السوفيتي , الصين , كوبا , الخ , أنها كانت ( و ما يزال بعضها ) “اشتراكيا” و “شيوعيا” . إنهم يقولون , قد تكون هناك أخطاء في الرأسمالية , لكن هذا هو البديل “اللا رأسمالي” الوحيد الذي وجد أو من الممكن أن يوجد .
هذه ثلاثة مقالات لواين برايس عن الطبيعة الحقيقية لهذه الدول .
نشرت هذه المقالات الثلاثة لأول مرة على موقع anarkismo.net على مدى ثلاثة شهور بقلم واين برايس عام 2006 .
القسم الأول
ما الذي نعنيه بمعاداة الرأسمالية ؟
إذا أراد المناهضون للرأسمالية بديلا عنها , فإننا نحتاج لدراسة طبيعة البلدان وفق نموذج ( مثال ) الاتحاد السوفيتي . هناك ثلاثة مجموعات من النظريات فيما يتعلق بهذه البلدان . إحدى هذه النظريات أن هذه المجتمعات هي اشتراكية أو أنها “دول عمالية” . سنقارن هذه بالأهداف التحررية الأصلية لاشتراكية من دون طبقات .
يسمي الكثير من الناشطين أنفسهم “معادين للرأسمالية” . لكن هذه التسمية سلبية , فما الذي نعنيه بهذا ؟ بما أن مناهضي الرأسمالية يرغبون بإيجاد بديل عن النظام الحالي , فمن الضروري دراسة طبيعة المجتمعات التي تزعم أنها قد حلت مكان الرأسمالية في وقت ما , أعني الاتحاد السوفيتي السابق و البلدان المماثلة له . هناك أدب يساري هائل عن هذا الموضوع . سعى كثير من الراديكاليين إلى تحليل البلدان التي حكمتها الأحزاب الشيوعية ( الماركسية – اللينينية ) , البلدان التي سمت نفسها “اشتراكية” و التي يسميها الكثير منا في أقصى اليسار “ستالينية” . لكن بالنسبة للكثير من الراديكاليين اليوم فإن هذا الجزء من النظرية يبدو قديما , كونه يدور حول بلد لم يعد موجودا منذ بعض الوقت . بين عامي 1989 و 1992 انحل الاتحاد السوفيتي و الحكومات الستالينية في أوروبا الشرقية , نتيجة مزيج من الثورات الشعبية و مناورة أقسام من البيروقراطية الحاكمة . لذلك يستنتج الكثيرون أن دراسة طبيعة هذه الدول لم تعد ذات صلة ( مهمة ) اليوم .
إنني أختلف بقوة مع موقف عدم الاهتمام هذا ( مع موقف اللامبالاة هذا ) . لسبب واحد , هو أن الأنظمة التي حكمها و يحكمها الحزب الشيوعي تستمر بلعب دور هام في العالم . شعب الصين الضخم يؤثر في الاقتصاد و في السياسة و التوازن العالميين اليوم . ما تزال هناك عدة بلدان آسيوية صغيرة ذات حكومات تنتمي إلى الحزب الشيوعي . تشمل هذه كوريا الشمالية التي يؤثر تسليحها النووي على التوترات الدولية . و تستمر الحكومة الكوبية بلعب دور كبير في الشؤون الأمريكية اللاتينية , متحالفة على الخصوص مع النظام الفينزويلي لهوغو تشافيز . تحافظ منظمة فارك الماركسية – اللينينية على دولة داخل الدولة في كولومبيا . و هي هدف متزايد لتدخل الولايات المتحدة . و ينجذب كثير من الراديكاليين إلى التمرد الماوي في نيبال الذي يملك فرصة للوصول إلى السلطة . و أخيرا , لفهم العالم , من الضروري فهم الذي يجري في الدول التي خلفت الاتحاد السوفيتي , مثل روسيا , أوكرانيا , كازاخستان , الخ , إضافة إلى ما يجري في الدول الأوروبية الشرقية الجديدة . لا يمكن فعل ذلك دون فهم تاريخها القريب , و النظام الذي عاشت في ظله قبل عدة سنوات فقط . لكن السبب الأكثر أهمية بالنسبة لي لدراسة طبيعة الاتحاد السوفيتي و الدول المماثلة له هو الضوء الذي تلقيه مثل هذه الدراسة على ما نعنيه بمعاداة الرأسمالية و بالاشتراكية . يحدد ما إذا كنا نعتبر هذه الدول اشتراكية ما الذي نعتقد أنه بديل عن الرأسمالية . هناك عدد كبير من الراديكاليين الذين ينجذبون إلى مثال الاتحاد السوفيتي السابق أو الصين الماوية , أو المعجبين بكوبا اليوم أو بالماويين النيباليين . إنهم يريدون تشكيل عالم تكون فيه كل البلدان مثل كوبا تقريبا , بما في ذلك أمريكا الشمالية و أوروبا . إنهم يصفون الاتحاد السوفيتي و كوبا “بالاشتراكية القائمة بالفعل” . أي أنه إذا كنت تريد الاشتراكية , فهذه هي الاشتراكية التي وجدت بالفعل , سواء أحببتها كما هي أم لا , لذلك من الأفضل على مناهضي الرأسمالية أن يقبلوا بها .
