الأحد، 27 فبراير 2011

هل ستسلم الثورة نفسها للسياسيين (الجزء الثاني)


محمد المثلوثي
الحوار المتمدن - العدد: 3290 - 2011 / 2 / 27
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

إن بحثنا في عناصر الضعف العميقة للموجة الثورية الحالية ليس منطلقه الوعظ أو تقديم الوصفات السحرية للانتصار أو بناء لنموذج خيالي جاهز للتطبيق، بل هو في الواقع رصد للمسار الثوري نفسه كما هو متحقق ومحاولة لكشف بعض عناصر قوته وعناصر ضعفه.
لن ندخل في هذا المبحث إلى الجدال الدائر حول طبيعة هذه الحركة إن كانت ثورة فعلية أم هي مجرد انتفاضة باعتبار وأن الأحداث نفسها مازالت لم تجب عن هذا السؤال بشكل عملي حاسم ولن يفيد كثيرا الدخول في تأملات ذهنية محضة تتعلق بالمستقبل. لكن من المهم أن نلفت الانتباه كون الخطاب الذي يتعمد إبراز هذه الحركة كثورة متحققة ومنجزة، أو أنها ثورة لم يتبقى من أهدافها غير بعض التعديلات هنا أو هناك في شكل الدولة، إنما هو خطاب يستهدف إيقاف المسار الثوري عند حدوده الراهنة، أو هو يحاول حرف هذا المسار صوب الإصلاحات السياسية الفوقية بما يحافظ على الأساس العام للنظام الاقتصادي والاجتماعي القائم. فمن الطبيعي أن شرائح عديدة من البورجوازية والبورجوازية الصغيرة تجد نفسها قد حققت جزء عظيما من أهدافها، ولم يبقى بالنسبة لها سوى الترتيبات السياسية لإعادة بناء الدولة بما يضمن شرعيتها وقبولها من طرف الجمهور بما يسمح بعودة الحياة العادية بعد أن تكون قد تخلصت من الشرائح البورجوازية التي كانت تحتكر الهيمنة الطبقية ممثلة خاصة في العائلة المالكة وملاحقها مما يسمى برموز النظام السابق، وضمان إدارة طبقية جديدة تجمع بين الحرية الاقتصادية والشفافية ومحاربة الفساد وبين الحرية السياسية للأحزاب والإصلاحات الديمقراطية التي تسمح بالتداول السلمي على السلطة ومنع احتكارها من طرف فئة بورجوازية ضيقة. فبالنسبة لهذه الشرائح من الطبيعي أن خطابها يتمحور أساسا إما حول بث الدعاية حول الثورة العظيمة ومنجزاتها التاريخية وتمجيد بطولاتها وضروة الحفاظ على مكاسبها وعدم الدخول في الفوضى، وترك المجال للحكومة لإدارة أعمالها في انتظار إجراء انتخابات ديمقراطية شفافة، وإما التركيز على ما يسمى المطالب السياسية وإدانة أي تحرك للكادحين يواجه مطالبهم الاجتماعية الملحة بدعوى أن ذلك سيهمش المطالب السياسية. وهذا الخطاب بكل تلويناته البورجوازية والبورجوازية الصغيرة، وبقدر تمجيده الشاعري للثورة، بقدر محاولته لجم جموحها وترويضها في الحدود الإصلاحية لهذا النظام البائس.
لكن وفي مقابل هذا الخطاب التضليلي حول الثورة المكتملة العناصر والأهداف، فان الخطاب الذي يصف الحركة بكونها مجرد انتفاضة، وبرغم أنه ينطلق من معطيات فعلية تتعلق بكون هذه الثورة في لحظتها الراهنة لم تبادر فعليا إلى الذهاب أشواطا بعيدة في وضع أسلوب الإنتاج موضع السؤال العملي، فانه يستبطن احتقارا للمبادرات العظيمة التي قامت بها الجماهير، ليخفي الطبيعة الحقيقة لهذه الحركة، بحيث يخرج بخلاصة كون ما يحدث لا يتعلق مطلقا بهبة ثورية على أسلوب الإنتاج، ولو في حدود مازالت جنينية وبمظاهر مشتتة وغير منتظمة، بل بمجرد انتفاضة ضد الديكتاتورية المطلقة، أو من أجل المطالبة بالشغل والزيادة في الأجور..الخ. وهذا الخطاب في أغلبه ينطلق من عناصر الضعف في الحركة (شعاراتها، اليافطات السياسية التي ترفعها، ضعف الفرز الطبقي داخلها..) ليخلص لكون الجماهير عاجزة عن تطوير نضالاتها نحو أهدافها الثورية الجذرية بدون وجود نخبة مثقفة في قيادتها، أو بدون ما يسمى بالطليعة الثورية أو الحزب الثوري القائد. فبالنسبة لهؤلاء فان الثورة غير ممكنة بدون اكتمال عناصر وعيها المسبق في أذهان القادة والزعماء، وبدون أن تسير وفق النموذج النظري الذي ترسمه هيئة أركان عليا، وبدون انتشار العقيدة الماركسية
أو اللينينية أو الماوية أو التروتسكية في أوساط الجمهور المنتفض، وبدون أن يرفع الناس الشعارات الجاهزة المعدة سلفا من طرف دستة من الأذكياء والعباقرة. وحالما تخرج الحركة عن هذا النموذج فانه يتم وصفها بالعفوية وانسداد الأفق، بما يقود إلى وصفها بمجرد انتفاضة، وكأنها حادث عارض محكوم بالهزيمة مسبقا بما أنه يفتقد لما يسمونه بالعامل الذاتي، والذي لا يعني سوى وجود تلك النخبة التي يمكنها تسيير العالم بعصا سحرية، وعبر مراحل مرسومة سلفا، نحو الخلاص النهائ
إن حركة الشغيلة سواء في تونس أو في غيرها من بلدان العالم لا يمكن فهمها إلا في حقيقتها الفعلية كرد فعل طبيعي على الأزمة العالمية للرأسمالية وما تسببت فيه من كوارث اجتماعية ليس أقلها اتساع رقعة البطالة وانخفاض المقدرة الشرائية للعمال وتدهور الوضع المعيشي والبيئي والصحي للقسم الأعظم من البشرية. وان التناقض المميز للرأسمالية الذي يزداد احتدادا بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الفردي لتملك وسائل الإنتاج من طرف قلة صغيرة من المستكرشين لا يمكن له إلا أن يجد تعبيره في تصادم جمهور الكادحين مع أجهزة الدولة الديكتاتورية منها والديمقراطية. فمن هذه الزاوية فقط يمكن تحديد طابع هذه الموجة الثورية التي تزداد امتدادا وتوسعا كما تحديد أهدافها التاريخية الفعلية بغض النظر عن ظروف تطورها الحالي والدرجة التي وصلت إليها من النضج. فما تصوره وسائل الإعلام البورجوازية على أنه "حراك ديمقراطي في البلدان المتخلفة" أو "نضال شعبي ضد ديكتاتورية بن علي ومبارك والقذافي..الخ" أو "احتجاج من أجل تنمية عادلة " أو "ثورة الكرامة ومن أجل الحداثة والتقدم" ما هو في الحقيقة سوى هبة ثورية للشغيلة ضد نظام اقتصادي واجتماعي يدفعها إلى حضيض العبودية. فالرأسمالية بتنميتها وتقدمها وحداثتها أثبتت بنفسها أنها لا يمكن لها أن تقدم للبشرية سوى مزيد من الأزمات المستعصية ومزيدا من التفاوت الطبقي واختلال التوازن سواء بين الدول أو بين المناطق وحتى بين القطاعات. كما أن ديمقراطيتها قد واجهت الشغيلة في اليونان وفرنسا بالحديد والنار واستعمال قوانين الطوارئ ومنع الإضرابات، وهي تدفع آلافا مؤلفة في مراكزها الصناعية الكبيرة في أمريكا والهند والصين إلى أقصى أشكال الفقر والتهميش والتسول والتشريد من المنازل. وان هذا الواقع المهين الذي تعيشه الأغلبية العظمى من البشرية في ظل الرأسمالية يدفع الفقراء في كل أصقاع الأرض إلى النهوض ضد ظروف استلابهم وتجويعهم، كما يدفعهم إلى اكتشاف وحدة أهدافهم الأممية وضرورة تضامنهم العالمي في مواجهة التضامن العالمي بين البورجوازيين الذين يمدون العون لبعضهم البعض لكبح جماح حركة الشغيلة ومنع تطور لهيب هذه الانتفاضات إلى ثورة أممية تعصف بالنظام الرأسمالي برمته وتعيد طرح السؤال العملي لاستبدال أسلوب الإنتاج السائد القائم على الاستغلال الطبقي واستثمار إنتاج المجتمع من طرف زمرة قليلة من الطفيليين البورجوازيين بأسلوب اجتماعي يقضي على الطبقات ويقيم الإنتاج التعاوني بين المنتجين الأحرار.
وإذا كان نضال البروليتاريا ضد شروط استعبادها ينطلق ضمن الحدود الوطنية فان الأساس الواقعي لتطور هذا النضال ووضوح أهدافه لا يتعلق بوجود حزب ثوري أو طليعة مثقفة تقود العامة من الجهلة، بل بتوسع رقعة الموجة الثورية ووصولها إلى المستوى الأممي. فبدون توسع هذه الموجة الاحتجاجية لتشمل قسما كبيرا من البلدان وخاصة المراكز الحيوية الكبيرة للرأسمال فإنها ستجد نفسها تتقوقع شيئا فشيئا على نفسها وستسمح للقوى الرأسمالية العالمية الكبرى بإدارة الصراع وتطويقه ومساعدة الحكومات المحلية على الالتفاف على الثورة والاستفراد بها في كل بلد على حدة. ولعل ما نلاحظه اليوم من تهافت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية بما هي القوى الرأسمالية الأعظم على حبك سيناريوهات "التحول الديمقراطي" و"الانتقال السلمي للسلطة" وتقديمها للدعم المالي والاقتصادي للأنظمة القائمة يمثل في الواقع حقيقة وحدة الطبقة البورجوازية على المستوى العالمي عندما يتعلق الأمر بمواجهة الثورة البروليتارية. وهذا ما يجعل من التجسيد الفعلي للتضامن العمالي الأممي شرطا حاسما في تواصل المسار الثوري. ولعل عناصر الضعف التي يمكن لها أن تظهر في الحركة ليست شيئا آخر غير التعبير عن عدم التوازن في تطور هذه الحركة والبطء في اكتساحها الأممي. فبقدر توسع الحركة يمكن للأهداف التاريخية للبروليتاريا أن تظهر على السطح أكثر فأكثر، ويبرز الاستقطاب الطبقي الثنائي وحقيقة المصالح الاجتماعية المتناقضة بين الشغيلة والبورجوازية. وبقدر تأخر هذا الامتداد أو تعطله فان الأهداف الاجتماعية للثورة تخبو شيئا فشيئا لتترك المجال للإصلاحات السياسية التي يقترحها الزعماء والساسة والأحزاب.
إن البورجوازية العالمية تسعى بكل جهدها إلى تقسيم طبقة الشغيلة سواء من خلال التقسيمات الجهوية والعشائرية والطائفية والدينية والعرقية والقومية..الخ، أو من خلال بث الوهم في أن أهداف البروليتاريا تختلف من بلد إلى آخر. ففيما يتم وصف حركة العمال في البلدان "المتخلفة" بكونها تستهدف الانتقال الديمقراطي والقضاء على الديكتاتوريات، يتم اعتبار هذه الحركة في الدول "المتقدمة" كونها حركة من "أجل الحفاظ على المكاسب الديمقراطية" أو "الدفاع عن المكاسب الاجتماعية للعمال" أو "من أجل مقاومة النيوليبرالية المتوحشة" أو "من أجل عولمة إنسانية ومقاومة المضاربين"..الخ. هذه الدعاية تهدف إلى إخفاء وحدة أهداف الشغيلة في العالم في مواجهة بربرية رأس المال، وذلك من أجل ضرب تضامنها الأممي. بحيث يقولون للعمال في "الغرب" إن الموجة الثورية الحالية أمر لا يعنيهم وهو متعلق فقط بشعوب متأخرة وبربرية تناضل ضد وحوش من القرون القديمة وليس ضد زعماء رأس المال والمتصرفين في إدارته في تلك الدول، بينما يقولون للعمال في "الشرق" إن الإضرابات والاحتجاجات العمالية في أوروبا وأمريكا لها أهداف لا علاقة لها بوضع العمال في إفريقيا وآسيا، بما أن عمال "الغرب" يعيشون بحبوحة من العيش وأنهم يطالبون بكماليات ورفاهية في عالم آخر غريب وبعيد. وليس غريبا أن فرقا يسارية تساهم في بث مثل هذه الأوهام، حيث ينسبون للبروليتاريا أهدافا مختلفة من بلد إلى آخر. فنجد، بالنسبة لهم، أن للبروليتاريا في بلدان ما يسمى العالم الثالث مهمة خاصة تتمثل في انجاز "المرحلة الديمقراطية" وبناء "الاقتصاد الوطني المستقل" و"فك الارتباط مع الامبريالية" بينما يكون للبروليتاريا في العالم المتقدم مهام "الحفاظ على المكاسب الديمقراطية في مواجهة اليمين المتطرف" و"إعادة دور الدولة الاجتماعي" و"مقاومة العولمة المتوحشة" أو هم يعتبرون في أحسن الأحوال أن مهمة "بناء الاشتراكية" مهمة منحصرة في البلدان الصناعية المتقدمة وأساسا أوروبا وأمريكا، وكأن الاشتراكية أمر ممكن بدون تطورها على المستوى الأممي. كل هذا الخطاب من شأنه شق صفوف العمال وضرب تضامنهم، بحيث يتحول كل قسم من البروليتاريا إلى فئة خاصة ذات أهداف خاصة، بما يسمح للبورجوازية بجر هذا القسم في مواجهة القسم الآخر، أو تحييد جزء منهم للاستفراد بالجزء الآخر، وهذا من شأنه إعطاء هامش مناورة كبير للبورجوازية لمحاصرة الانتفاضات وتحويل وجهتها صوب أهداف غريبة عنها.
لكن من المهم أن نبرز هنا أن مواجهة الشغيلة للدولة وأجهزتها القمعية لا يمكن له أن يحافظ على ديمومته واستقراره بدون خلق تنظيمات طبقية مستقلة وقارة. ففي غياب أطر للتنظيم الذاتي لعموم الفقراء وتقدم هذه الأطر لتشمل مجالات اجتماعية جديدة، بحيث تتطور كل أشكال النضال للتوحد وصب جهودها في أهداف طبقية شاملة، والانتقال من حالة الفوضى إلى حالة الانتظام، فان إمكانية الانتكاس تكون هي الأقرب، كما إمكانية إعادة استيعاب الحركة من طرف أحزاب بورجوازية جديدة وتحت يافطات جديدة تبقى خطرا محدقا. وإضافة لذلك فان غياب الأطر التنظيمية الطبقية يُبقي الباب مفتوحا أمام الأحزاب والتيارات السياسية لتقسيم الحركة وفق عقائدها ومصالحها الخاصة وأهدافها في أخذ نصيب من السلطة السياسية باستعمال الحركة نفسها كوقود لتحسين شروط تفاوضها في الترتيبات السياسية.
لكن ظهور وتطور أشكال التنظيم الطبقي الذاتي ليس مرتبطا مثلما يعتقد البعض بمهمات توعوية من قبل نخبة مثقفة أو نقل الوعي من قبل ما يسمى بالأنتلجنسيا الثورية إلى صفوف البروليتاريا، بل أساسا بوجود تقاليد ثورية في صفوف الجماهير. ولعل غياب هذه التقاليد في الحركة الحالية ساهم بدرجة عظيمة في التلاشي السريع للجان الأحياء التي أقامها الأهالي وعجزها عن تطوير نفسها لتتحول إلى أدوات نضال طبقي فعلية، أو أدوات للتسيير الذاتي وفرض ذلك على الدولة. وحتى اللجان التي أقامها العمال في المؤسسات والشركات تحولت، برعاية النقابة وأوامرها المباشرة، إلى مجرد لجان حماية لممتلكات البورجوازيين الذين انسحبوا لأيام طويلة ليعودوا بدون حتى أن يكلفوا أنفسهم بإعادة النظر في الوضع المادي المتدهور لعمالهم، وهذا ما دفع هؤلاء إلى العودة إلى موجة من الإضرابات التي شملت تقريبا كل القطاعات العمومية منها والخاصة.
هذا الواقع يفرض على التيارات العمالية والمناضلين والمثقفين الذين انحازوا لصف الثورة أن يبادروا إلى توحيد الصفوف من أجل المساهمة في إعادة تطوير أشكال جديدة من التنظيم الذاتي للكادحين. وهذا لن يكون إلا بالتخلي عن العقائد القديمة والتقاليد البالية والتقسيمات الايديولوجية التي تقوم على أساس أفكار تجاوزتها الحركة التاريخية للشغيلة. ولعل الوحدة النضالية الفعلية هي تلك التي تنطلق من دروس الانتفاضة نفسها ودرجة النضج التي وصلت إليها والعمل على تطوير أهدافها وتوسيع أفاقها، وليس من خلال التناحر المذهبي أو السياسوية الذليلة التي لا طموح لها سوى الوصول إلى موقع في السلطة السياسية ولو كان ذلك بعقد أكثر التحالفات انتهازية مع الأطراف البورجوازية والبورجوازية الصغيرة اليمينية منها والشوفينية التي بقدر لهجتها السياسية الثورجية بقدر تغييبها المطلق والتام لكل قضايا الجماهير الكادحة، بل تآمرها على مصالح العمال لحساب هذا الفصيل أو ذاك من البورجوازية وتكريسها لبرامج اقتصادية واجتماعية من شأنها تأبيد الاستغلال الطبقي والحفاظ على أركان النظام الرأسمالي القائم.
لكن عناصر الضعف في هذه الحركة لا تتعلق فقط بخفوت وتيرة تشكيل الأدوات الطبقية للتنظيم الذاتي، بل أيضا بالأساليب النضالية المتبعة والشعارات واليافطات المرفوعة، وهذا ما سيكون موضوع الجزء القادم