على الجهة المعاكسة , كانت مؤسسات الرأسمالية الغربية سعيدة بأن تقبل أن الاتحاد السوفيتي , الصين , كوبا , الخ , كانت أو ما تزال “اشتراكية” و “شيوعية” . إنهم يقولون قد تكون هناك أخطاء في الرأسمالية , لكن هذا هو البديل الوحيد “اللا رأسمالي” الذي وجد أو يمكن أن يوجد . هذه الدول الكريهة , التوليتارية , الستالينية , هي الاشتراكية الوحيدة التي يمكن أن توجد على الإطلاق . لذا على كل شخص أن يقبل الرأسمالية , كما يعلنون .
( إنني أسمي هذه الأنظمة “ستالينية” . لكن هذا لا ينفي أن لينين و تروتسكي قد وضعا الأساس لتوليتارية ستالين . و لا أنكر أنه كانت هناك تغيرات هامة في هذه البلدان بعد موت ستالين . لكني أعتقد أن هذا النظام قد تعزز تحت حكم ستالين , عندما تم القضاء على البقايا الأخيرة من الثورة الروسية , و جرت إبادة عشرات ملايين العمال و الفلاحين , و جرى تثبيت الطبقة البيروقراطية الحاكمة الجديدة . لقد أصبحت التوليتارية الروسية برنامج كل الأحزاب الشيوعية , كما هي التوليتارية الصينية . لذلك فإن الستالينية هي وصف مناسب ) .
هناك تيارات أخرى بين الراديكاليين , خاصة بين التحرريين , ترفض شعارات الاشتراكية , و الشيوعية , و اليسار . بالنسبة لهم ليست هناك مشكلة إذا تم تعريف ( تحديد ) هوية نظام الاتحاد السوفيتي مع الاشتراكية . إنهم يتفقون مع هذا التوصيف . لن أذهب بعيدا مع تلك التيارات الآن , فقط سأشير إلى أنها لا ترفض بالنتيجة اشتراكية الدولة ( الاشتراكية الدولتية نسبة للدولة ) فقط بل كل المشروع الاشتراكي .
تاريخيا اعتبر التحرريون أنفسهم جزءا من اليسار – اليسار الأقصى لليسار , أي الأكثر معارضة بين أولئك الذين يعارضون الرأسمالية و الدولة . عدوا أنفسهم على أنهم الجزء الأقصى من الحركة الاشتراكية . في مقاله الشهير عن “اللاسلطوية” ( الأناركية ) للموسوعة البريطانية , كتب كروبوتكين “يعتبر اللاسلطويون ( التحرريون , الأناركيون ) , بالاشتراك مع كل الاشتراكيين , الذين يشكلون الجناح اليساري … نظام العمل المأجور و الإنتاج الرأسمالي معا عقبة في طريق التقدم” . ( 1975 , ص 109 ) .