هل ستسلم الثورة نفسها للسياسيين (الجزء الأول)


محمد المثلوثي
الحوار المتمدن - العدد: 3276 - 2011 / 2 / 13
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع


لا أحد يستطيع أن يعترض على أن الثورة في تونس عند انطلاقتها وفي أوج تصادمها مع الدولة وأجهزتها الديكتاتورية كانت تطرح مطالب وأسئلة حول وضع الجماهير الكادحة والمفقرة من بطالين وعمال وعموم الأجراء والطلبة والتلاميذ وعديد الشرائح الاجتماعية المهمشة. فالثورة انطلقت أساسا ضد البطالة وارتفاع الأسعار والفساد المالي والإداري وتسلط أجهزة الدولة البيروقراطية على الناس وحرمانهم من أبسط مقومات العيش. وهذا لا يعني سوى أن ميدان الثورة الفعلي، والذي نهضت الجماهير ضمنه وطوّرت احتجاجاتها من خلالها، هو الميدان الاجتماعي. لكن البطالة والفقر والتهميش الاجتماعي واختلال التوازن بين المقدرة الشرائية لعموم الأجراء وبين لهيب الأسعار إنما هي في الواقع تعبيرة من تعبيرات النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم. أي أن الموضوع لا يتعلق بشكل الحكومة وبشكل الدستور ولا بأي حزب من الأحزاب هو على رأس الدولة بقدر ما هو متعلق بالأسلوب السائد في إنتاج الثروة الاجتماعية وأسلوب توزيعها. هذا الأسلوب الاقتصادي يقود من جهة إلى مراكمة الثروة لفئة اجتماعية صغيرة ليقود من جهة أخرى إلى بؤس وفقر وبطالة أغلبية المجتمع، وما الدولة وأجهزتها إلا أداة لإدارة هذا الأسلوب الاقتصادي بالذات. فالدولة لا تقوم سوى بتسيير شؤون الأغنياء وضمان خضوع بقية المجتمع، أي أنها لا تمثل سوى الشكل السياسي الذي تدير به الفئة المستفيدة من هذا النظام الاقتصادي سيادتها على المجتمع وللحفاظ على مصلحتها العامة والمشتركة. وهكذا فالثورة إذ قامت بالتصادم مع الدولة فليس إلا بوصفها ممثلة للنظام الاقتصادي وأداة لإدارته. وهذا ما يقود إلى كون الثورة في الواقع إنما قامت ليس لوضع هذا السياسي مكان ذاك على رأس الدولة ولا هي قامت من أجل تغيير الحكومة وأعضاء البرلمان..الخ، أي مجرد ترميم جهاز الدولة، بل قامت ضد نظام اقتصادي يستغل الشغيلة وعموم الفقراء ويضعهم في موضع العبودية السافرة. فمثلما يستلبهم هذا النظام الاقتصادي ثمرة جهدهم وعرقهم فان الدولة تستلب منهم حقهم في إدارة أنفسهم بأنفسهم من خلال تعيين كل الوظائف الإدارية والتعليمية والأمنية والبلدية وفي مؤسسات الإنتاج وفي كل مناحي إدارة المجتمع من فوق وبطريقة تضمن ولاء الجميع لها وللسياسيين الذين يديرونها. بحيث أنه بدل أن يسيّر الناس شؤونهم من خلال الانتخاب المباشر لمن سيقوم بأداء المهمات الاجتماعية التي يكلفونه بها، أي بخلق أدوات تسيير ذاتي، فان الدولة تحتكر هذا الحق. وبدل أجهزة التسيير الذاتي التي هي وحدها تمثل مساهمتهم الفعلية والمباشرة في إدارة المجتمع تقوم الدولة ببناء أجهزة بيروقراطية معينة بطريقة تسلطيّة، بحيث تتحول هذه الأجهزة من أدوات لخدمة المجتمع إلى أدوات لقمعهم وإخضاعهم.
والثورة الحالية إذ بدأت ثورة اجتماعية بالفعل، أي ثورة ضد النظام الاقتصادي والاجتماعي ودولته الديكتاتورية، فان السياسيين بفضل خبرتهم في عقد التحالفات من وراء الكواليس، وتقديم الوصفات الجاهزة لفرضها على الجماهير، يعملون كل ما في جهدهم إلى تحويل وجهتها نحو أهداف غريبة عنها. فبدل الشعارات ذات المضمون الاجتماعي والاقتصادي الواضح التي اتسمت بها الانتفاضة في بدايتها، فرض السياسيون شعاراتهم التي تستهدف استبدال هذا الحزب بذاك، أو هذا السيناريو لترميم الدولة بذاك. فبينما كنا نسمع في الاحتجاجات الأولى ذات الطابع التلقائي للجماهير شعارات حول الشغل والتنمية والكرامة، أي وبرغم غموض هذه الشعارات فإنها كانت تواجه النظام الاقتصادي والاجتماعي، أصبحنا نسمع في الاحتجاجات التي التحق بها هؤلاء الساسة شعارات حول ضرورة "حكومة إنقاذ وطني" أو "حكومة تكنوقراط للتحضير للانتخابات" أو "حكومة يشارك فيها الجميع بدون استثناء" أو "من أجل دستور جديد" أو "من أجل مجلس تأسيسي"...الخ. أي أن الثورة بعدما كانت تجابه الجذر العميق الذي قامت من أجل اقتلاعه، أي أسلوب إنتاج الثروة وتوزيعها، وكانت شيئا فشيئا تطور بنفسها أساليب نضالاتها وتوضح مضمونها وتكثفه في شعارات ملموسة متعلقة بوضع الجماهير المعاشي، فإنها اليوم تواجه ثورة مضادة تستهدف استنزاف كل جهودها في لعبة الأحزاب وطموحاتها في أخذ مكان في أجهزة الدولة. والحزب الذي يتحصل على نصيب من الكعكة يقوم بسحب مناضليه ويتحول إلى جلاد جديد بسرعة فائقة، أما الأحزاب التي خرجت من اللعبة بيد فارغة فإنها بدأت بزرع بذور الانقسامات السياسية والإيديولوجية داخل الحركة، وفي حين كانت هذه الأحزاب مختفية تماما قبل سقوط الديكتاتور ولم ترفع يافطاتها، وفي غالب الأحيان اكتفت بمراقبة الأوضاع من بعيد وإطلاق الخطابات التلفزيونية النارية، فإننا نشاهدها اليوم، وبفضل مساحة الحرية التي فرضتها الانتفاضة، تحاول شيئا فشيئا السيطرة على الحركة وتوجيهها وجهة أهدافها الخاصة. فحركة النهضة التي كانت قبل اندلاع الانتفاضة تبعث برسائل تطمينية للنظام وتعبر عن استعدادها لكل التنازلات في سبيل مجرد أخذ التأشيرة القانونية ها هي اليوم وبطرق مناورة تحاول اكتساح الحركة واستعمالها لخلق توازن يسمح لها بالدخول في الترتيبات السياسية التي تطبخها الأحزاب. والأحزاب اليسارية في أغلبها لم تكرس طاقاتها وجهودها في سبيل تطوير العمق الاجتماعي لهذه الثورة، ولم تقم بأي خطوة ملموسة لتوحيد الجهود من أجل تطوير أدوات النضال الفعلية التي ابتدعتها الجماهير بنفسها، أي اللجان الشعبية للتسيير الذاتي. بل إنها تصب كل جهدها في تحصيل موقع أفضل في الخارطة السياسية، وهي في ذلك مستعدة لعقد أكثر التحالفات غرابة وتناقضا. والسياسيين إذ يتصارعون فميدان صراعهم هو حصة كل واحد منهم في الغنيمة المنتظرة.
وللأسف، وبحسب تجارب الثورات الاجتماعية السابقة، فان الثورة إذ تسلم مصيرها في يد السياسيين، فإنها لا تفعل سوى التخلي عن أهدافها الاجتماعية لصالح أهداف السياسيين ومزايداتهم التي لا تنتهي. وإذا ما واصلت في هذا الاتجاه الخاطئ فمصيرها المحتوم هو عدم تخطي عتبة الإصلاحات والإبقاء على جذور النظام القائم. ففي أحسن الأحوال، وإذا انجرّت الثورة تماما إلى ميدان الإصلاحات السياسية مهما كانت جذريتها، سيتحقق للسياسيين ما يحلمون به دائما: الحريات السياسية، الديمقراطية، انتخابات رئاسية وتشريعية حرة وشفافة، دستور جمهوري، حق الأحزاب في النشاط العلني..الخ. أما أهداف الثورة الحقيقية، تغيير الشروط المادية الفعلية لحياة الناس، فانه سيبقى معلقا ومؤجلا إلى انتفاضة قادمة لا أحد يعرف متى ستأتي. ذلك أن تغيير تلك الشروط الحياتية لا يمكن له أن يتحقق بتغيير السياسيين الذين يسيّرون الدولة، أو بمدى نزاهتهم، بل بتغيير في النظام الاقتصادي والاجتماعي، وهذا ما لا يمكن حدوثه بانتخابات حرة ونزيهة بل بمباشرة الناس بإدارة شؤونهم بأنفسهم وليس عبر الأجهزة البيروقراطية للدولة. فالبوليس لن يتحول إلى أداة لحماية الناس وتأمين تصريف حياتهم بدل قمعهم بمجرد صعود هذه السياسي أو ذاك، فطالما البوليس يتم تعيينه من فوق، بأوامر الأجهزة المركزية للدولة فانه لا يمكن أن يكون سوى أداة قمع. وعون البلدية طالما أنه لا يخضع للانتخاب وحق الناس في عزله فانه لا يمكن أن يتحول إلا إلى بيروقراطي نزيه في قليل من الأحيان ومرتش ومستغل لموقعه في أغلب الأحيان. والبورجوازي الذي ينهب عرق العمال سيبقى هو صاحب رأس المال والمتصرف فيه مهما كانت تركيبة الحكومة. والملاك العقاري سوف يواصل نهبه الطفيلي لثروة المجتمع مهما كان اسم رئيس الدولة أو الحزب صاحب الأغلبية في البرلمان. والنظام الرأسمالي عموما سيواصل تطوره الكارثي مخلفا وراءه آلاف البطالين والمهمشين والجهات المحرومة مهما كانت أشكال ترميم الدولة وتغيير الوجوه.
إن الساسة عندما يتحدثون عن الحرية فإنما يقصدون حريتهم هم بالذات، حرية أحزابهم في جر الجمهور إلى المنافسات الانتخابية الدورية. وعندما يتحدثون عن سلطة الشعب فإنما يقصدون سلطتهم هم بالذات من خلال تفويض من الشعب كل خمس سنوات. وعندما يتحدثون عن ضرورة عدم إقصاء أي طرف في الحكومة فان إقصاء الملايين الأخرى من غير السياسيين، ومنعهم من إدارة شؤونهم بأنفسهم، هو أمر ديمقراطي جدا بالنسبة لهم. فالديمقراطية هي ديمقراطية عشرة في المائة من السكان أو أقل من ذلك بكثير، ديمقراطية فئة السياسيين وحريتهم وتداولهم السلمي على السلطة، أما بقية الشعب فهم كالعبيد والنساء في الديمقراطية اليونانية القديمة مقصيّون ومبعدون، لأن السياسي هو الوحيد القادر على تنظيم الأمور، أما بقية الشعب فأميّ وجاهل ولا يعرف ما يصلح له. والسياسي هو الوحيد القادر على المعرفة بخبايا الأمور وفي يده التعويذة لحل كل طلاسم العالم وقيادة العامة من الجهلة والمتخلفين إلى فردوس العدالة الأرضية، وبفضله يمكن حتى الوصول إلى العدالة الإلاهية نفسها. ولذلك فعلى الشعب تسليم أمره إلى السياسيين ليجدوا الحلول اللازمة لمشاكله، وسوف يستدعونه للقيام بمظاهرة أو اثنين للضغط من أجل تحسين موقع هذا وتحجيم موقع ذاك ثم يقولون له شكرا لقد قمت بالواجب فدع الآن الوقت للسياسيين ليجدوا أفضل الحلول. وعندما يستتب الأمن سيقف هؤلاء السياسيين بالذات ضد أي حركة جديدة من الجمهور باعتبارها فوضى وتعطيل لشؤون الناس وإضرار بالاقتصاد الوطني وسيجدون ألف حجة للقمع، وشيئا فشيئا تتقلص مساحة الحرية التي فرضتها الانتفاضة لتعود طاحونة الشيء المعتاد، ويعود البوليس للقمع والإدارة للتعسف. وبازدهار الحياة السياسية تزدهر سوق المنافسة، وتتحول الحركة التي بدأت موحدة بدون السياسيين إلى فرق وشلل ونحل ومذاهب تحول طاقة الجمهور إلى الصراعات السياسية وتستنزفه في الحملات الانتخابية. وفي هذا الخضم والبهرجة الإعلامية وتقنيات صناعة الزعماء تتحول المطالب الحياتية للفقراء إلى شيء من الماضي. ويتحول الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل حرية حقيقية وليس حرية الأحزاب إلى أيقونات يحاول كل طرف نسبها إلى نفسه ليزين بها تاريخه ويخلق عبرها شرعية قابلة للاستثمار في سوق النخاسة السياسي.
ليس غريبا أن يحاول اغلب السياسيين في هذه الانتفاضة اختصار موضوعها في شكل الحكومة وتركيبتها. فهم بذلك يحاولون إقناع الجمهور المنتفض بأن قيام حكومة تتخلص جزئيا أو كليا مما يسمى برموز النظام السابق هو الحل السحري للقضاء على هذا النظام. وهم يعملون كل ما في جهدهم الآن إلى إيجاد صيغة تضمن انبثاق حكومة ترضي الجمهور وتجعله يعود إلى البيوت والعمل والدراسة في انتظار انجاز تلك الحكومة "المؤقتة" لمرحلة التحول السلمي للسلطة من الفئة السياسية القديمة إلى فئة سياسية جديدة، ستقوم بفضل إرادتها الطيبة بتحقيق كل مشاكل الشعب من فقر وبطالة وتهميش..الخ.
لكن ما هي الحكومة بالضبط؟ وهل صحيح أنه بتغييرها ستتحقق كل الأهداف التي قامت من أجلها الثورة؟
في الواقع فالحكومة لا تمثل سوى احد أجهزة الدولة. فهذه الأخيرة تتركب من أجهزة متعددة ومتفرعة، من أجهزة القمع المادي (بوليس ،جيش)، إلى أجهزة التحكم الإداري المحكومة بتسلسل بيروقراطي هرمي (ولاة، معتمدين، عمد،كتاب دولة ومستشارين، مدراء عامين وصولا إلى رؤساء الأقسام..الخ)، إلى أجهزة القمع المعنوي (الإعلام، المدارس، المساجد..الخ)، إلى أجهزة الضبط الاجتماعي (نقابات، جمعيات..الخ). وكل هذا الأخطبوط هدفه العام هو إدارة المجتمع وفق المصالح العامة للطبقات والشرائح الاجتماعية المسيطرة. وكل حزب يستولي على الحكومة لا يفعل سوى وضع أنصاره، وأنصار المتحالفين معه شيئا فشيئا ضمن هذا الأخطبوط بما يسمح له بأخذ موقع يمكنه من الاستيلاء على الثروة الاجتماعية من خلال تلك الأجهزة بالذات. و الطبقة المسيطرة على المجتمع تترك لهذه الفئة من السياسيين والإداريين مهمة الحفاظ على مصالحها العامة، أي أنها تحوّل مصلحتها الطبقية الخاصة إلى مصلحة عامة تتجسد في الدولة وأجهزتها، بما يسمح لهذه الطبقة بالتواري، وعدم الظهور بمظهر صاحبة المصلحة المتعارضة مع مصلحة أغلبية المجتمع. وهكذا تظهر الدولة وكأنها بالفعل تحمي مصلحة جميع مواطنيها المتساوين حقوقيا، أو كأنها ذلك الجهاز المحايد الذي يشرف على المجتمع من فوق.
وإذا كانت الثورة قد قامت ضد أسلوب إدارة المجتمع الذي لم يجلب لها سوى البؤس من جهة وسلبها حقها في إدارة نفسها وإحالة هذه الإدارة إلى الجهاز البيروقراطي من جهة أخرى، فإنما هي تقوم ضد هذه الدولة القائمة وضد كل أجهزتها وليس ضد الحكومة فحسب. أي أن الثورة في جوهرها التاريخي وضعت ليس الحكومة فقط موضع السؤال بل الدولة نفسها. لذلك فسعي السياسيين إلى حصر الموضوع في الحكومة ومن هو الأجدر من السياسيين أن يكون في تركيبتها إنما هدفه إنقاذ الدولة من خلال وصفة سياسية تضع حكومة بدل أخرى لامتصاص الغضب، أي التضحية ببعض وجوه الدولة من أجل استعادة هذه الأخيرة لشرعيتها ودورها الطبيعي في حماية النظام الاجتماعي ككل.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عن عناصر الضعف العميقة في هذه الثورة التي يجب تجاوزها لمجابة الثورة المضادة والانتقال إلى طور أعلى في المسار الثوري وما هي الشروط المادية لمثل هذا الانتقال؟
هذا ما سنحاول بحثه في الجزء القادم من الموضوع

مشروع من اجل جبهة الفقراء


محمد المثلوثي
الحوار المتمدن - العدد: 3253 - 2011 / 1 / 21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

نحن الفقراء من كل الشرائح الاجتماعية ممن عانينا من الاستغلال والقمع والبطالة والتهميش. ولأننا نحن من كان وقود الثورة وقلبها النابض. ولأننا نحن من قدم الشهداء والتضحيات. ونحن من عرف كيف يتصدى لميليشيات النهب والسلب. ولأننا نحن من يواصل النضال ضد كل بقايا ورموز النظام البائد وحكومته وحزبه ومؤسساته الفاسدة. فاننا نعلن مواصلة ثورتنا في سبيل تحقيق المطالب الأساسية التي كنا قد رفعناها منذ انطلاق الانتفاضة وهي بالأساس:



- الترفيع الفوري في الأجور بما في ذلك الأجر الأدنى الصناعي والفلاحي

- التخفيض الفوري في أسعار المواد الأساسية والمحروقات

- تمكين البطالين من منحة تساوي الأجر الأدنى الصناعي وتمكينهم من التغطية الاجتماعية والصحية مجانا

- الترفيع في منحة الدراسة الجامعية للطلبة وتعميمها، وتمكينهم من السكن في المبيتات الجامعية بدون شروط

- تمتع الطلبة والتلاميذ بالتنقل المجاني أثناء أيام الدراسة

- اقرار حق المواطنين في الأحياء والبلدات والقرى في تشكيل لجان محلية للتسيير الذاتي. وحل المجالس البلدية الصورية ووظائف العمد، وتعويضها بمجالس منتخبة من مندوبي لجان التسيير الذاتي

- اقرار حق التلاميذ والطلبة في انشاء نقاباتهم الخاصة

- اقرار حق رجال التعليم في كل المستويات من انتخاب مجالس تسيير للمؤسسات التربوية وانتخاب المديرين مع مشاركة التلاميذ والطلبة في هذه المجالس بتمثيلية تضمن لهم الحفاظ على حقوقهم ومساهمتهم في ادارة هذه المؤسسات

- اقرار حق الموظفين والعمال في الشركات والمؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة في انتخاب مجالس الادارة

- اقرار حق أعوان الأمن والجنود في تشكيل نقاباتهم الخاصة للدفاع عن مصالحهم المادية واقرار حقهم في المشاركة في اللجان المحلية للتسيير الذاتي باعتبارهم مواطنين يحق لهم المشاركة في الحياة المدنية

- اقرار حق الموظفين في الادارات العمومية في تشكيل مجالس تراقب العمل الاداري وتطلع على كل الوثائق والملفات لضمان الشفافية وعدم استعمال الجهاز الاداري لقمع او التضييق على المواطنين

- سحب كل الامتيازات التي يتمتع بها أعضاء البرلمان والاكتفاء بحصولهم على المرتبات والأجور التي كانوا يحصلون عليها في وظائفهم السابقة

-اقرار انتخاب الولاة والمعتمدين من طرف المجالس البلدية المنتخبة

اقرار حق القضاة في تشكيل مجالس منتخبة لإدارة المحاكم واقرار انتخاب المجلس الأعلى للقضاء من طرف هذه المجالس -

واننا نعلن مواصلتنا النضال ضد أي حكومة لا تلتزم بتحقيق هذه المطالب بشكل فوري وعاجل

الجمعة، 11 فبراير 2011

انتفاضة تونس، من الشرارة يندلع اللهيب


الراية السوداء، صوت التيار المجالسي
الحوار المتمدن - العدد: 3251 - 2011 / 1 / 19
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

شبح يجتاح البلاد العربية، شبح الانتفاضة الشعبية، بأربعة أسابيع ضارية من التضحيات والدماء استطاع الشعب التونسي إجبار واحدٍ من أشد الحكام العرب ديكتاتورية على الرحيل، ومن الرباط على مياه المحيط إلى دبي على مياه الخليج، مرورًا بجدة في بلاد الحجاز التي استقبلت الديكاتور بن علي، اهتزت كراسي الحكام العرب من تحتهم، فليس صبح الثورة ببعيد، حين تنتفض كل الجماهير العربية هاتفة أن زولي يا عروش وزولي يا حدود، كل الديمقراطية للشعب والموت لأعداء الشعب.

انتصرت انتفاضة تونس، وبدأت معها مهام عاجلة لاتمام نجاح الانتفاضة الشعبية والمضي قدمًا نحو الثورة الاجتماعية الشاملة التي لا تبق ولا تذر حبة رماد أو حصى من فلول النظام القديم، انتصرت الانتفاضة التونسية لكن لم تنتصر الثورة بعد، وهناك خطر قائم من التفاف فلول النظام القديم عليها واحتوائها لو لم تلحقها انتفاضات أخرى في بقية البلاد العربية تعززها وتشد من أزرها وتسير قدمًا معها إلى النصر الشامل، وفي منتصف الطريق لابد من وقفة، لابد من استراحة محارب لفهم الدروس وتعزيز المكتسبات ومعرفة المهام العاجلة للمضي قدمًا على الطريق.

1- أثبتت الانتفاضة التونسية، عبر شرارة حقيقية اشتعلت في جسد الشاب محمد البوعزيزي في الثامن عشر من ديسمبر الماضي، صحة المقولة الثورية القديمة، أن من الشرارة البسيطة يندلع الحريق، فمن شعار بسيط حفظته الجماهير كلها ورفعته مطالبة بالخبز والماء والعمل، تحول الشعار الممكن تحقيقه تحت حكم بن علي إلى المطالبة برحيله، هو ونظامه، فالشعارات لا تتولد من أدمغة الثوريين العباقرة، بل أن الشعارات الثورية تؤلفها الظروف الثورية، وترددها الجماهير وتحفظها بصورة عفوية وبسيطة، وكلما كان الشعار بسيطًا مباشرًا متوافقًا مع احتياجات اللحظة الثورية، كلما حفظته الجماهير ورددته وعملت بحسبه.

2- أثبتت الانتفاضة التونسية، الإفلاس التام للتنظيمات البيروقراطية العربية، والمعارضة المرخصة، فلم تلتحق أحزاب المعارضة بالانتفاضة التونسية إلا بعد أن تحدث الرصاص ومات الكلام، بعد أن انتقلت الجماهير بنفسها من سلاح النقد إلى نقد السلاح، التحقت بها الأحزاب التقليدية المرخصة من قبل نظام بن علي، لقد أثبتت الانتفاضة وللمرة الألف أن تلك الأحزاب، في تونس كما في مصر، هي أداة لتجميع طاقات الجماهير وتفريغها، في صراعات داخلية داخل الأحزاب وصراعات تافهة مع الأحزاب الأخرى، لقد أثبتت انتفاضة تونس أن الجماهير تثور بنفسها ولنفسها دون احتياج لأحد.

3- أثبتت الانتفاضة التونسية، أن أي عمل جماهيري ثوري حقيقي، يمضي من الأسفل إلى الأعلى لا من الأعلى إلى الأسفل، من الهامش إلى المركز، لقد بدأت الانتفاضة في مدينة صغيرة هي سيدي بوزيد ولم تنتقل إلى تونس العاصمة إلا في الأسبوع التالي، في الخامس والعشرين من ديسمبر، بدأت الانتفاضة بإحتجاجات حقيقية بعيدة عن عدسات التلفزة وعن مراكز المدينة، لذا سارت قدمًا ولم يتم احتواءها وبيعها لمحطات الأخبار.

4- أثبتت الانتفاضة التونسية، وبخاصة في اليومين التاليين لهروب بن علي، ضرورة التشكيل العاجل الفوري لجهاز الثورة، للمجالس الشعبية على مستوى الشارع والحي والمصنع والقرية، تلك المجالس التي ستتسلم مهام الأمن حين تهرب الشرطة، تلك المجالس التي ستتصدى لإرهاب العناصر الحاكمة ومحاولتها وصم الانتفاضة بالفوضى والتخريب، تلك المجالس التي ستتسلم فعليًا السلطة على مستوى الشارع والحي والمصنع والقرية.

5- أعادت الانتفاضة التونسية بانتصارها الثورة على جدول الأعمال، وأعادت التأكيد على أن الجماهير إذا انتفضت لا تبقي ولا تذر، لقد عادت الثورة عملًا ممكنًا في البلاد العربية التي لم تشهد ثورة واحدة منذ صعود أنظمة الحكم الوطنية الجديدة ومنذ رحيل الأستعمار.

6- لازال أمام الانتفاضة التونسية الكثير لتحققه، ولا تزال أمامها مهامٌ ملحة عليها القيام بها، أهمها إسقاط حكومة الغنوشي وإسقاط المبزع عن كرسي الرئاسة، وإسقاط كل مؤسسات الحكم القديم، وتكوين المجالس العمالية والفلاحية التي ستكون نواة الحكم الجديد، عند الانتصار الحاسم والتام للثورة، ليست تلك المجالس اختراعًا تفتق عنه ذهن ثوري عبقري، بل هي الإبداع العفوي للجماهير حين تسقط السلطة، تلك المجالس التي، كما يقول غرامشي، " ... تكمن أصالتها في كونها، في عالم لا وجود فيه إلا لعلاقات اقتصادية بين استغلالي ومستغل، بين ظالم ومظلوم، تمثل الجهد المتواصل لتحرير الطبقة العاملة لنفسها بنفسها، بوسائلها الخاصة وأنظمتها الخاصة، من أجل أهداف لا تشاركها فيها طبقة أخرى، بدون وسطاء وبدون تفويض سلطتها لموظفين وسياسيين محترفين."



فلترتعد فرائص الحكام والطبقات المسيطرة، لقد انتفضت الجماهير العربية التي ليس لها ما تخسره وأمامها عالم لتربحه.