التيار الذي أعتبر أنه يشكل هويتي هو اللاسلطوية ( التحررية , الأناركية ) الثورية , المؤمنة بالصراع الطبقي و بالتنظيم . إننا نعني من “معاداة الرأسمالية” الاشتراكية التحررية و الشيوعية الأصيلة . إننا ننادي باستبدال الرأسمالية بشبكة تعاونية من اتحادات و كومونات المنتجين و المستهلكين المنظمة ذاتيا , و التي ستنتج من أجل الاستهلاك ( الاستخدام ) لا من أجل الربح . و سيجري تخطيطها بشكل ديمقراطي من الأسفل إلى الأعلى . سيجري تنظيم المجتمع من خلال هذه الاتحادات و الكومونات , بفيدرالية مجالس أماكن العمل و المجتمع . و سيجري استبدال البوليس و الجيش بميليشيا شعبية , طالما بقيت الحاجة لها .
“مكان المجتمع البرجوازي القديم , بطبقاته وتناقضاته الطبقية , سيكون لدينا اتحادا , سيكون فيه التطور الحر لكل فرد هو الشرط للتطور الحر للجميع” . هذه هي الأهداف المعلنة للبيان الشيوعي لماركس و أنجلز , المنعكسة في الاتجاه الإنساني , التحرري داخل الماركسية و في اللا سلطوية ( التحررية ) الثورية . هل لبت ( أو حققت ) الأنظمة الستالينية هذه الأهداف ؟ هل كانت حتى تسير في ذلك الاتجاه ؟ إذا كان الجواب لا , فما الذي يعنيه إذن أن نسميها “اشتراكية” ؟ هذه هي الأسئلة التي سأناقشها في سلسلة من ثلاثة أجزاء .
النظريات الثلاثة عن الستالينية
في اليسار , يمكن تقسيم النظريات عن طبيعة الاتحاد السوفيتي إلى ثلاثة اتجاهات .
إحداها ( و هي التي سندرسها في هذا الجزء ) هي أنها شكل من أشكال الاشتراكية , أو تتجه نحو الاشتراكية , أو أنها مجتمع “بعد رأسمالي” . اعتبر تروتسكي الاتحاد السوفيتي تحت ستالين “دولة عمالية مصابة بالانحطاط” . بعد الحرب العالمية الثانية سمى أنصاره الأرثوذوكسيون ( التقليديون ) الدول الستالينية الجديدة “دول عمالية مشوهة” ( حيث أنها لا يمكن أن تتعرض للانحطاط دون أن تقوم فيها ثورات عمالية فعلية و لكن معظم هؤلاء المنظرين اعتبروا كوبا “دولة عمالية سليمة” ) . بأي حال ( في كل الأحوال ) , اعتبرت هذه النظريات النظام الستاليني أفضل ( أكثر “تقدمية” ) من الرأسمالية .
مجموعة ثانية من النظريات اعتبرت الستالينية نوعا جديدا , ثالثا , من المجتمعات الطبقية . إنها , كما يزعمون , ليست اشتراكية و لا رأسمالية . كانت البيروقراطية طبقة حاكمة جديدة تدير اقتصادا مؤمما و قد جرت جمعنته . كانت تستغل العمال بطريقة ما . هذا النظام ليس أفضل من الرأسمالية و ربما كان أسوأ . هذه النظرية ( التي تسمى “الجماعية البيروقراطية” ) طورها بعض التروتسكيين المنشقين . نسخة منها طورها منظرو “الباركون” ( الاقتصاد التشاركي لمايكل ألبرت و ) .
المجموعة الثالثة من النظريات تعتبر هذا النظام على أنه نوع من الرأسمالية , رغم فروقه الظاهرية عن الرأسمالية التقليدية . يسمى هذا النظام عادة “رأسمالية الدولة” . يعود هذا المفهوم إلى أعمال ماركس و أنجلز . و قد طوره على الأغلب تروتسكيون منشقون لكن اللاسلطويين ( التحرريين ) استخدموه أيضا . برأيي إن هذا هو أفضل تحليل لهذا النظام .
هل كان الاتحاد السوفيتي اشتراكيا ؟
أن نسمي الاتحاد السوفيتي اشتراكيا قد تكون مسألة ( قضية , مشكلة ) تعريف . إذا أراد الناس أن يعرفوا الاشتراكية بأنها الصناعة المملوكة للحكومة – الذي قد يكون ما يقصده معظمهم من “الاشتراكية” – فعندها تكون البلدان الستالينية اشتراكية بالفعل . لا يمكنني أن أثبت أن هذا التعريف “غير صحيح” . لكن الماركسية التي يزعم مؤيدو هذا النظام أنهم يتبعونها تصف الاشتراكية بطريقة مختلفة ( على الأقل هذا ما تفعله ماركسية ماركس ) . إنها تلح على التحليل الطبقي لكل مجتمع . في نفس القسم من البيان الشيوعي الذي اقتبسته سابقا , يصرح ماركس و أنجلز بأن “.. الخطوة الأولى في الثورة من قبل الطبقة العاملة هي أن تنهض البروليتاريا إلى موقع طبقة حاكمة , لكي تقيم الديمقراطية … الدولة , أو البروليتاريا المنظمة كطبقة حاكمة … عندما في سياق التطور , تختفي التباينات الطبقية … و ستفقد السلطة الشعبية طابعها السياسي” . ( 1955 , ص 31 – 32 ) .
أي أنه , بالنسبة لماركس , ستقوم الطبقة العاملة و حلفاؤها ( الفلاحون , النساء , الخ ) بالاستيلاء على المجتمع و ستؤسس ديمقراطية , أو “دولة” التي هي ليست إلا الطبقة العاملة المنظمة ذاتيا . و ستتقدم ( بسرعة أو ببطء ) لتنهي كل التباينات الطبقية و الدولة نفسها . ( يعتقد الماركسيون التحرريون أن ماركس قد أصبح حتى أكثر عداءا للدولة بعد كومونة باريس ) . أنا لا أناقش هنا صحة الماركسية التحررية ( الداعية للاستقلال الذاتي ) ( التيار التحرري من الماركسية الذي دعا إلى الاستقلال الذاتي للعمال , انطونيو نيغري مثلا و روزا لوكسمبورغ – المترجم ) , فقط أشير إلى تداخلها مع لا سلطوية ( تحررية ) الصراع الطبقي في المشروع الاشتراكي .
من الواضح أن الدول وفق نموذج الاتحاد السوفيتي لم تلب هذا المعيار الطبقي . هناك ( كانت هناك ) بيروقراطية من السادة في الأعلى , تقرر كل شيء و تتخذ القرارات . كانت الدولة هي البيروقراطية “المنظمة كطبقة حاكمة” ( و ليست الطبقة العاملة ) . في الاقتصاد المخطط , كانوا هم من يقوم بالتخطيط . كان العمال في القاع , يتلقون الأوامر , و يفعلون ما يطلب منهم , و يقاومون حيث يمكنهم ذلك – تماما كما كان عليه الحال في ظل الرأسمالية . كان هناك نظام هائل من القمع البوليسي . سمح فقط بحزب واحد , منعت كل الأحزاب الأخرى , حتى الأحزاب الاشتراكية . لم يسمح بأية مؤتمرات للمعارضة داخل الحزب الواحد أيضا . التنظيم لصالح آراء أخرى , مثل اللاسلطوية , كوفئ ( عوقب ) بالسجن , بمعسكرات العمل الإلزامي , مشافي الأمراض العقلية , أو الموت . حظرت النقابات المستقلة أو الإضرابات . لذلك لم يكن أمام الشغيلة أي خيار أو أي طريقة للتحكم في “قادتهم” .
مؤيدو النظام الستاليني يعرفون هذا بالطبع . بالكاد يمكنهم إنكار أن الاتحاد السوفيتي يومذاك و كوبا اليوم هي ديكتاتوريات الحزب الواحد . يمكنهم فقط أن يدافعوا عن أنها ديكتاتوريات جيدة ( خيرة ) , و جيدة للعمال خاصة . يمكنهم الإشارة إلى جمعيات العمال المتخيلة أو الحقيقية في المستوى الأدنى , على سبيل المثال ( حيث يمكن للعمال أن يقرروا كيف ينفذون الجزء الخاص بهم من الخطط التي توضع في مكان آخر من قبل آخرين ) . تتم الإجابة عادة على الانتقادات لديكتاتوريات الحزب الواحد بتغيير الموضوع , بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة , رغم كل شيء , بنظامها ثنائي الأحزاب هي في الواقع ديكتاتورية كبار الرأسماليين (هذا صحيح و لكن لا علاقة له بالنقد الموجه للستالينية ) .