القاهرة في 18 يناير 2011

الراية السوداء

الأربعاء، 13 مايو 2009

جدور الإرهاب في الإسلام

محمد مقصيدي journalisme123@hotmail.com الحوار المتمدن - العدد: 2646 - 2009 / 5 / 14
4.8 / 5 Rate this article More from same author -->لا شك أن إرهاب الإسلامويين والتنظيمات الإجرامية الراهنة تجد جدورها الأولى في بنية دولة الإسلام السياسي . لنقم بإطلالة قصيرة على حرية الإعتقاد والتعبير قبل مجيئ الإسلام عند قريش , ونقوم بمقارنات للإرتكاس الذي حدث بعد تأسيس أول دولة إسلامية . إن سوق عكاظ كان مركزا حيويا للأفكار وللتبادل الثقافي والفكري , وهو ما يؤكد أن قريش لم تكن بالتخلف والعصبية لآلهتها كما يحاول أن يرسمه مؤرخو الإسلام السياسي . ها هو قس بن ساعدة الإيادي يجهر بدعوته بكل حرية وهو الذي قال الرسول عنه : ما أنساه بعكاظ وهو القائل : أيها الناس اجمعوا واسمعوا وعوا , من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت . إن في السماء لخبرا , وإن في الأرض لعبرا . مهاد موضوع وسقف مرفوع , ونجم تمور ..أين الأباء والأجداد وأين المريض والعواد وأين الفراعنة الشداد .. أين من بغى وطغى وجمع فأوعى وقال أنا ربكم الأعلى , ألم يكونوا أكثر منكم أموالا وأطول منكم آجالا ..كلا , بل هو الله الواحد المعبود , ليس بوالد ولا مولود ...فلماذا لم تضايق قريش قس بن ساعدة ؟ بل لماذا لم تضايق الكثير من القبائل العربية هؤلاء الأنبياء الذين تحدثوا عن نبوتهم قبل بعثة الإسلام ؟؟ نسوق كمثال آخر , النبي خالد بن سنان الذي عندما قدمت ابنته وهي عجوز على النبي محمد تلقاها بخير وأكرمها وبسط لها رداءه وقال لها مرحبا بابنة أخي , مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه , فأسلمت . وأخبار الأنبياء في الجزيرة العربية قبل بعثة الإسلام معروفة كحنظلة بن صفوان مثلا , وابن الهيمان الذي كان يصلي خمسا في الجاهلية وكان يستسقي للقوم فينزل المطر, وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال عنه الرسول إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده , وهو من الذين فارقوا قومهم في عبادة الأوثان وأتوا بشرائع تشبه شريعة الإسلام قبل البعثة , وعبيد الله بن جحش الذي أسلم وتنصر بعدها وكان يقول للمسلمين : فتحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا . وعثمان بن الحويرث الذي كان يقول : ما أصبح أحد منكم على دين ابراهيم غيري حتى أن عمه الخطاب أخرجه من مكة وأسكنه حراء , وقد مات قبل البعثة . وأمية بن أبي الصلت الذي أول من كتب باسمك اللهم والذي قال لقريش أن طيرين جاءا وشقا صدره وانتزعا الشيطان منه , وأشعار أمية من أبي الصلت مشهورة أقر أكثرها القرآن . فكل هؤلاء رغم أنهم كانوا يدعون النبوة ويدعون لوحدانية الله ولشرائع تشبه إلى حد كبير شريعة الإسلام لم تهاجمهم قريش كما فعلت مع الإسلام . سؤال ينبغي أن يكون حاضرا في الذهن . هذا إضافة إلى النصارى الذين كانوا يتعبدون بطرائقهم المختلفة , فكما تورد المصادر أنه كانت فرق نصرانية منتشرة في الجزيرة العربية كالنسطورية الذين قالوا أن عيسى ابن الله واليعقوبية الذين قالوا أن عيسى هو الله والملكانية الذين قالوا عيسى عبد الله ونبيه , وهو ما حسم فيه القرآن منتصرا للفرقة الملكانية التي تقول بعدم ألوهية عيسى . كما أن الكاهن خطر عندما سألته قريش عن النجوم والشهب قبل البعثة قال : أصابه أصابه جمع وصب كجمل وجمال خامره عقابه عاجله عذابه أحرقه شهابه .. وقال عندما سألوه من الذي سيبعث أجاب : الله أكبر جاء الحق وظهر وانقطع عن الجن الخبر .. لا إله إلا الله . وقد قال الرسول عنه : سبحان الله لقد نطق عن مثل نبوة وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده . لم يهاجموا الكاهن خطر ولم يقتلوه . فهذه الإعتقادات كلها وهذا التعبير عن الدين أو إدعاء النبوة والكهانات لم يكن مشكلة في حد ذاته , بل إن الأمر لم يكن عصبية دينية بالمطلق , بقدر ما كان صراعا سياسيا إقتصاديا من جهة ونتيجة للعنف الدموي والرغبة في محو الآخر من طرف الدولة الإسلامية من جهة أخرى . بل أن حتى لما جاء أبرهة لهدم الكعبة قبل مجيئ الإسلام , قال عبد المطلب لأبرهة الحبشي : أنا رب الإبل والخيل , وأما البيت فله رب يحميه . فالنقاش الذي كان بين جد الرسول عبد المطلب وأبرهة لم يكن لحماية الكعبة أو محاولة رد أبرهة عنها , بل كان طلبا لجمال كان قد احتجزها أبرهة ,عندما رأى أن قومه لا قبل لهم بالحرب لماذا قبلت قريش بظهور هؤلاء الأنبياء وأنصتت لهم في عكاظ وفي مجالسها وتداولت أقوالهم , بينما كانت ثمة حربا طاحنة دارت رحاها مع الإسلام ؟لنر كيف كانت دعوة الرسول في عائلته , وتفاعلاتها مع العائلات الأخرى في قريش . ليس من داعي للحديث عن كيفية تثبيت خديجة للرسول حيث أخدته إلى عداس وإلى ورقة بن نوفل ليؤكدوا للرسول أنه رسول فعلا . أو الحديث عن علي الذي أسلم وعمره 8 سنوات لأنه كان يعيش مع الرسول في بيته وهو بمثابة ابنه ... لنتحدث عن المراحل الأكثر توترا والأكثر عمومية , فعندما جمع الرسول محمد عائلته ليعرض عليهم الإسلام , وكان موقف عبد العزى واضحا من الدين الإسلامي منذ البداية , بل حتى أن عمات الرسول نصحنه بأن لا يدعو عمه عبد العزى لهذا الإجتماع لأنهن كلهن يعرفن موقفه بوضوح . لكن , لنتذكر أنه بالرغم من رفض عبد العزى للإسلام مبدئيا فإنه حضر إلى الإجتماع مما يبين الأخلاق التي كانت سائدة وقداسة العائلة وآصرة القرابة التي سرعان ما سيقطعها الإسلام السياسي بتغليب العلاقة الدينية والتشريع لقتل الأب والإبن والأخ وكل العائلة إذا كان ثمة اختلاف في الدين كما حدث في غزوة بدر , فقريش وقبلهم عائلة بنو هاشم كانت تضع العلاقة العائلية أولا حتى وإن تعارضت الأفكار والمعتقدات فيها , وهو ما يعتبر قيمة إنسانية عالية باعتبار الدين وحرية التعبير مسألة عابرة ويجوز الإختلاف فيها بينما العلاقة الإنسانية من خلال العلاقة العائلية هي الجوهر . بل أن عبد العزى ولو أنه قال له تبا لك ألهذا جمعتنا عندما عرف بمضمون الإجتماع , بمعنى أنه لم يكن يتوقع أن يدعوه الرسول ليعيد عليه هذه الأمور وقد عرف موقفه سالفا . فإنه سرعان ما يتكلم بمودة قائلا : ما رأيت يا ابن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشر ما جئتهم به . فأجابت صفية عمة الرسول وأخت عبد العزى : أي أخي أيحسن بك خذلان بن أخيك ؟ وفي ذلك الإجتماع كان موقف أبي طالب واضحا بالدفاع عن ابن أخيه , وهو ما يعني الموافقة المبدئية على حرية التعبير والعقيدة لفرد من العائلة , وكلنا يعرف أن أبا طالب لم يكن مسلما .ورغم ما بدى عن عبد العزى الذي نزل قرآن ضده بسبب قطيعته مع الرسول وتحريض الناس عليه فإنه لم يتعدى حدود اللباقة والكياسة , ولعل الفترة التي تلت موت أبي طالب توضح أن أبا لهب كان رؤوفا وحاميا للرسول بعدما سمعه يقول عن أبي طالب : يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك . حيث قال أبو لهب للنبي : إمض لما أردت وما كنت صانعا , لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت , فها هو عبد العزى نزلت سورة تتوعده بالنار ورغم ذلك يعطف على الرسول ويناصره حتى جاء أبو جهل وقال لأبي لهب اسأل ابن أخيك محمد أين مدخل أبيك ؟ فقال أبو لهب للرسول : أيدخل عبد المطلب النار يا محمد ؟ فقال : نعم , ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب . فقال أبو لهب : لا برحت لك عدوا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار . إذن , فالعلاقة لم تكن أكثر من شجارات عائلية بين الرسول وعمه الشخص الذي يعرف في التاريخ أنه الأكثر عداء ضده , ولأعطي مثالين آخرين بخصوص هذه العلاقة , فعندما كان يطوف الرسول في الأسواق عند الحج " سوق مجنة , سوق ذي المجاز .." عارضا دعوته على الناس ماذا كان يفعل عمه عبد العزى ؟ كان فقط يسير وراءه ويقول لا تسمعوه إنه كذاب . فلم يحدث أن ضربه أو هدده , إنما يسير وراءه ليضحد أقواله , وهو ما يمكن اعتباره الرأي والرأي الآخر , وليس كما ستفعل دولة الإسلام السياسي عند نشأتها , حيث قتلت كل هذه القيم لصالح التعصب الديني والإستبدادية . أما المثال الثاني فهو عندما نزلت سورة المسد بعد الإجتماع العائلي والتي شتمت عبد العزى وتوعدته وهجت زوجته , الغريب , أن كل المصادر التاريخية تقول أن زوجة عم الرسول جاءت تبحث عن الرسول لتعرف لماذا هجاها . ففي الذر المنثور أن زوجة عم الرسول جاءت عنده قائلة : يا محمد علام تهجوني ؟ قال إني والله ما هجوتك ما هجاك إلا الله , قالت رأيتني أحمل حطبا ؟ أو رأيت في جيدي حبلا من مسد ؟ وهذا ما يؤيد بعض ما قاله المفسرون أن الحطب كناية على النميمة . وفي رواية أنها لما كانت قادمة كانت تقول : مذمما أبينا , ودينه قلينا , وأمره عصينا . فهي عند سماعها أن ابن أخ زوجها هجاها جاءت تبحث عنه , مما يبين طبيعة العلاقة العائلية خصوصا بين عبد العزى وابن أخيه . ويبين شكل الصراع الذي يريد أمراء الدم تسويقه على أنه كان صراعا دمويا .إذا كان هذا هو موقف بنو هاشم الواضح المساند جملة وتفصيلا , فكيف كانت ردة فعل قريش ؟ لقد كانت قريش تأتي لأبي طالب ليكف الرسول عن شتيمة آلهاتهم وتحقيرها " والغريب أنه اليوم يقتل المسلمون المجرمون الأبرياء ويبيحون دمائهم بحجة التعدي على المقدسات , فماذا نسمي تحقير آلهة قريش ؟؟؟ أليست تعدي وعدم احترام مقدسات الآخر ؟؟؟" , لقد حسم أبو طالب موقفه قائلا للرسول : إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك . فمهما شتم الآلهة أو عابها وتجاوز المقدسات فإنه محمي بعائلة أبي طالب . بل إنه حتى عندما عزم أبو جهل على التهجم على من من تجاسر على شتيمة آلهة قريش المقدسة والتطاول عليها حينما قال: إني أعاهد الله لأجلس له يعني النبي غدا بحجر لا أطيق حمله فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم . فإنه لم يستطع لمس النبي متحججا برؤية جمل أراد ان يأكله , لأنه يعرف أن بنو عبد المناف سوف يقتلونه بقتله لابن اخيهم رغم انه قال في لحظة غضب فليفعلوا بي ما يشاؤون وذلك دفاعا عن آلهة قريش . فباستثناء بعض النوايا , لم تكن ثمة أية هجوم جسدي على النبي , لأنهم يدركون جيدا أن قداسة الدم والعائلة أكبر بكثير من قداسة الآلهة . وهو ما حدث مع الخطاب أيضا عندما أراد قتل محمد فقالوا له : أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا ؟