في الواقع , لقد فرضت هذه الديكتاتوريات الجيدة ( الخيرة ) كما يفترض بواسطة الإرهاب الشديد . من الممكن أن يكون 20 مليون عامل و فلاح قد قتلوا ( أو ماتوا ) تحت حكم ستالين لغرض تثبيت البيروقراطية . ملايين أكثر ماتوا تحت حكم ماو , أثناء القفزة الكبرى للأمام و أثناء الثورة الثقافية . في كمبوديا أباد بول بوت ربع السكان . خاطر الآلاف بحياتهم و هم يفرون من فيتنام , كوريا الشمالية , التيبيت , و كوبا . حتى أقل الأنظمة عنفا , مثل النظام الكوبي , تدعمها قوى هائلة من البوليس و لديها عدد كبير من المسجونين السياسيين .
من الواضح أنه و لا في أي من هذه الدول كانت البروليتاريا في موقع الطبقة الحاكمة , أو على الطريق نحو إلغاء كل التباينات الطبقية و الدولة . هنا أكثر الأنظمة قمعا على وجه الأرض , دول مشابهة في بنيتها لألمانيا النازية , تخفي نفسها كتجسيد لأكثر المثل تقدما , تحررية , و اشتراكية ! هذا مقرف , رغم أنه ليس من دون منطقه الخاص . ما هو مثير للقرف بشكل خاص هو أن كثير من الراديكاليين يسمحون لأنفسهم بأن يفروا بفعلتهم هذه , سواء بدعم هذه الدول أو برفض مثال الاشتراكية . ( لأية درجة قادت الماركسية نفسها إلى استبداد كهذا , أي ما هي الجوانب التسلطية ( أو السلطوية ) في الماركسية , هذا نقاش آخر ) .
المثير للاستغراب أيضا هو عدد الراديكاليين ذوي النوايا الطيبة الذين تأثروا بماويي نيبال . لقد جاءت الستينيات و السبعينيات و ذهبت . لقد رأينا هذا الفيلم من قبل . إننا نعرف – أو يجب أن نعرف – ما الذي سينتج عن هذا . إننا نعرف ما الذي يحدث عندما تصل إلى السلطة حركات ذات قادة ماركسيين – لينينيين ( ستالينيين ) أو قوميين راديكاليين . لن تكون النتيجة أبدا حكم الشغيلة الديمقراطي .
الدفاع عن الستالينية
يجادل التبريريون أن هذه المجتمعات كانت جيدة للطبقة العاملة , و لذلك فقد حكمها العمال , حتى لو أنهم لم يحكموها ( بالفعل ) . يشير هؤلاء المؤيدون إلى أنه كان هناك في الاتحاد السوفيتي تشغيل كامل للعمالة , سكن مؤمن , و رعاية صحية شاملة . هذا بالمقارنة مع البطالة و زيادة بؤس الشعب الروسي اليوم . دفاع مشابه يقال عن الصين , التي كان فيها ذات يوم “طاسة الرز الحديدية” , التي ضمنت العمل و الطعام لجميع الصينيين . جرى التخلي عن هذه “الطاسة” من قبل القيادة الحالية ( رغم أن القيادة بقيت بيد الحزب الشيوعي , الذي يصرح أن الماركسية – اللينينية هي إيديولوجيته , و يحتفظ بقدر هائل من الملكية المؤممة – الأمر الذي يجعل كل الموضوع مشوشا ) . أشياء مشابهة تقال عن الرعاية الصحية و التغطية الطبية في كوبا . معظم هذا كله صحيح – حتى لو كانت الوظائف , و الرعاية الصحية , و المساكن في الاتحاد السوفيتي من نوعية منخفضة إلى حد ما في الواقع .
إن كل طبقة حاكمة تعقد صفقة .. مع شغيلتها : إذا سمحتم لنا بالحكم , دون تمرد , فسنعطيكم بعض المنافع و الحقوق , لنجعل الحياة ممكنة الحياة بالنسبة لكم . في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا , تحصل البرجوازية العليا على ثروة أبعد من أحلام أباطرة و فراعنة العالم القديم . إنهم يديرون المجتمع بما فيه مصلحتهم . بالمقابل , فقد وفروا لأغلب العمال الأمريكان ( البيض على أي حال ) مستوى حياة مرتفع نسبيا , أفضل مما عاشه آباؤهم , مع مستوى معقول من الديمقراطية و الحرية السياسية . في هذه المرحلة , يجري تفكيك هذه الصفقة ( تطبيق السياسات النيوليبرالية – المترجم ) , مع تخفيض مستوى الحياة و الحرية . لذا يمكن التنبؤ بتصاعد السخط و روح الثورة .
في الدول التي حكمها الشيوعيون , كانت هذه الصفقة أن يحصل العمال على تشغيل كامل , و على السكن , و الرعاية الصحية , و التعليم , الخ . هذا لم يكن جيدا بنفس الدرجة التي وفرتها الديمقراطيات الاشتراكية الاسكندينافية ( في ظل الرأسمالية الخاصة ) , لكنها كانت ما تزال لائقة , أخذا بالاعتبار مستوى الإنتاجية المنخفض فيها . بالمقابل , كانت البيروقراطية تحصل على سلطة غير محدودة و ثروات هائلة للطبقة العليا ( التي عاشت بشكل أفضل بكثير من العمال في الأسفل ) . هذا لا يعني أن العمال قد حكموا الاتحاد السوفيتي أو أنهم يحكمون كوبا , أكثر مما يحكم العمال الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الاسكندينافية . لقد كانت تلك صفقة طبقية فقط .
بانهيار الاتحاد السوفيتي و الدول الأوروبية الشرقية , أمل العمال أنهم سيحصلون على نفس الصفقة الموجودة في الدول الاسكندينافية أو على الأقل أوروبا الغربية : لنقل ألمانيا أو فرنسا . عوضا عن ذلك عوملوا كما لو أنهم يعيشون في أفريقيا أو أفقر مناطق آسيا . تحول البيروقراطيون القدامى إلى برجوازية أصبحت مفرطة الثراء بينما حصل العمال و المزارعون على منافع أقل بكثير بدلا من تلك التي فقدوها . حصلوا غالبا على زيادة في الحرية السياسية ( و ليس الكثير من هذا أيضا ) , هذا شيء جيد لكنه شيء لا يمكن أكله . ينظر الكثير بشكل طبيعي إلى الوراء إلى الصفقة القديمة بتوق شديد , على الأقل كان هناك وظائف و طعام . لكن هذا لا يثبت أن الاتحاد السوفيتي كان سوى دولة استغلالية منقسمة طبقيا و توليتارية . و لا يمكن لكل التعليم و التغطية الطبية في كوبا , مهما كانت قيمتها , أن تجعل من الدولة ديمقراطية عمالية أو من كاسترو إلا ديكتاتورا .
إن الصفقات الطبقية لا تكفي . المشكلة هي أن معاييرنا منخفضة جدا . هناك حاجة لأكثر بكثير من مدارس لائقة للأطفال و تغطية طبية جيدة على المستوى العالمي إذا كان على الجنس البشري أن يتجنب التدمير بالحرب النووية أو الكارثة البيئية . ما نحتاجه هو رؤية طالب بها الاشتراكيون الطوباويون , و الماركسيون الأصليون , و اللا سلطويون ( التحرريون ) . لا يمكن لأي شيء آخر أن ينجح .
حكم العمال يجب أن يكون ديمقراطيا
يشير التروتسكيون و غيرهم إلى أنه يمكن إدارة الرأسمالية عبر دولة برجوازية ديمقراطية لكن يمكن أيضا أن تعمل تحت أشكال مختلفة من الديكتاتورية , مثل الملكية , الدول البوليسية , أو الفاشية . إنهم يجادلون , أنه بشكل مشابه , يمكن للطبقة العاملة أن تحكم ( و هذا هو بداية الاشتراكية ) من خلال ديمقراطية بروليتارية , مثل كومونة باريس أو السوفيتيات الأصلية , لكن يمكنها أيضا أن تعمل تحت الديكتاتورية . ستالين , ماو , كيم إيل سونغ , و كاسترو , جميعهم يفترض أنهم حكموا “دولا عمالية” , ليست بنفس جودة نظام الكومونة , لا شك , لكنها ما تزال تحافظ على سلطة الطبقة العاملة , و إن بشكل غير مباشر . هكذا يجادلون .