لقد كانت قريش تحاول الرد عليه بنفس الطريقة حيث قال أحد المشركين لمحمد : يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسب إلهك الذي تعبد فأنزل الله: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم , وتورد السيرة كيف ذهب النظر بن الحارث إلى الحيرة واشترى أحاديث العجم وقدم يحدث بها في مكة ويقول هذه أحاديث كأحاديث محمد عن عاد وتمود وغيرهم .أما بعض الإحتكاكات الجسدية فإنها لم تتعدى شد القميص أو السخرية ,فمثلا جاء أحد من قريش ذات مرة وأمسك أحدهم بثياب محمد فقال أبو بكر : أتقتلون رجلا يقول ربي الله ؟ فأطلقه . وكما حدث مع مزحة عقبة بن أبي معيط عندما وضع أحشاء الجزور على محمد وهو ساجد فاستضحكوا على سبيل المزاح , المزحة التي ستكلفه حياته حيث سيتم قتله شر قتلة . هذا الشخص عقبة بن أبي معيط كان أسلم ذات مرة في منزله حتى يأكل الرسول , لأن الرسول حلف أن لا يأكل حتى يسلم عقبة , وقد كان الرسول ضيفا عليه في داره . ولما شهد بن أبي معيط أن محمد رسول الله , قالوا له كيف أسلمت ؟ قال إنما أسلمت حتى يأكل النبي وهو ضيفي . فأفراد قريش ومن بينهم بن أبي معيط لم يكونوا بلا أخلاق أو متوحشين , بل كما أوردنا يمكن ملاحظة ومقارنة علاقة بن أبي معيط الكافر المعادي للإسلام بالرسول والمسلمين . فهو ينطق الشهادتين فقط ليأكل الرسول في منزله . ولعل إسلام حمزة أكبر دليل على الإنتصار للعائلة , فذات مرة عندما عاد حمزة من الصيد , أخبرته امرأة ماذا فعل أبو جهل بابن أخيه الرسول . فاحتمل الغضب وجاء إلى أبي جهل وهو جالس في القوم فأقبل نحوه حتى قام على رأسه رفع القوس وضربه فشجه ثم قال أتشتمه ؟ فأنا على دينه أقول ما يقول فرد على ذلك إن استطعت . فإذا فهمنا طبيعة البنية السياسية الإقتصادية بين العائلات في قريش , وكذا طبيعة العلاقات الإجتماعية يمكننا فهم الكثير من الأشياء التي يحاول تاريخ الإسلام السياسي محوها . لقد قال الرسول ذات مرة في بدايات الدعوة بعدما ضايقه أحد المشركين مستهزئا منه : أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح . وهو كان يعرف ما يقول ويعرف أفاق الصراع التي سيتوجه إليها الإسلام السياسي فيما بعد .أما الإساءات للمسلمين فيمكننا إستحضار كمثال ما وقع لبعض الصحابة : إن أبا ذر الغفاري قال بصوت مرتفع وسط قريش وهو من قبيلة أخرى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , فقاموا إليه يضربونه فجاء العباس وقال لهم : ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم عليه فخلوا عنه . فكما يلاحظ أن أبا ذر ليس حتى من تلك القبيلة وجاء يصرخ وسط القبيلة الأخرى مستفزا إياهم , ورغم ذلك لم يقتلوه , خشية الحرب مع القبيلة الأخرى . أما خالد بن سعيد بن العاص عندما أسلم ضربه أبوه وقال له أخرج من منزلي فلن أطعمك وكان هذا كل شيء . وعندما خرج أبو بكر في الناس خطيبا عندما كان يتعبد المسلمون في دار الأرقم , جاؤوا يضربونه حتى وصلت بنو تميم يتجارون فأجلتهم عنه وحملوه وقالوا لئن مات أبو بكرلنقتلن عتبة . فكل الصحابة الأحرار كانوا يلقون دعما من عائلاتهم ومنعة , ولم يكن يجرأ أحد على الإقتراب منهم .تبقى بعض حالات التعذيب في حق العبيد والإماء , وبالنظر للشروط التاريخية التي تكرس عبوديتهم ودونيتهم فكانوا هم من تعرض للأذى , فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحدث عن حرية التعبير أو التدين بالنسبة للعبيد , لأنهم أصلا عبيد بالرجوع للظرفية التاريخية , وحتى لما جاء الإسلام ساير هذه التشريعات بخصوص العبودية , وكرسها حتى في مسألة القتل , عندما جاء القصاص بأن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى كآية قرآنية , ومن تم يكون أنه لو قتل الحرعبدا فإنه لا يقتل الحر القاتل بالعبد , وهذا موضوع آخر . لكن أردنا الإشارة إليها حتى لا يتم سوق بعض أمثلة عبيد تم التنكيل بهم وأذيتهم , فالأمر لم يكن دينيا , بل كان بمثابة تمرد سياسي يحدث في صفوف العبيد , وكذا خسارة اقتصادية بالنسبة لمن يملكون هؤلاء العبيد .إن قريش كانوا على استعداد لرأب الصدع والتصالح مع الرسول حتى لو تنازلوا على الكثير من مبادئهم وهو ما يظهر جليا أكذوبة تعصبهم للآلهة . فعندما كانت الهجرة الأولى للصحابة إلى الحبشة وقرأ الرسول في مكة والنجم إذا هوى , عندما وصل إلى مناة الثالثة الأخرى أضاف : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى , فسجد وسجد القوم جميعا المسلمون والكفار , فقام المشركون يصفقون إيذانا منهم بالتسامح والفرحة ولم الشمل , وقالوا للرسول : عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده .وهو ما دفع بمن كان في الحبشة لما سمعوا بالصلح بالعودة . لكنه سرعان ما سيعود الرسول إلى مهاجمة تلك الآلهة , وانتهاء تلك الحادثة التي لم تعمر سعادتها طويلا على قريش . وعندما ضاقوا درعا بالنبي , اجتمعواعلى منابذة بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف , فدخلت عائلة الرسول مؤمنهم ومشركهم إلى الشعب في السنة 7 من النبوة لحماية الرسول من إحتمال إمكانية القتل . ولم يدخل معهم طبعا عبد العزى لأنه كان يرى أن أمر الدفاع عن ابن أخيه لا يعنيه . لقد أمر أبو طالب بني هاشم وبني المطلب أن يدخلوا الشعب وأن يحموا محمدا بعد أن اتفقت قريش أن لا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم ولا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم ... في حادثة اتفاق الصحيفة الشهير . هذا التضييق , الذي سرعان ما انهارحيث كان أول من نقضه زهير عندما طاف بالبت وقال : يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى ؟ ولما احتج أبو جهل , تدخل زمعة بن الأسود مجيبا أنهم لم يرضوا بكتابة الصحيفة ضد عائلة النبي , وأكد ذلك أبو البحتري والمطعم , فعندما رأى أبو جهل ذلك من الرجال واتفاقهم على نقض الصحيفة قال : هذا أمر قضي بالليل . فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فشقها , وهذا يثبت أن الأرضة لم تأكل بنود الصحيفة بل أكلت باسمك اللهم . ومن بين هؤلاء الأشخاص الذين نقضوا الصحيفة مات مشركا ولم يؤمن . إنهم فعلوا ذلك لأنهم لم يرضوا بأن تهلك عائلة من قريش وليس لأنهم مسلمون .ماذا حدث إذن , حتى يكون كل ذلك القتل بين قريش ودولة الإسلام السياسي ؟لقد ورد في باب استخفاء الرسول في دار الأرقم بن الأرقم مع أصحابه , بعد أن دعى 3 سنوات سرا وكانوا يذهبون إلى الجبال للصلاة والتشاور , جاء مشركون فتشاجروا معهم , فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بلحى بعير فشجه فهو أول دم أهرق في الإسلام . إن أول من أهرق الدم في قريش لم يكن عبد العزى ولا كان أبا جهل ولا كان أحدا من قريش , فأول دم سقط كان من طرف شخص مسلم . وهو ما دفعهم إلى الإختباء في دار الأرقم وهم حوالي 39 فردا . إن الأقلية المسلمة هي من قتلت أولا , قبل أن يبدأ حتى التضييق وتعذيب العبيد .وإن أنكر البعض هده الحادثة فإنه يبقى أيضا أن أول دم سقط بين قريش ومحمد هو دم عمرو بن الحضرمي على يد واقد بعد أن بعثهم الرسول لترصد قريش , وهي حادثة مشهورة لا يتناطح فيها كبشان . لماذا كان المسلمين هم أول من قتل ؟ قال الرسول : فضلت على الأنبياء لم يعطهن أحد كان قبلي , غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر , وأحلت لي الغنائم , وجعلت أمتي خير الأمم , وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا , وأعطيث الكوثر ونصرت بالرعب . وقال في بيعة الرضوان للوفد من الأوس والخزرج عندما قالوا له أنه بينهم وبين اليهود عهودا وأنهم سيقطعونها فإياك أن ترجع لقومك وتتركنا , أجابهم : الدم الدم , الهدم الهدم . يمكننا أن نفهم طبيعة التنظيمات المتطرفة الإجرامية الراهنة بالرجوع إلى دولة الإسلام السياسي , وإلى العشر سنوات الأولى لإنشائها في المدينة بعد الهجرة , فإن كانت لم تنشب طيلة 13 سنة من الدعوة المكية أية حرب بين المسلمين وقريش , فإن عشر سنوات بالدولة الإسلامية بالمدينة شهدت 27 غزوة أولها البواط , وبشكل مباشر أول غزوة أشرف عليها الرسول شخصيا تكون غزوة بدر , وحوالي 50 سرية , فهذا رقم مرعب . وإن كنا قد قلنا سابقا أنه أول قتيل في مكة كان مشركا سقط بيد الصحابي سعد بن أبي وقاص أو سقط بيد عمرو بن الحضرمي , , فإن لا غزوة البواط ولا غزوة بدر , فإنهما قراران من الدولة الإسلامية بشن العدوان ومحاولة السطو على قوافل قريش التي كانت آمنة من جوع ومن خوف لعقود طويلة . وهذا بطبيعة الحال هو أول إعتداء منظم , إن اعتبرنا قتل سعد بن أبي وقاص للقرشي المشرك هو حادثة منفردة . الأمر الذي سيجر معه سنوات طويلة من الحرب , هذه السنوات الطويلة ستجر معها عقودا , وهذه العقود جرت معها قرونا إلى اليوم . لا يمكننا أن نقول أن دولة الإسلام السياسي نشرت الإسلام بالورود والدعوة , لقد تم الغزو المسلح بالإكراه والقتل والسبي . حيث ستختفي آيات مكة وستصبح في عداد المنسوخ كل آيات " واصبر " , " لكم دينكم ولي دين " ... ليحل محلها " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني محمد رسول الله , فإن قالوها عصموا مني أموالهم ودمائهم إلا بحقها " .إن تحكيم سعد بن معاذ الشهير بضرب أعناق كل الرجال وقسمة الأموال وسبي الذراري والنساء " صفية زوجة الرسول كانت من غنائم ذلك التحكيم " , وكذا أحكام الردة , والإغتيالات السياسية التي تمت في حق الكثيرين من المعارضة مثل كعب بن الأشرف , والتشريع للغنائم , والعدد الهائل للغزوات من أجل إخضاع القبائل ... هي الجدورالحقيقية للإرهاب الإسلامي الراهن . فلا اختلاف في الجوهر الفكري الذي يؤمن بالحقيقة الواحدة بين سعد بن أبي وقاص وبنلادن , ولا فرق بين خالد بن الوليد والزرقاوي ... علينا أن نفهم لماذا الإسلام اليوم له مشاكل مع كل الديانات من اليهودية أو المسيحية أو الهندوسية ... وكل هؤلاء الديانات واللاديانات لهم المشكل ذاته مع الإسلام ويعتبرونه إرهابيا , إنها نفس الإجابة , لماذا لم يكن لقريش والقبائل العربية مشكلة مع الأنبياء العرب الذين كانوا قبل الرسول محمد , بينما كانت لهم مشاكل وحروب طويلة مع الإسلام انتهت بإطاحة رؤوسهم ...