لكن التشبيه بين الرأسمالية و حكم الطبقة العاملة لا يصمد . يحكم الرأسماليون العمال بشكل أساسي من خلال السوق . ما يريدونه من الدولة هو أن تحمي السوق , و أن تفرض العقود , و أن تقمع العمال , و بعض التنظيم و التدخل الاقتصادي لتبقي السوق في تقدم مستمر . هذا يمكن القيام به بأفضل ما يمكن من خلال ديمقراطية رأسمالية , لكنها ليست مشكلة كبرى إذا قام بهذه المهام شكل ما من الديكتاتورية . لم تقلل ألمانيا النازية و لا تشيلي بينوشيت من الأرباح الرأسمالية – على العكس تماما .
على عكس الرأسماليين ( أو بقية الطبقات الحاكمة الأخرى , مثل اللوردات الإقطاعيين أو مالكي العبيد ) , فإن العمال اليوم لا يملكون وسائل الإنتاج ملكية خاصة . يتعاون العمال المعاصرون في عملية الإنتاج , في مكان العمل و في المجتمع ككل . إذا أراد العمال أن يديروا الصناعة , فيجب عليهم أن يفعلوا ذلك بشكل تعاوني و جماعي . على عكس الرأسماليين , لا يمكنهم أن يعتمدوا على عمليات أتوماتيكية ( آلية ) , مثل “اليد الخفية” للسوق . يجب أن يتخذوا قرارات واعية حول كيف يمكن إدارة الاقتصاد ( و أي شيء آخر ) . يجب أن ينخرطوا في تخطيط ديمقراطي , و هي مسألة اتخاذ قرارات مدروسة , واعية و جماعية . إذا أرادت الطبقة العاملة و المضطهدون أن يحكموا , و أن يطوروا مجتمعا دون طبقات , دون اضطهاد , يجب أن يفعلوا ذلك من خلال أكثر الديمقراطيات راديكالية ,و كمالا , و مشاركة . لا يمكن تحقيق ذلك من خلال أي نوع من حكم النخبة , ناهيك عن الديكتاتورية , سواء من فرد واحد أو من حزب طليعي . لم يفهم البلاشفة هذا أبدا , و اللينينيون المعاصرون لا يفهموه الآن أيضا .
هناك مشكلة مماثلة في تشبيه تروتسكي بين “دولة عمال” ستالين و بين النقابة العمالية البيروقراطية التي تقودها عصابة . كلاهما , كما يقول , هي مؤسسات عمالية , تهيمن عليها قوى غير ديمقراطية , أو عملاء داخليون لرأس المال . و كما هو الحال مع النقابة السيئة , يجب الدفاع عن الدولة الستالينية ضد الرأسماليين و الدول الرأسمالية , بينما يحاول العمال أن يستعيدوها . هذا التشبيه لا يصمد أيضا . حتى النقابة العمالية البيروقراطية ما تزال توفر بعض الحماية للعمال ضد السادة . لكن الدول الستالينية استغلت العمال و اضطهدتهم مباشرة . إنها تشبه السادة الرأسماليين , لا النقابات العمالية .
ليس الاتحاد السوفيتي و أسلافه ( سلالته ) دولا عمالية , ولا بعد رأسمالية , و لا اشتراكية , أو تتجه نحو الاشتراكية . إنها دول توليتارية ذات طبقة حاكمة بيروقراطية و طبقة عمالية مستغلة . إنها ليست بدائل عن الرأسمالية . يجب أن تتضمن معاداة الرأسمالية التسيير الذاتي الأكثر ديمقراطية , كما في التقليد ( الإرث ) الاشتراكي التحرري , أو أنه سيحكم عليها بالفشل ( كما جرى بالفعل – المترجم ) .
نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/2925