الجمعة، 8 مايو 2009

الحرب العالمية الثالثة لن تندلع!

سالم اسماعيل نوركه salim_esmael1967@yahoo.com الحوار المتمدن - العدد: 2640 - 2009 / 5 / 8
4.8 / 5 Rate this article More from same author -->الحربان العالميتان الأولى(1914-1918)والثانية(1939-1945)أتسمتا بأتساع نطاقهما لتشملا مناطق عديدة من العالم بين الجبهتين المتحاربتين في الأولى بين دول الوفاق ودول الوسط وفي الثانية بين دول الحلفاء ودول المحور ترتبت عليهما آثار سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة شملت حتى الدول التي بقيت بمنأى عنهما أيضا ،واعتبرت تلكما الحربان من أهم أحداث التاريخ الإنساني المأساوية حيث خلفت كل منه أضرارا مادية وبشرية لا تطاق ،مثلا في الأولى أشترك زهاء 75 مليون عسكري ،قتل منهم أكثر من عشرة ملايين وجرح وتشوه زهاء 20 مليونا ،هذا فضلا عن زهاء عشرة ملايين ماتوا جوعا مع خسارة تسعة آلاف سفينة تجارية تعرضت للتدمير وغاصت غرقا بأعماق البحار وغير ذلك من الأضرار التي تفوق التصور ،والثانية تميزت عن الأولى باعتبارها شهدت أخطر الأحداث باستخدام السلاح الذري لأول مرة في تاريخ الحروب .الحربان العالميتان سبقتهما أزمات سياسية وتوتر شديد وتحالفات دولية وسباق التسلح وتنافس ومشكلات (منها القومية،والصراع حول المستعمرات وقيام أنظمة جديدة –فاشية ،عسكرية،نازية-وأطماع توسعية كما حصلت قبل الحرب العالمية الثانية بالذات ،ولهذه الصفات أطلق عليها صفة حرب عالمية).وتدور الآن حرب عالمية ولكنها (حرب ضد الإرهاب وتبعاته وهي حرب ذات نطاق واسع كما نرى ومع خسائر جسيمة بالأرواح والأموال وذلك بحرقها الأخضر واليابس وباستهدافها حتى الأبرياء ،وهذه الحرب ذات تحالفات العلنية والخفية وبمأساوية وقائعها ؛هل يمكن لنا أن نطلق عليها حربا عالمية ثالثة؟!كونها حربا دائرة ومستمرة وليست مجرد استعراض للقوة وإنما هي في الواقع حرب من أجل إطاحة بأنظمة قائمة .وأهم ما يميزها عن غيرها من الحروب هو:أن نارها لا تفتح على كل الجبهات في آن واحدقبل أن نجيب على السؤال الذي طرحناه نود أن نقول :في مسائل المتعلقة بالحروب فأن كل شيء يتغير باستمرار حيث ما كان صالحا للعصر السابق قد لا يصلح للعصر اللاحق من حيث نوعية السلاح والخطط وأسلوب إدارة المعارك .ولكن الحرب هي هي وحصادها قتلى وجرحى وأسرى وخسائر مادية وبشرية وهي عبارة عن جبهة فيها طرفان واحد سيهزم وآخر سينتصر وإن كان نصرا أجوف .التاريخ البشري عبارة عن سلسلة من حوادث مستمرة متواصلة الحلقات حيث الحاضر وليد الماضي واستمرار له والمستقبل جنبن الحاضر متصلا به فما يحصل اليوم من أحداث له جذور في الماضي فقنبلة الأمس تنفجر اليوم وقنبلة اليوم ستنفجر غدا ،والأحداث التاريخية تقع بسبب جملة أسباب يكون واحد منها بارزا لسبب من الأسباب .فلا يعقل مثلا تفسير ما يحصل في العراق من أحداث بأنها نتيجة طبيعية لمقاومة يبديها أذناب العهد السابق المستفيدون منه ضد العهد الجديد فحسب بل هناك خيوط خفية وأخرى تمويهية تمتد لتلتقي في الساحة العراقية .من مفارقات هذه الحرب (الحرب ضد الإرهاب وتبعاته)هي إننا لا نستطيع أن نحدد كلا الجبهتين بشكل دقيق لصعوبة الأمر بل إن ما هو أشد صعوبة وأكثر استدعاء للحيرة هو إننا نجد دولة ما تنتمي للجبهتين في آن واحد فهي تحارب الإرهاب في الوقت الذي تمارسه.لنأتي الآن إلى الحرب الباردة بين المعسكرين في الماضي القريب *وعلاقتها بالإرهاب وبالأنظمة الشمولية والاستبدادية (والتي هي إي الحرب الباردة سبب من أسباب الإرهاب) القائمة ،حيث إننا نرى بأن تبعاتها (إي الحرب الباردة) أثقلت كاهل الشعوب الرازحة تحت حكم الأنظمة الاستبدادية والشمولية الديكتاتورية لأنها استغلتها وتعايشت معها ورسخت في ظلها فمارست السلطة بالقوة والحديد والنار فظلمت وتسلطت وبطشت بمعارضيها يوم كانت على دست الحكم .وما تزال الأنظمة الشمولية تحكم بشكل عشوائي وفوضوي وتعالج مشكلاتها الناجمة عن سوء حكمها بمزيد من العنف وقمع الآخر ،بل عمدت باستمرار إلى سحق معارضيها بوسائل وحشية يوم كانت حقوق الإنسان نتيجة للحروب الباردة غائبة عن بال الساسة الكبار (إي القطبين المتضادين) من باب (أنت معي إذن أنت بحمايتي)فأفعل ما بدالك ! والآن يبدو إننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من الإجابة على السؤال الذي طرحناه فنقول:لكل حرب تسمية تطلق عليها تصيب في التعبير أو تخيب على سبيل المثال سميت معركة الخندق كذلك لأن حفر الخندق كان أبرز ملامح تلك المعركة من حيث التأثير في نتائجها وسميت الحروب الصليبية بهذه التسمية غير الموفقة لأنها جاءت بعيدة عن روح المسيحية وتعاليمها ونرى أيضا إن تسمية الحرب الحالية كونها ضد الإرهاب تسمية غير موفقة تماما ولهذا يبدو إن الحرب العالمية الثالثة لن تندلع لأنها مندلعة فعلا لكنها تدار بعقلية هذا الزمان وليس ذلك الزمان،وبسلاح اليوم وتحالفاته.وهذه الحرب سوف لا تنتهي بسرعة ولا بعقد الصلح والجلوس على طاولة المفاوضات بل بهزيمة الجبهة الأخرى وهي ستكون حربا طويلة كما قال جورج دبليو بوش بعد أحداث 11 من سبتمبر –أيلول-حيث أسقطت جبهة الطالبان في أفغانستان وجبهة (بطل النصر والسلام)!في العراق وجبهات أخرى مرشحة للسقوط وهي حرب قائمة بين جبهتين ،جبهة الأنظمة المارقة والاستبدادية والشمولية ،وجبهة أمريكا وحلفائها ومع الأسف الشديد!العراق اليوم جبهة رئيسية من جبهات هذه الحرب فأرضه ساحة مفتوحة للحرب الدائرة وهنا تلتقي خيوط بعض الجبهات التي تشعر بأن الغد ليس في صالحها فتتدخل في العراق بشكل خفي لعرقلته ومحاربة أمريكا على ساحته لأنها تعلم إن أرضها ستكون ساحة لهذه الحرب في وقت قادم ،هذه الأنظمة تعاني الإفلاس السياسي بالدرجة الأساس في ظل العولمة وسرعة انتقال المعلومات وهي سوف تخسر المعركة إن دارت عليها لضعفها داخليا لأنها لا تمثل إلا نفسها أولا ،وضعفها أمام الماكينة العسكرية الأمريكية الماحقة وحلفائها ثانيا،والخيوط التي يمدونها بالظلام إلى الجبهة العراقية مكشوفة لابد أن ترصد وتشخص لتقطع ،والديمقراطية قادمة لا محال وعصر الضحك على الذقون انتهى وإلى الأبد وكل أحمق يتربع على كرسي الحكم بالحديد والنار إن لم يقرر الرحيل طوعا بصيغة ما فسوف يزاح بالحديد والنار والحرب مستمرة إلا أنها تسقط جبهة بعد جبهة يا سادة!*أنظر مقالنا المنشور (الحرب الباردة..وأمراض العصر)

الحرب الباردة..(وأمراض العصر)!

الحرب الباردة..(وأمراض العصر)!
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع
سالم اسماعيل نوركه salim_esmael1967@yahoo.com الحوار المتمدن - العدد: 2630 - 2009 / 4 / 28
4.8 / 5 Rate this article More from same author -->قبل التطرق إلى ما سميت بالحرب الباردة أود التطرق إلى نقطتين ،الأولى هي:لا تمر الأحداث التاريخية العالمية دون أن تترك تبعات ومخلفات في حاضر ومستقبل العالم تلك التي تؤثر في صنع الأحداث اللاحقة مع عوامل مستجدة بصورة أو بأخرى ف(القنابل)التي تنفجر اليوم هي من صنع الأمس والتي تنفجر في الغد من صنع اليوم،فالإمبراطوريات التي سقطت تركت بصمات قوية لها في الأحداث التي أعقبت سقوطها،فالإمبراطورية العثمانية على سبيل المثال لا الحصر سقطت مع الحرب العالمية الأولى(1914-1918)وبقيت تبعاتها تتحرك هنا وهناك وخصوصا ونحن نعلم بأنها حكمت المنطقة أكثر من أربعة قرون والحربين العالميتين الأولى(1914-1918)والثانية(1939-1945)انتهتا بإحداثهما الجسام لكن آثارهما والترتيبات والاتفاقيات التي نتجت عنهما إلى الآن تلقي بثقلهما في أكثر من منطقة من مناطق العالم وألحقتا غبنا تاريخيا ببعض الشعوب .والنقطة الثانية هي:درسنا التاريخ إلى وقت قريب بحذر شديد وخوف في عهد النظام الاستبدادي وتطرقنا إلى الأحداث والوقائع التاريخية بشكل مبتور من الحقائق وأحيانا تحضر دراسة بعض الأحداث لغاية في (نفس يعقوب)والبعض الأخر درست كما يشتهي السلطان وطلب من المؤرخين إعادة كتابة التاريخ لحذف ما يطلب السلطان حذفه وتحريف أو إضافة ما يطلب إضافته بعيدا عن الحقائق والوقائع والمطلوب اليوم إعادة قراءة وفهم وتحليل ودراسة التاريخ بموضوعية وجعل الجيل الجديد يطلع على الماضي بكل حرية وجعله يطلع على أحداث مضت لفهم الأحداث الحالية والمستقبلية.الحرب الباردة:هي الحرب التي كانت ساخنة بنتائجها وتبعاتها أكثر من كثير من الحروب الساخنة في التاريخ حيث خلفت وضعا بائسا وأنظمة بائسة ديكتاتورية ومستبدة في المنطقة والعالم،أيام كان العالم يدور في فلك القطبين وحتى الدول التي سميت بدول عدم الانحياز كانت الكثير منها منحازة إلى هذا المعسكر أو ذاك وحتى الإرهاب والانفلات الحالي في العالم من نتائج تلك الحرب بصيغة أو أخرى وأكثر المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها العالم اليوم هي من مخلفاتها بصيغة أو أخرى .أدعو ذوي الاختصاص في كل حقول المعرفة ومنها السياسة والتاريخ والاقتصاد التطرق إلى أحداث الماضي لفهم حركة الحاضر وتحرره من تبعات الماضي بقدر المستطاع لصنع الأحداث والتحرر من قيود ثقل الماضي علينا أن نحرك الأشياء من حولنا لا أن تحركنا كيفما تشاء.تشكلت حالة سياسية عالمية كانت قائمة على التنافس بدون حرب أو صراع عسكري مباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وبين الإتحاد السوفيتي السابق وحلفائها وسميت بالحرب الباردة وهي مصطلح أستخدم لوصف حالة الصراع والتوتر والتنافس التي دارت بين القطبين العالمين منتصف الأربعينات حتى أوائل الستينات خلال هذه الفترة ظهرت الندية بين القوتين العظيمتين خلال التحالفات العسكرية والتجسس وتطوير الأسلحة والدعاية والتقدم الصناعي وتطوير التكنولوجيا والتسابق الفضائي ،وفي أنفاق كبير على الدفاع العسكري والترسانات النووية وحروب غير مباشرة ،باستخدام وسيط في أكثر من منطقة من مناطق العالم والملفت للنظر إن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كانا حلفاء ضد فوات المحور إلا إن القوتين اختلفتا في كيفية إدارة ما بعد الحرب وإعادة بناء العالم وصاحبت فترة الحرب الباردة عدة أزمات دولية مثل أزمة حصار برلين 1948_1949 والحرب الكورية 1950_1953 وأزمة برلين عام 1961 وحرب فيتنام 1959_1975 والغزو السوفيتي لأفغانستان وأزمة الصواريخ الكوبية 1962 وكثيرا كان العالم يشعر أنه على حافة الانجراف إلى الحرب العالمية الثالثة وبأسلحة أكثر فتكا هذه المرة.إن الحدث التاريخي لا تنتهي بانتهاء الحدث ،وهو ليس من صنع عامل واحد وإن برز ذلك العامل ولا يمكن تكرار الحدث بنفس الصيغة أو العودة إليه ،فالبعض يتساءل تعود الحرب الباردة أو لا تعود؟ثمة حنين قومي وعاطفي لدى القادة الروس والسياسيين والعسكريين للعودة إلى مرحلة الدولة العظمى،واستدراك الجرح والهزيمة التي لحقت بالاتحاد السوفيتي وإن كنت شخصيا لا أرى منتصرا في هذه الحرب ،لأن النتائج المترتبة عن نهاية الحرب الباردة لا حقا أتعبت أمريكا وتلقت وتتلقى وتتفاعل مع أزمات العالم في أكثر بقاع الأرض كونها القطب الأوحد وإن كان الأخر لا يخفي عدم قبوله بتزعم قطب واحد للعالم وهذا بوتين يقول:لا أحد يشعر بالأمان في عالم أحادي القطب ،إن عالما أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة الأمريكية أمر لا يمكن القبول به،وقد أدى إلى المزيد من الحروب والصراعات في مختلف أنحاء العالم.أول استخدام للحرب الباردة لوصف الاضطراب السياسي بعد الحرب العالمية الثانية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة قام به المالي الأمريكي ومستشار الرئيس الأمريكي بيرنارد باروش في 1947 القى باروش خطبة في كارولينا الجنوبية قال فيها (دعونا لا نخدع أنفسنا نحن اليوم في حرب باردة ) كما أعطى الصحفي والتر ليبمان شهرة كبيرة للمصطلح عندما نشر كتابه بعنوان الحرب الباردة عام 1947.لا يوجد توافق بين المؤرخين فيما يتعلق ببداية الحرب الباردة ، فبينما يقول معظم المؤرخين أنها بدأت في نهاية الحرب العالمية الأولى ،على الرغم من أن المشاكل بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر ،إلا أن الخلاف في وجهات النظر بين الشيوعية والرأسمالية يعود إلى عام 1917 ،عندما أنطلق الاتحاد السوفيتي من الثورة الروسية كأول دولة شيوعية في العالم ،هذا أدى إلى جعل العلاقات الروسية الأمريكية مصدر قلق ومشاكل لفترة طويلة أدت العديد من الأحداث إلى نمو الشك وعدم الثقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مثل :التحدي البلشفي للرأسمالية من خلال عمليات إسقاط عنيفة للنظم الرأسمالية واستبدالها بنظم شيوعية ،وانسحاب روسيا من الحرب العالمية الأولى عن طريق عقد معاهدة بريست ليتوفسك مع المانيا ،وتدخل الولايات المتحدة في روسيا لدعم الجيش الأبيض خلال الحرب الأهلية الروسية ،ورفض الولايات المتحدة الاعتراف بالاتحاد السوفيتي حتى عام 1933 .أحداث أخرى حدثت في الفترة بين الحربين أدت إلى تعميق مناخ عدم الثقة المتبادل مثل معاهدة رابللو والاتفاق على عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي.والبعض يستنتج إن القنبلة الذرية أنهت حربا كونية عندما رفعت اليابان رايات الاستسلام بعد أن قصفت الطائرات الأمريكية مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين بهذه القنابل ،ولكنها فتحت بنفس الوقت مرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية ، مرحلة (الحرب الباردة)التي ساد فيها سلام الرعب إي السلام تحت ظل قناعة ثابتة أن القوى النووية تستطيع تحقيق الدمار المتبادل والبعض يربط بين التفجيرات النووية الأولى وبدايات الحرب الباردة وبأن القنبلة الذرية لم تدفع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق إلى التعاون الحقيقي وإنما إلى الدخول في منافسة بل وفي مواجهة ثنائية لا هوادة فيها ,ساد لدى جوزيف ستالين الزعيم السوفيتي آنذاك الاعتقاد بل والقناعة ،إن الولايات المتحدة سوف تلجأ إلى استخدام السلاح النووي ضد بلاده كما فعلت ضد اليابان ،وإنها تريد تدمير المنظومة الاشتراكية التي تدور في فلك الاتحاد السوفيتي ولذالك كان رد ستالين هو السعي الحثيث من أجل تزويد بلاده بالسلاح النووي أيضا ووضع حد للتفوق الأمريكي والغربي عامة ،في الميدان النووي .قاد (منطق القنبلة) إلى منظومة الحرب الباردة ألتي انبثقت كناتج فرعي من الحرب العالمية الثانية.أمتلك الاتحاد السوفيتي قنبلة الذرية وكان على علم بمسيرة الأبحاث الذرية الأمريكية منذ عام 1932 بفضل جواسيسه فوق الأرض الأمريكية.الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية ونهاية الحرب الباردة:في عام 1985 وبعد رحيل ثلاثة زعماء تولوا القيادة السوفيتية خلال الفترة من عام 1964 إلى 1985 _بريجنيف 1964-1982،وأندربوف 1982-1984 ،وشيرنينكو1984-1985_جاء زعيم شاب 54 عاما حينئذ هو ميخائيل جورباتشوف ليتولى زعامة الحزب وقد كان اختيار السريع من جانب زملائه في المكتب السياسي ،ولم يكن أكبرهم سنا ولا مكانة في سلم القيادة ،يعكس تفهما واقتناعا من جانبهم إن الاتحاد السوفيتي يواجه تحديات جديدة تتطلب رجلا ذا رؤية وإرادة مختلفة.أستخلص جورباتشوف من إن السياسات الخارجية التي أتبعها الاتحاد السوفيتي في تحدي الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عسكريا ،وتأكيد ذاته في المناطق الإقليمية وتوسيع ارتباطاته فيها قد أتى برد فعل عكسي على المصالح السوفيتية الحقيقية ،فعلى المستوى العسكري أدى نشر الصواريخ السوفيتية ss-20 في أوربا إلى قرار الناتو عام 1979 بنشر الصواريخ الأمريكية برشينج وكروز ،ما أدى إلى زيادة القوى العسكرية الأمريكية الأمر الذي تبلور في برنامجها الدفاع الإستراتيجي s d i والذي مثل تصعيدا خطيرا لسباق التسلح ،وتحديا جديدا له في هذا السباق إذا ما صمم على مواجهته ،كما فعل في تحديات سابقة،فأن هذا يعني استنزافا جديدا لطاقته وموارده الاقتصادية لم يعد يتحمله،وعلى المستوى الدبلوماسي فشلت الحملة الدبلوماسية والسياسية التي شنها الاتحاد السوفيتي وحاول بها مخاطبة واستنفار المجتمعات الأوربية لمنع نشر الصواريخ الأمريكية ونفذ هذا القرار في سنة 1983.وقد كان الإطار العام ،الذي أعاد فيه جورباتشوف صياغة مفاهيم السياسة الخارجية والأمن السوفيتي ،هو إن برامجه في إعادة البناء في الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن تتم بشكل سليم ومستقرا إلا في بيئة دولية وإقليمية سليمة ،تخلو من مجابهات وتوترات الحرب الباردة وشكوكها وانعدام الثقة بين القوى الدولية الرئيسية ويفرض قيودا على إمكانيات التعاون الدولي في العالم رأى جورباتشوف إن الاقتصاد العالمي فيه أصبح كيانا واحدا لا تستطيع دولة خارجة عنه أن تتطور تطورا طبيعيا بغض النظر عن النظام الاجتماعي الذي تنتمي إليه ،وأهم من هذا إن جورباتشوف أكد إن برامجه في إعادة البناء لا يمكن أن تتم إلا في بيئة تخلو من سباق التسلح بأعبائه الباهظة ،وكذالك من التوترات والصراعات الإقليمية التي أثبتت إنها تسمم علاقات الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتفرض الوقت نفسه أعباء لم يعد في قدرة الاتحاد السوفيتي المادية تحملها,أما في الجانب الأخر ونقصد الولايات المتحدة الأمريكية فأن ظروف أدت إلى نجاح مرشح الرئاسة الجمهورية رونالد ريجان (1980-1984)الولاية الأولى ،(1984-1988)الولاية الثانية للفوز بالرئاسة ونذكر منها :*سقوط شاه إيران،وتداعيات سقوطه*قضية الرهائن وفشل محاولة إنقاذهم وتعرض الهيبة الأمريكية إلى الاهتزاز*ارتفاع نسبة التضخم وأسعار الفائدة ،وإدارة ريجان حاولت إعادة ترتيب الأولويات وعلى المستوى العسكري فقد رأى أنصار مدرسة ريجان إن المواجهة العسكرية والإصرار على البناء العسكري ،وخاصة برنامج الدفاع الإستراتيجي كان مقدمة ضرورية لما تلا ذلك من سلام ووفاق ،فعندهم (أنصار مدرسة ريجان)إن الاتحاد السوفيتي وقادته لم يحترموا إلا القوة ،وإن إعادة تسليح أمريكا كان ضرورة لإقناعهم إن الغرب لم يكن في مرحلة تدهور أو ضعف ،وأنه ما زال مستعدا لبذل التضحيات المطلوبة لضمان الصمود ضد أي ضغط أو تهديد سوفيتي.وتلخص مدرسة ريجان رأيها في تأثير البناء العسكري الأمريكي لا سيما مبادرة الدفاع الإستراتيجي على التطورات السوفيتية بالقول بأنه قد وضع الاتحاد السوفيتي وقادته أمام مأزق ،وخيارين كلاهما صعب أما مجاراة البناء العسكري إلى حد الإفلاس ،أو عدم مجاراته،وبذلك يكون الاتحاد السوفيتي قد فقد إدعاءه الوحيد الذي يجعل منه قوة أعظم وهي القوة العسكرية .باختصار إن نهاية الحرب الباردة لم تأتي نتيجة لسياسات ريجان أو لسياسات جورباتشوف فحسب وإنما نتيجة لأسباب عديدة فالتحولات السياسية والتاريخية الكبرى ،عموما من الصعب أن تحدثها قوة واحدة حتى لو كانت قوة عظمى وإنما هي مرحلة تفاعل عدد من العوامل والتطورات التي تحدث عادة على جانب الصراع وإن كانت بنسب متفاوتة مهما كانت أسباب انتهاء الحرب الباردة بسبب فشل النظام السوفيتي ذاته أو بسبب القوى الخارجية أو بسبب جملة عوامل متداخلة كما نراها فأنها قد انتهت ولكن تبعاتها لم تنتهي بعد وأشعر إن العالم قد تتمخض عاجلا أم أجلا عن نظام دولي جديد ،فأمريكا كقطب وكما نفسر ونحلل ونقرأ وكما يصرح ساسة أمريكا بأن إدارة العالم أصبح صعبا على أمريكا لوحده كقطب كما إن أوربا لوحدها لا تقدر إدارته ويبدوا إن الولايات المتحدة الأمريكية قد حقق نصرا أجوف في الحرب الباردة لأنها شاء ت أم أبت عليها أن تذوق مع حلاوة تزعم العالم مرارته فالمشاكل في العالم أصبحت أعظم وتشعبت وتراكمت سلبيات الحلول القسرية والمشاكل الاقتصادية تعاظمت والجبهات تعددت وأساليب الأمس تبدوا لا تنفع اليوم كما إن الحلول العسكرية مثل دواء لا تنفع مع (أمراض العصر)السياسية وغيرها